اعتقال "الأمير أندرو"... عاصفة تهزّ العرش البريطاني

منذ الثلاثينات لم تواجه المؤسسة الملكية أزمة تمس أسسها على هذا النحو

المجلة - رويترز
المجلة - رويترز

اعتقال "الأمير أندرو"... عاصفة تهزّ العرش البريطاني

أثار اعتقال أندرو مونتباتن-ويندسور، الثامن في ترتيب ولاية العرش البريطاني، للاشتباه في إساءة استخدام المنصب العام، صدمة بقدر ما كان متوقعا. جاءت الصدمة لأن أحدا من أفراد العائلة المالكة في العصر الحديث، لم يخضع من قبل لإجراءات توقيف على يد الشرطة. أما التوقع فمرده إلى أن نشر ملفات إبستين كشف أن مونتباتن-ويندسور، خلال عمله مبعوثا تجاريا للمملكة المتحدة، كان يمرر معلومات حساسة ووثائق سرية إلى الممول الأميركي سيئ السمعة جيفري إبستين، الذي جمعته به صداقة وثيقة، وعلاقات عمل امتدت سنوات طويلة.

وفيما تواصل الشرطة تفتيش عقارات ترتبط بالأمير السابق، يبقى من غير المعروف ما إذا كانت تلك المواد تضمنت أسرارا وطنية. وجاء في بيان لشرطة وادي التيمز: "في إطار التحقيق، أوقفنا اليوم رجلا في الستينات من عمره من مقاطعة نورفولك للاشتباه في إساءة استخدام المنصب العام، ونقوم بعمليات تفتيش في عناوين تقع في بيركشاير ونورفولك".

رويترز
أندرو ماونتباتن وندسور، الشقيق الأصغر لملك بريطانيا تشارلز، والمعروف سابقًا باسم الأمير أندرو، يغادر مركز شرطة أيلشام على متن سيارة، 19 فبراير 2026.

وعلى الرغم من أن مونتباتن-ويندسور قد أطلق سراحه بعد استجوابه على مدى يوم كامل تقريبا، فإن مجرد توقيف شخصية بهذه المكانة داخل العائلة المالكة، يشكّل أخطر أزمة تواجهها الملكية البريطانية منذ عقود. فمنذ أزمة التنازل عن العرش في ثلاثينات القرن الماضي، حين تخلى الملك إدوارد الثامن عن العرش بسبب علاقته بالمطلقة واليس سمبسون، لم تواجه المؤسسة الملكية أزمة تمس أسسها على هذا النحو.

وحتى قبل أن تدهم الشرطة البريطانية المنزل، الذي يقيم فيه حاليا في نورفولك، ظل الأمير السابق أندرو في صلب جدل واسع بسبب علاقاته بإبستين. وألقى نشر ملايين الوثائق المرتبطة بأنشطة إبستين التجارية والشخصية بظلال ثقيلة على طبيعة العلاقة التي جمعته بمونتباتن-ويندسور، وهي علاقة استمرت حتى بعد سجن إبستين بتهم تتعلق بالدعارة.

وأدى تفاقم الفضيحة في بريطانيا، إلى تجريد مونتباتن-ويندسور من ألقابه الملكية، بما في ذلك حقه في استخدام لقب الأمير أندرو، وأجبر على مغادرة مقر إقامته العائلي في ضيعة ويندسور الملكية، والانتقال إلى مسكن أكثر تواضعا في نورفولك.

ومع تكشف مزيد من التفاصيل المتعلقة بأنشطته التجارية خلال الفترة التي شغل فيها منصب المبعوث التجاري الرسمي للمملكة المتحدة، قررت الشرطة التحرك على خلفية اتهامات بإساءة استخدام موقعه الوظيفي.

وعكست سرعة إصدار الملك تشارلز بيانا يؤكد دعمه للتحقيق، حجم الأزمة التي فجرها اعتقال شقيقه الأصغر المثير للجدل، وهو الذي سعى إلى النأي بنفسه عنه. وقال في بيانه إنه "يشعر بقلق عميق"، مشددا على أن القانون "يجب أن يأخذ مجراه". وأضاف: "لا أرى من المناسب التعليق أكثر على هذه المسألة"، مؤكدا: "سنواصل أداء واجبنا وخدمتنا لكم جميعا".

قد تتجاوز التداعيات الدستورية المحتملة لاعتقال مونتباتن-ويندسور حدود المتاعب السياسية التي يواجهها ستارمر، ولا سيما إذا انتهت إجراءات الشرطة إلى إدانة أحد كبار أفراد العائلة المالكة بتهمة جنائية جسيمة

كما أعلن أمير وأميرة ويلز، اللذان تصادف وجودهما في نورفولك وقت الاعتقال، دعمهما لبيان الملك.

ويبقى السؤال مطروحا حول ما إذا كان ذلك كافيا لحماية بقية المؤسسة الملكية من تداعيات الفضيحة، فقد واجه الملك خلال الأسابيع الأخيرة، هتافات احتجاج من بعض المواطنين أثناء أدائه واجباته الرسمية.

