فاراج يزلزل "حزب العمال" البريطاني... وستارمر في مهب العاصفة

سقطت مناطق كانت تعد من معاقل "حزب العمال" الصلبة في يد "حزب الإصلاح" بفوارق كبيرة

المجلة
المجلة

فاراج يزلزل "حزب العمال" البريطاني... وستارمر في مهب العاصفة

أصبحت قدرة رئيس الوزراء البريطاني السير كير ستارمر على البقاء في السلطة محل شك متزايد، بعد الخسائر الكارثية التي تكبدها "حزب العمال" الحاكم في الجولة الأخيرة من الانتخابات المحلية في المملكة المتحدة.

فستارمر، الذي وصل إلى "داونينغ ستريت" قبل عامين فقط، إثر فوز كاسح في الانتخابات العامة لعام 2024، كان قد تعرض أصلًا لضغوط شديدة للتنحي بسبب تعامله مع ملفات عدة، من تعيين اللورد ماندلسون، مسؤول الدعاية السابق في "حزب العمال"، سفيرا لبريطانيا في واشنطن، إلى ردّه غير المقنع على الصراع الإيراني.

وهو يواجه الآن دعوات واسعة داخل "حزب العمال" لإنهاء رئاسته للحكومة، بعد الأداء الكارثي للحزب في الانتخابات المحلية الأخيرة، التي سجل فيها بعضا من أسوأ نتائجه في التاريخ السياسي الحديث.

وجاءت النتائج لتكشف صعود نايجل فاراج، زعيم "حزب الإصلاح" الشعبوي، منافسا جديا على منصب رئيس الوزراء المقبل في بريطانيا. ومع ذلك، أصر ستارمر على أنه باق في منصبه حتى الانتخابات العامة المقبلة على الأقل، وهي انتخابات غير مقررة قبل عام 2029.

وفي تعليق له عقب إعلان النتائج، شدد ستارمر على أنه لن "ينسحب ويغرق البلاد في الفوضى"، مؤكدا أنه سيخوض الانتخابات المقبلة.

وقال إنه يتحمل المسؤولية الكاملة عن نتائج الانتخابات، بعدما أقر بأن الصورة بدت سيئة لحزبه. وأضاف: "النتائج صعبة، صعبة جدا، ولا مجال لتجميلها."

وتابع: "لقد خسرنا ممثلين رائعين لـ(حزب العمال) في مختلف أنحاء البلاد. هؤلاء أشخاص بذلوا الكثير من أجل مجتمعاتهم، والكثير من أجل حزبنا. وهذا مؤلم، وينبغي أن يكون مؤلما، وأنا أتحمل المسؤولية."

لا شك أن حجم هزيمة "حزب العمال" أعاد رسم ملامح المشهد السياسي البريطاني بدرجة كبيرة، وأطلق توقعات بأن نظام الحزبين القديم، الذي هيمن فيه المحافظون والعمال على السياسة البريطانية، قد بلغ نهايته

لكنه أضاف: "أقرّ بأن [النتائج] تعكس شعور الناخبين بأن حياتهم لم تتغير بما يكفي أو بالسرعة الكافية، وهذا أمر مستمر منذ وقت طويل. لقد انتُخبنا للتعامل مع ذلك، ولن أتنصل من هذه المسؤولية وأغرق البلاد في الفوضى."

وقد سقطت مناطق كانت تعد من معاقل "حزب العمال" الصلبة في يد "حزب الإصلاح" بفوارق كبيرة. ففي مدينة سندرلاند الشمالية، على سبيل المثال، خسر "حزب العمال" للمرة الأولى في تاريخ المدينة، بعدما فقد 49 من مقاعده الـ54 لصالح الحزب الذي يتزعمه نايجل فاراج. وبالمجمل، خسر الحزب نصف المجالس المحلية التي كان يسيطر عليها قبل الانتخابات.

ودفعت هذه النتائج عددا من أبرز مؤيدي "حزب العمال" إلى مطالبة ستارمر بالتنحي، إذ قال أحد حلفائه السابقين المقربين إنه قد "خسر البلاد".

