ليلى شهيد... صوت خارج الاصطفاف السياسي الفلسطيني

التيار الحر

أ.ف.ب
أ.ف.ب
ليلى شهيد، المندوبة الفلسطينية لدى الاتحاد الأوروبي، في مؤتمر صحفي في السادس من نوفمبر2010، في أجاكسيو، بجزيرة كورسيكا الفرنسية

ليلى شهيد... صوت خارج الاصطفاف السياسي الفلسطيني

استطاعت الراحلة ليلى شهيد (1949-2026)، اللاجئة الفلسطينية المولودة في لبنان، أن تفرض بصمتها أو صورتها الخاصة في حياة شعبها وكفاحه الوطني، كمثقفة وسفيرة ومناضلة فلسطينية مستقلة، من دون أن تأخذ مكانتها من حاضنة حزبية أو عائلية، وهذه ميّزتها. مما وضعها في مكانة متقدمة مع قريناتها الراحلات: روزماري سعيد زحلان (1937-2006)، وخيرية قاسمية (1936-2014)، وبيان نويهض الحوت (1937-2025)، وعصام عبد الهادي (1929-2013) رئيسة الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية؛ على سبيل المثال.

وهذه الأسماء تضاف لشخصيات وطنية فلسطينية، غير محسوبة على الفصائل، استطاعت حفر مكانتها في تاريخ شعبها، ومن ضمنها: أحمد الشقيري ووليد الخالدي وإدوارد سعيد وهشام شرابي وشفيق الحوت وأحمد صدقي الدجاني وآل صايغ (فايز ويوسف وأنيس) وأنيس القاسم وإبراهيم أبو لغد ونصير عاروري، وإسماعيل شموط وسليم سحاب وعبد المجيد قطان وعبد المحسن شومان ورفعت النمر وكل ذلك على سبيل المثال لا الحصر.

وما يميز هؤلاء أن أغلبيتهم ظل مشغولا بتكريس البعد المؤسّسي في العمل الفلسطيني، وأنهم عملوا بتعزيز التنوع والتعددية في الحركة الوطنية الفلسطينية، وأنهم سهروا على تمازج البعدين الكفاحي والثقافي العقلاني في الخطاب السياسي الفلسطيني.

كانت دائما تردد مقولتها الأساسية الشهيرة: "لن تكون هناك إسرائيل من دون فلسطين، ولا فلسطين من دون إسرائيل. نحن وجهان لعملة واحدة"

ما يجمع تلك الشخصيات تحدرهم من الطبقة الوسطى، التي لعبت دورا كبيرا في تاريخ الشعب الفلسطيني، قبل النكبة وبعدها، في المجالات الثقافية والاقتصادية والسياسية، وكانت عائلتها التي أصلها من القدس طردت من فلسطين في عهد الانتداب البريطاني على خلفية "أنشطة قومية". فوالدها الدكتور منيب شهيد أستاذ الطب في الجامعة الأميركية في بيروت، ووالدتها سيرين جمال الحسيني، من عائلة الحسيني. وكان فيضي العلمي والد جدّتها رئيسا لبلدية القدس (1904-1909) وخال والدتها موسى العلمي الشخصية السياسية الفلسطينية البارزة قبل النكبة.

درست ليلى علم الاجتماع في الجامعة الأميركية في بيروت، ونالت شهادة "الماجستير" في العام 1976، في الأنثروبولوجيا، عن أطروحتها حول: "الهيكلية الاجتماعية للمخيّمات الفلسطينية"، الأمر الذي مكّنها من الالتحاق بالمدرسة التطبيقية للدراسات العليا في باريس، وبحكم نشاطها انتُخبت رئيسة للاتحاد العام لطلبة فلسطين في فرنسا، وهناك التقت بعز الدين القلق، مفوّض منظمة التحرير الفلسطينية في باريس، في تلك الفترة.