ومن شأن هذا الاعتقال أن يثير قلقا لدى رئيس الوزراء البريطاني السير كير ستارمر، الذي يواجه بدوره متاعب تتصل بقضية إبستين. فقد تعرض في وقت سابق من هذا الشهر لانتقادات حادة بعد تعيين اللورد بيتر ماندلسون، السياسي العمالي المخضرم، سفيرا للمملكة المتحدة لدى الولايات المتحدة، على الرغم من علمه بالعلاقة الشخصية الطويلة التي جمعته بإبستين. وأفضى الجدل السياسي الذي تلى ذلك إلى إبعاد ثلاثة من كبار مساعدي ستارمر عن مقر رئاسة الحكومة في داونينغ ستريت.

رويترز
يمتطي أندرو ماونتباتن-ويندسور حصانًا في منتزه وندسور العظيم، بالقرب من رويال لودج، 2 فبراير 2026.

ومع ذلك، قد تتجاوز التداعيات الدستورية المحتملة لاعتقال مونتباتن-ويندسور حدود المتاعب السياسية التي يواجهها ستارمر، ولا سيما إذا انتهت إجراءات الشرطة إلى إدانة أحد كبار أفراد العائلة المالكة بتهمة جنائية جسيمة.

وبغض النظر عن الاتهامات الإضافية الموجهة إلى مونتباتن-ويندسور بشأن سلوكه مع فتيات قاصرات تعرضن للاستغلال الجنسي ضمن شبكة إبستين، وهي اتهامات واظب على نفيها، فإن إرسال ست سيارات تابعة لشرطة وادي التيمز، إلى مقر إقامته في وود فارم داخل ضيعة ساندرينغهام الخاصة بالملك في نورفولك، أثار صدمة واسعة في الأوساط العامة، ولا سيما إذا ما نظرنا إلى خطورة التهمة الموجهة إليه.

بات من الوارد اليوم أن يمثل الأمير أندرو السابق أمام محكمة التاج في مواجهة هيئة محلفين، وقد يواجه عقوبة السجن، وهو مصير لم يخطر له ببال في سنوات نفوذه

وبات من الوارد اليوم أن يمثل الأمير أندرو السابق أمام محكمة التاج في مواجهة هيئة محلفين، وقد يواجه عقوبة السجن، وهو مصير لم يخطر له ببال في سنوات نفوذه، حين كان يحظى بكرم الضيافة الباذخة خلال زياراته المتكررة إلى إبستين عبر الأعوام.

وشكل اعتقاله لحظة مهينة بكل المقاييس، تزامنت مع يوم ميلاده السادس والستين. وتتنامى الدعوات المطالبة بأن يكون أكثر صراحة مع السلطات، بشأن ما كان يعرفه أو شاهده خلال زياراته لإبستين، المدان بجرائم الاعتداء الجنسي على الأطفال.

وكان رو خانا، عضو الكونغرس الديمقراطي عن ولاية كاليفورنيا، وأحد أبرز وجوه الجناح التقدمي في الحزب، والمرجح أن يترشح للانتخابات الرئاسية عام 2028، من بين المهندسين الرئيسين للقانون الذي أتاح لإدارة ترمب نشر ملفات إبستين. وشهدت الأسابيع الأخيرة، أحد أبرز تدخلاته الدولية، حين دعا مونتباتن-ويندسور إلى الإدلاء بشهادته أمام الكونغرس، وصرح بأن الملك تشارلز والملكة كاميلا مطالبان بتقديم إجابات بشأن هذه الفضيحة، مضيفا أن ذلك "قد يكون نهاية النظام الملكي".

قد تكون الخطوة التالية أمام مونتباتن- ويندسور التخلي عن موقعه في ترتيب ولاية العرش

ولا سابقة في التاريخ الحديث تماثل هذا الوضع. فقد خضع مونتباتن-ويندسور لإجراءات التوقيف المعتادة، بما في ذلك التقاط صورته الجنائية وأخذ بصماته، بينما واصلت الشرطة تفتيش منازله في نورفولك وبيركشاير.

وكان آخر اعتقال لشخصية ملكية قد وقع عام 1568، حين أمرت الملكة إليزابيث الأولى باعتقال ماري، ملكة اسكتلندا، التي لجأت إلى إنكلترا وانخرطت في مؤامرات ضدها. ولم تكن نهايتها سعيدة، إذ أمضت نحو عشرين عاما في السجن، ثم أعدمت عام 1587 بعد اتهامها بالتورط في "مؤامرة بابينغتون". وبينما لا يرجح أن يواجه الأمير السابق المصير ذاته، فإن هذا اليوم يمثل نقطة تحول ستترك أثرا دائما في تاريخ العائلة المالكة.

رويترز
الملك تشارلز والملكة كاميلا خلال حفل استقبال لتسليط الضوء على العمل الذي يقوم به مقدمو الرعاية، سواء بأجر أو بدون أجر، في قلعة وندسور، بيركشاير، بريطانيا، في 11 فبراير 2026.

والآن، بعدما أصبحت القضية في عهدة القضاء، قد تكون الخطوة التالية أمام مونتباتن-ويندسور التخلي عن موقعه في ترتيب ولاية العرش. وبالنظر إلى أنه لم يتخذ طوال هذه القضية الممتدة موقفا استباقيا، يبقى من غير المؤكد، ما إذا كان سيقدم على خطوة كهذه دعما لشقيقه الملك، الذي عبر عن شعوره بقلق عميق إزاء ما جرى.

font change