وكتب جوش سيمونز، الوزير السابق في مكتب مجلس الوزراء، والمدير السابق لمؤسسة "Labour Together" (العمل معا)، وهي مركز أبحاث كان محوريا في صعود السير كير إلى السلطة، في صحيفة "ذي تايمز": "إذ أضع الناس الذين أمثلهم والبلد الذي أحبه أولا، لا أعتقد أن رئيس الوزراء قادر على الارتقاء إلى هذه اللحظة. لقد خسر البلاد." وأضاف أن عليه لذلك أن "يسيطر على الموقف عبر الإشراف على انتقال سلس إلى رئيس وزراء جديد".

أ.ف.ب
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر برفقة زوجته فيكتوريا ستارمر في مركز اقتراع بكنيسة ويستمنستر للإدلاء بصوتيهما، وسط لندن، في 7 مايو 2026، مع بدء الانتخابات المحلية

وفي الوقت نفسه، دعت شارون غراهام، الأمينة العامة لنقابة "Unite"، أكبر مانح نقابي لـ"حزب العمال"، رئيس الوزراء إلى وضع جدول زمني لرحيله في أعقاب الهزيمة الثقيلة التي مني بها الحزب في الانتخابات المحلية يوم الخميس.

ولا شك أن حجم هزيمة "حزب العمال" أعاد رسم ملامح المشهد السياسي البريطاني بدرجة كبيرة، وأطلق توقعات بأن نظام الحزبين القديم، الذي هيمن فيه المحافظون والعمال على السياسة البريطانية، قد بلغ نهايته. فقد خرج "حزب الإصلاح" (Reform) بزعامة فاراج فائزا بلا منازع، محققا مكاسب ضخمة بلغت 1451 مقعدا على حساب العمال والمحافظين معا.

وجاءت إحدى أكثر الخسائر إثارة في ويلز، التي عُدت تقليديا معقلا لـ"حزب العمال"، حيث فقد الحزب السيطرة على البرلمان الويلزي (Senedd)، لصالح حزب "Plaid Cymru" المؤيد للاستقلال. كما فشل "العمال" في تحقيق اختراق في اسكتلندا، وهي معقل سابق آخر للحزب، حيث احتفظ "الحزب الوطني الاسكتلندي" المؤيد للاستقلال بالسلطة للمرة الخامسة، في سابقة داخل البرلمان الاسكتلندي.

يصر ستارمر على أنه سيبقى ثماني سنوات أخرى، وأنه سيقود "مشروع تجديد يمتد لعشر سنوات" داخل "حزب العمال"

وفي خطوة اعتُبرت على نطاق واسع محاولة يائسة للبقاء في السلطة، رد ستارمر على النتائج بتعيين مفاجئ لرئيس الوزراء العمالي السابق غوردون براون مبعوثا خاصا للتمويل والتعاون العالميين.

وكان براون رئيسا للوزراء بين عامي 2007 و2010، ووزيرا للمالية بين عامي 1997 و2007، وينسب إليه كثيرون دورا محوريا في دعم النظام المصرفي الدولي خلال الأزمة المالية العالمية.

وسيُكلف براون بتطوير شراكات تمويل دولية جديدة قادرة على دعم الاستثمارات المرتبطة بالدفاع والأمن، بما في ذلك التدابير التي تعزز علاقة بريطانيا بأوروبا. وبعد الرسالة القاسية التي وجهها الناخبون، يأمل ستارمر أن تنجح هذه الخطوة غير المتوقعة في إجهاض محاولات التمرد داخل الحزب.

أ.ف.ب
نايجل فاراج، زعيم حزب الإصلاح في المملكة المتحدة، في صورة مع أعضاء الحزب أمام مبنى بلدية هافرينغ، بعد يوم من الانتخابات المحلية في شرق لندن، في 8 مايو 2026

لكن الأيام وحدها ستكشف ما إذا كان تعيين براون كافيا لتهدئة الغضب المتصاعد في صفوف "حزب العمال" على خلفية أداء ستارمر المتعثر. وقد ندد غراهام سترينجر، النائب العمالي عن مانشستر، بتعيين براون، واصفا إياه بأنه "محاكاة هزلية لسياسة ما قبل 16 عاما"، مضيفا أن هذه الخطوة لن تحل "مشكلة مستحيلة: كيف يمكن تحسين صورة رئيس وزراء لا يحظى بأي شعبية؟".