أ.ف.ب
رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات وليلى شهيد، ممثلة منظمة التحرير الفلسطينية في فرنسا، بعد لقائه الرئيس الفرنسي جاك شيراك في قصر الإليزيه بباريس

وإبان وجودها في باريس، وبحكم نشاطاتها، واهتماماتها، تعرفت على كثير من المثقفين الفرنسيين، وضمنهم جان جينيه، الذي ربطتها معه صداقة متينة، بحكم تعاطفه مع قضية الشعب الفلسطيني، إلى حد قيامها معه بزيارة إلى مخيمي صبرا وشاتيلا (1982) لتوثيق المجزرة التي حصلت حينها، حتى إنه حين توفي جينيه، وأوصى بدفن جثمانه في المغرب، بالمقبرة المسيحية في مدينة العرائش، كانت ليلى شهيد ضمن من حملوا نعشه على أكتافهم (1986).

كانت ليلى شهيد أول امرأة فلسطينية تعين ممثلةً لمنظمة التحرير الفلسطينية في أيرلندا (1989)، ثم عينت لفترة كممثلة في هولندا والدنمارك

في سيرتها كدبلوماسية متميزة، كانت ليلى شهيد أول امرأة فلسطينية تعين ممثلةً لمنظمة التحرير الفلسطينية في أيرلندا (1989)، ثم عينت لفترة ممثلة للمنظمة في هولندا والدنمارك، وبعدها، بين عامي 1993 و2005، شغلت منصب المندوبة العامة لفلسطين في فرنسا، وهو منصبها الأشهر، ثم بين عامي 2006 و2014 أصبحت مفوضة فلسطين العامة لدى الاتحاد الأوروبي إضافة إلى بلجيكا ولوكسمبورغ.

عدا عن نشاطها بين المثقفين، وعملها كسفيرة لفلسطين، فقد كانت ليلى شهيد صوتا إعلاميا حاضرا في وسائل الإعلام الفرنسية، والأجنبية، وكانت تتميز بقوة طرحها، ووضوح فكرتها، ودفاعها عن مصالح شعبها. وكانت دائما تردد مقولتها الأساسية، الشهيرة: "لن تكون هناك إسرائيل من دون فلسطين، ولا فلسطين من دون إسرائيل. نحن وجهان لعملة واحدة. إننا مرتبطون بحبل سرّي يجعل تاريخنا أقرب الى تراجيديا إغريقية. لقد تبادلنا الرفض خلال سنوات طويلة، وينبغي الآن أن يقبل بعضُنا بعضَنا الآخر".

أ.ف.ب
ليلى شهيد، ممثلة فلسطين في فرنسا، أمام مستشفى بيرسي العسكري في ضاحية كلامار جنوب غرب باريس، دعماً لزعيم السلطة الفلسطينية ياسر عرفات الذي يتلقى العلاج، 2 نوفمبر 2004

على الصعيد الفلسطيني عرفت ليلى بموقفها النقدي والشجاع والواضح، إزاء السياسات الفلسطينية، دون أن تحسب أي شيء، إلا مصلحة شعبها، وضميرها، أو قناعاتها السياسية، لذلك جمعتها صداقات مع شخصيات مثل إدوارد سعيد والروائي إلياس خوري والشاعر محمود درويش.

وكانت شهيد قد تزوجت، في العام 1977، من الكاتب المغربي المعروف محمد برادة، ما مكنها من الإقامة في المغرب لمدة 10 أعوام، ولها كتاب هو بمثابة سيرة شخصية معجونة بالذكريات وأحاديث الأهل، عنوانه: "ذكريات من القدس"، قدم له صديقها إدوارد سعيد، وهو من إصدار دار "نشر الفنك، الدار البيضاء، 2024"، من ترجمة الناقد محمد برادة.

ولعله في هذا السياق، وبمناسبة رحيل شخصية لامعة مثل ليلى شهيد، يمكن فهم الخسارة الفادحة التي خسرتها الحركة الوطنية الفلسطينية جراء تهميش دور مثل تلك الشخصيات المستقلة، التي تعطي الأولوية في انتمائها لشعبها، ولمصلحته الوطنية، قبل أي أحد أو أي شيء آخر، وذلك لصالح فصائل سائدة مستهلكة وعاجزة ولم يعد لديها ما تضيفه.

font change

مقالات ذات صلة