زيارة الملك تشارلز إلى واشنطن... هل ترمم العلاقة عبر الأطلسي؟

هل خالف ترمب البروتوكول، وماذا عن مساهمة بريطانيا في "الناتو"؟

أ.ف.ب
أ.ف.ب
الرئيس الأميركي دونالد ترمب وملك بريطانيا تشارلز الثالث خلال مراسم استقباله في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض في واشنطن العاصمة، في 28 أبريل 2026

زيارة الملك تشارلز إلى واشنطن... هل ترمم العلاقة عبر الأطلسي؟

يشترك الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الملك البريطاني تشارلز الثالث في جوانب عديدة. فقد وُلد كلٌّ منهما في أربعينات القرن الماضي داخل أسرتين تمتعتا بالثراء والامتيازات، واضطر كلٌّ منهما، لاعتبارات مختلفة، إلى انتظار عقود طويلة قبل أن يبلغ غايته الكبرى ويتبوأ موقع رأس الدولة في بلاده.

لكنّ ما شهدته واشنطن هذا الأسبوع أظهر أن أوجه الشبه تكاد لا تتجاوز ذلك الحد. فبينما نشأ الملك تشارلز على فكرة أن خدمة البلاد ترتكز إلى الواجب والتضحية، شق ترمب طريقه إلى البيت الأبيض بأسلوب أكثر تهورا وأقل اتزانا. وبرز هذا التباين بوضوح في الطريقة التي تحدث بها الزعيمان.

وأبدى مسؤولون بريطانيون قلقا مفهوما إزاء زيارة الدولة التي استمرت أربعة أيام إلى الولايات المتحدة، في سابقة لملك بريطاني يُستقبل بهذا القدر من الحفاوة. وفي ظل تراجع العلاقات بين ترمب ورئيس الوزراء البريطاني السير كير ستارمر إلى أدنى مستوياتها، بفعل تباين مقاربتيهما للصراع مع إيران، خشيت الأوساط البريطانية أن تُربك تصريحات ترمب العلنية غير المتوقعة مسار العلاقة عبر الأطلسي وتزيده تعقيدا.

وساد قدر كبير من التوجس بين المسؤولين البريطانيين حين ألقى ترمب كلمته الافتتاحية مرحبا بالملك والملكة كاميلا في البيت الأبيض، إذ أشار إلى أن والدته، المولودة في اسكتلندا، كانت تُكنّ إعجابا كبيرا للعائلة المالكة.

وقال: "كلما ظهرت الملكة في مراسم أو مناسبة، كانت أمي تلازم شاشة التلفزيون وتقول: انظر يا دونالد، انظر كم يبدو هذا جميلا. لقد كانت مولعة بالعائلة حقا. وأذكر أيضا أنها كانت تقول بوضوح شديد: تشارلز، انظر، تشارلز الصغير، إنه لطيف جدا. كانت أمي معجبة بتشارلز، هل تصدق ذلك؟ إنه لأمر مذهل، وأتساءل كيف كانت ستفكر في ذلك الآن".

وبينما بدا الملك تشارلز متحفظا بوضوح إزاء تصريحات الرئيس، كان إعجاب ترمب بالعائلة المالكة البريطانية جليا في الاستقبال الباذخ الذي أعده لها. فقد جاءت مراسم الترحيب الرسمي في أبهى صور الاحتفال والاستعراض العسكري الأميركي، وعلى نطاق غير مسبوق في البيت الأبيض، إذ أقام الرئيس لضيوفه الملكيين استقبالا كاملا في الحديقة الجنوبية، تخللته تحية من 21 طلقة، وعرض جوي شاركت فيه طائرات مقاتلة من طراز "إف-45".

وفي ظل استمرار التوتر في علاقة ترمب بستارمر، يعلّق مسؤولون بريطانيون آمالا على أن تسهم زيارة الملك، التي نُظمت احتفاء بالذكرى المئتين والخمسين لاستقلال الولايات المتحدة عن بريطانيا، في ترميم العلاقات مع واشنطن.

لا يُعرف على وجه الدقة كيف ينظر تشارلز إلى ترمب، غير أنه نهض بتحدي إنعاش ما يُعرف بـ"العلاقة الخاصة" بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، وهو التعبير الذي صاغه تشرشل قبل ثمانية عقود

واستنادا إلى ردود الفعل على خطاب الملك أمام مجلسي الكونغرس، وكذلك كلمته خلال مأدبة العشاء الرسمية في البيت الأبيض التي استضافها ترمب والسيدة الأولى، بدا أن لباقة تشارلز وبراعته في التعامل مع تحدّ دبلوماسي بالغ الحساسية حققتا نجاحا لا لبس فيه.

وجاء ذلك رغم أن ترمب بدا وكأنه تجاوز حدود البروتوكول حين ألمح إلى أن تشارلز يؤيد سياسة إدارته القائمة على عدم السماح لإيران بامتلاك أسلحة نووية تحت أي ظرف. فمن القواعد الراسخة في الدستور البريطاني أن يمتنع الملك عن التعليق علنا على قضايا السياسة الحكومية.

وخلال مخاطبته 120 ضيفا اجتمعوا لحضور المأدبة، زعم ترمب أن الملك شاركه الرأي، في حديث خاص داخل المكتب البيضاوي، بأن إيران لا ينبغي أن تمتلك سلاحا نوويا على الإطلاق.

وقال: "لقد هزمنا ذلك الخصم عسكريا، ولن نسمح له أبدا، وتشارلز يوافق على ذلك أكثر مني، لن نسمح أبدا لذلك الخصم بامتلاك سلاح نووي. إنهم يعرفون هذا، وقد أدركوه الآن بوضوح شديد".