وعلى الرغم من إصرار ستارمر على أنه سيبقى ثماني سنوات أخرى، وأنه سيقود "مشروع تجديد يمتد لعشر سنوات" داخل "حزب العمال"، قالت كاثرين ويست، النائبة العمالية عن دائرة هورنسي وفرايرن بارنيت في لندن الكبرى، والمنتخبة منذ مايو/أيار 2015، والتي تشغل مقعدا في لجنة الخزانة وتعمل أيضا مبعوثة تجارية إلى باكستان، إنها ستحاول إطلاق سباق على زعامة الحزب بنفسها إذا لم يتقدم أي وزير في الحكومة لتحدي ستارمر.

وتقول ويست إن لديها حاليا عددا من نواب "حزب العمال" المستعدين لدعمها، وإنها "واثقة" من أن عددا كافيا من النواب سيبادرون إلى دعم تحرك يفتح الباب أمام سباق على القيادة.

ويُعرف هذا التكتيك في السياسة البريطانية باسم "مرشح جس النبض"، أي الشخص الذي يخوض سباقا لا يُتوقع أن يفوز به، بهدف تحدي الزعيم القائم، أو تشتيت صفوف المعارضة، أو قياس حجم الدعم لمرشح أكثر جدية، غالبا ما يكون اسمه غير معلن. وهو تكتيك شائع في سباقات القيادة، يُستخدم لإضعاف الزعيم أو لحجب نوايا المنافس الحقيقي حتى اللحظة الأخيرة الأكثر أمانا.

سواء واجه ستارمر تحديا على الزعامة أم لا، فإن نتائج الانتخابات المحلية الكارثية وجهت ضربة قاسية لرئاسته للحكومة

وقال أحد نواب "حزب العمال": "أرجّح أنها ستتمكن من بلوغ عتبة الـ81 صوتا". وهذا هو عدد المؤيدين المطلوب لإطلاق اقتراع على زعامة الحزب. وأضاف النائب أن "الإحباط بين نواب الصفوف الخلفية أوسع بكثير من الأصوات التي سمعناها علنا. هناك عدد أكبر بكثير من نواب (حزب العمال) المعتدلين والوسطيين الذين يعتقدون أيضا أن وقته قد انتهى. ومثل معظم نواب (حزب العمال)، أنا غاضب للغاية من الحكومة لأنها وضعت مناصبها فوق مصلحة البلاد".

وحتى الآن، لم يحسم المرشحون المحتملون لزعامة "حزب العمال" مواقفهم. فقد تحدث ويس ستريتنغ، وزير الصحة، وأحد الأسماء المطروحة مستقبلا لرئاسة حكومة عمالية، عن استمرار دعمه لستارمر.

أما أنغيلا راينر، نائبة زعيم "حزب العمال" السابقة، وهي منافسة محتملة أخرى، فسيكون من الصعب عليها في الوقت الراهن حشد تحدٍ للقيادة، لأنها لا تزال طرفا في نزاع مع سلطات الضرائب بشأن ضرائب غير مدفوعة. أما آندي بيرنهام، عمدة مانشستر الكبرى واسع الشعبية، فيحتاج أولا إلى إعادة انتخابه عضوا في مجلس العموم قبل أن يتمكن من خوض سباق الزعامة.

لكن عشرات النواب يريدون من ستارمر أن يضع جدولا زمنيا للاستقالة، بما يمنح بيرنهام الوقت الكافي للعثور على مقعد قبل أي منافسة. وقال أحد النواب: "لا يمكننا اختيار الزعيم إلا مرة واحدة. يجب أن يكون الشخص المناسب. لذلك قد يحتاج السباق إلى وقت أطول، لأن آندي يحتاج إلى مقعد."

وسواء واجه ستارمر تحديا على الزعامة أم لا، فإن نتائج الانتخابات المحلية الكارثية وجهت ضربة قاسية لرئاسته للحكومة، وقد تجعل بقاءه في المنصب على المدى الطويل أمرا بالغ الصعوبة.

font change