رويترز
ملك بريطانيا تشارلز والملكة كاميلا في ضيافة الرئيس ترمب وزوجته لتناول شاي ما بعد الظهيرة في البيت الأبيض بواشنطن العاصمة، في 27 أبريل 2026

وردا على تصريحات ترمب بشأن إيران، قال متحدث باسم قصر باكنغهام: "يراعي الملك، بطبيعة الحال، موقف حكومته الراسخ والمعروف منذ زمن طويل من منع الانتشار النووي".

غير أن أبرز ما قدّمه تشارلز تمثّل في خطابه أمام الكونغرس، حيث قوبل بالتصفيق وقوفا اثنتي عشرة مرة، في كلمة عدّها كثير من المراقبين السياسيين نموذجا محكما للدبلوماسية الرفيعة. وبينما شدد تشارلز على أهمية التحالف عبر الأطلسي، أقر أيضا بأن على المملكة المتحدة بذل مزيد من الجهد لزيادة مساهمتها العسكرية في هذا التحالف.

كما كان لافتا رد الملك على الرئيس الذي قال مؤخرا أنه لولا بلاده لكانت أوروبا تتكلم الألمانية في إشارة إلى مشاركة الولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية ضد النازية، فقال تشارلز: "لو إنجلترا لكانت الولايات المتحدة تتحدث الفرنسية"، في إشارة إلى حرب السنوات السبع بين 1754 و1763 عندما خاضت بريطانيا وفرنسا صراعا للسيطرة على أميركا الشمالية.

وبالنظر إلى حفاوة الاستقبال التي حظي بها الزوجان الملكيان منذ مستهل زيارتهما التي امتدت أربعة أيام، يبدو واضحا أن حضورهما في الولايات المتحدة سيسهم، ولو جزئيا، في ترميم العلاقات بين واشنطن ولندن، حتى إن بقيت الخلافات السياسية العميقة قائمة بين ترمب وستارمر.

ولا يخفي الرئيس الأميركي إعجابه بوالدة الملك الراحلة، الملكة إليزابيث الثانية، التي أمضى معها وقتا خلال ولايته الرئاسية الأولى. كما أبدى استمتاعه بعظمة المراسم الملكية خلال زيارتيه الرسميتين إلى المملكة المتحدة، ويبدو أنه أقام، منذ عودته إلى السلطة قبل 15 شهرا، علاقة قوية ولافتة مع تشارلز.

ولا يُعرف على وجه الدقة كيف ينظر تشارلز إلى ترمب، غير أنه نهض بتحدي إنعاش ما يُعرف بـ"العلاقة الخاصة" بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، وهو التعبير الذي صاغه السير ونستون تشرشل قبل ثمانية عقود.

وقال السير بيتر وستماكوت، الذي شغل منصب سفير بريطانيا لدى واشنطن بين عامي 2012 و2016: "يبدو أن ترمب يفصل بين موقفه من الملك والبلاد من جهة، وموقفه من ستارمر والحكومة من جهة أخرى. وهذا يفتح نافذة لتذكيره بأهمية هذه العلاقة، وبحجم ما تستطيع الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنجازه معا، وما تنجزانه بالفعل".

بصفته أميرا لويلز، اشتهر تشارلز بما عُرف بـ"مذكرات العنكبوت الأسود"، وهي تسمية ارتبطت بخطه المميز وبالحبر الأسود الذي كان يستخدمه

وللملك تشارلز مواقف راسخة في ملفات كثيرة، من البيئة إلى الشؤون العالمية، ولم يتردد قط في التعبير عن وجهة نظره. وقد التقى شخصيا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني، فاستقبل الأول بعدما وبّخه ترمب علنا خلال لقاء في البيت الأبيض أمام الصحافة الدولية، والتقى الثاني بعدما هدّد ترمب بضم كندا.

رويترز
نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس ورئيس مجلس النواب الأميركي مايك جونسون يصفقان بحرارة أثناء حضور ملك بريطانيا تشارلز والملكة كاميلا جلسة مشتركة للكونغرس في قاعة مجلس النواب بمبنى الكابيتول، واشنطن في 28 أبريل 2026

وبصفته أميرا لويلز، اشتهر تشارلز بما عُرف بـ"مذكرات العنكبوت الأسود"، وهي تسمية ارتبطت بخطه المميز وبالحبر الأسود الذي كان يستخدمه. وقد تضمنت تلك الرسائل والمذكرات، التي كتبها على مدى سنوات إلى وزراء ومسؤولين سياسيين في الحكومة البريطانية، عرضا لمواقفه ودفاعا عنها. ولأن العرف الدستوري يفرض على الملك البريطاني الالتزام بالحياد السياسي، أثارت تلك الرسائل جدلا واسعا، إذ صدرت عن الأمير تشارلز حين كان الابن الأكبر للملكة ووريث العرش.

ويفتخر ترمب كثيرا بصلاته البريطانية، عبر والدته ماري ماكلويد، المولودة في ستورنوواي بجزر الهبريدس، وقد ذكرها في خطابه الحماسي عند استقباله الملك تشارلز في البيت الأبيض يوم الثلاثاء. وفي كشف لافت برز في اللحظات الأخيرة من هذا الأسبوع، تبيّن أن للرئيس صلة نسب مباشرة بآل وندسور، إذ يجمعه والملك سلف واحد هو إيرل لينوكس الثالث، أحد أحفاد الملك جيمس الثاني ملك اسكتلندا. وبذلك يكون ترمب وتشارلز الثالث ابني عمومة من الدرجة الخامسة عشرة، وهي بدورها علاقة مميزة من نوع آخر.

font change

مقالات ذات صلة