مئة عام من العلاقات السعودية-الروسية منذ فبراير/شباط 1926، وحتى فبراير/شباط 2026. مسيرة تاريخية حافلة بالكثير، جديرة بأن تكون إرثا تاريخياً غنياً في علاقات البلدين، ونموذجاً نوعياً في العلاقات الدولية.
لم تكن مسيرة متناغمة، فقد شهدت تناقضات عميقة في الأيديولوجيا وفي السياسة، وحتى في المسار الاقتصادي. ومراجعة التفاصيل التاريخية في علاقات البلدين، تعطي مؤشرات مهمة في الوعي والتحليل السياسي لفهم الحاضر أو مناقشة الآفاق المستقبلية.
يتحدث المؤرخون أن الاتحاد السوفياتي أول دولة اعترفت بالكيان الجديد. هذا صحيح، ولكنه جزء من الحقيقة الغائبة. نعم في 16 فبراير 1926 بعث ميخائيل كالينين خطاب الاعتراف بالملك عبدالعزيز "ملكاً على الحجاز ونجد وملحقاتها". لكن ما يغيب عن وعي كثير من الباحثين والمحللين السياسيين، أن الاتحاد السوفياتي، أول من رفع مستوى التمثيل من بعثة دبلوماسية على غرار البعثات الأوروبية آنذاك، إلى سفارة كاملة الصلاحيات، وتعيين سفير فوق العادة هو نظير تورياكولوف. بل وقبل هذا التاريخ، ففي عام 1925 وافق جوزيف ستالين على مشاركة ثمانية من كبار علماء مسلمي الاتحاد السوفياتي، برئاسة المفتي رضاء الدين فخر الدين، في المؤتمر الإسلامي الأول الذي عقده الملك عبدالعزيز في موسم الحج، وقدّم الوفد السوفياتي كامل الدعم والتأييد للملك عبدالعزيز، والقرارات التي صدرت عن المؤتمر، مما انعكس إيجابيا على مواقف بقية وفود العالم الإسلامي، وتبع الحضور الدبلوماسي السوفياتي الكثير من التفاصيل الودية التي أسهمت في تمكين الدولة الجديدة في ظل التحديات المحيطة، خاصة الموقف البريطاني.
في المقابل، يستحضر باحثون تجميد علاقات البلدين وسحب كامل البعثة السوفياتية نهاية عام 1938. وهذا صحيح، ولكن يغيب عن الوعي العام أن فترة تجميد العلاقات التي استمرت 53 عاماً حتى استئنافها مرة أخرى، نهاية 1990، لم تكن فترة تيه كامل بين الجانبين، بل شهدت الكثير من التفاعلات التي تركت بصمات مهمة ومؤثرة في السياسة الدولية. من ذلك بين عامي 1955 و1959 أن الملك سعود التقى السفيرين السوفياتيين في الهند وفي لبنان. وفي 1962 أرسل الملك سعود وفداً رسمياً لروسيا برئاسة الأمير فهد بن فيصل الفرحان أمين مدينة الرياض لمدة 23 يوماً بين موسكو وباكو وطشقند حيث أجرى مباحثات متعمقة.
الدين والاقتصاد
وفي مايو/أيار 1974 استقبل الملك فيصل مدير معهد الاستشراق للاتحاد السوفياتي باباجان غفوروف، يرافقه سعيد كاميلوف. كما قام الأمير سعود الفيصل برحلات مكوكية لموسكو منذ عام 1982 حتى استئناف العلاقات في 1990 وناقش مع الزعيم السوفياتي ميخائيل غورباتشوف، ملفات سياسية مهمة تتعلق بفلسطين، وغزو العراق للكويت.
مئوية العلاقات السعودية-السوفياتية-الروسية، مليئة بالتفاصيل الجديرة بالمراجعة والتحليل، ولكن يبرز بين ذلك محوران رئيسان، هما الدين والاقتصاد، وهما مفصليان في علاقات البلدين في مسار التنافر والتلاقي:
كان الدين حاضراً في الخصام السياسي بين الجانبين؛ المملكة العربية السعودية رائدة العالم الإسلامي، ويتم وصفها بدولة التوحيد. في المقابل حضر الاتحاد السوفياتي في فضاء اللادين، فتضمنت المدونات والأدبيات السوفياتية نعوتا وأوصافا سلبية تجاه السعودية، في المقابل كانت حملات إعلامية وثقافية سعودية تُطلق لمواجهة المشروع السوفياتي. هذا التنافر الأيديولوجي قاد السياسة الخارجية للجانبين تجاه بعضهما البعض، وحملت السعودية راية مواجهة النفوذ السوفياتي في العالم الإسلامي. وتأزم الموقف في عام 1979 بدخول القوات السوفياتية إلى أفغانستان.

ولم يكن المحور الاقتصادي أقل تأثيراً، حيث جاءت السياسات النفطية السعودية بعيدة كل البعد عن مراعاة المصالح السوفياتية، بل وصفها بعض الباحثين السوفيات بـ"العدائية وانحيازها للمصالح الغربية-الأميركية"، باعتبار الولايات المتحدة شريكا استراتيجيا للسعودية.
فكانت النتيجة المتوقعة لحالة الفراغ الروحي والانكماش الاقتصادي السوفياتي، ما عجل بانهياره بتفكك الأطراف حتى وصل للعمق، في مشهد متسارع شبيه بسقوط قطع الدومينو، لتبدأ مرحلة جديدة لروسيا الاتحادية وريثة الاتحاد السوفياتي.
هذه المرحلة بتفاصيلها انعكست على علاقاتها مع السعودية، حيث استمر الدين والاقتصاد عاملين سلبيين في وضع لبنات العلاقات الجديدة، فحدث تنافر فكري قاده الوضع الديني الروسي القائم على الصوفية (بين مسلمي روسيا)، لمواجهة "المدّ الوهابي"، بحسب تعبير بعضهم إعلامياً ودينياً. بالتالي تبع التنافر الديني عدم التوافق اقتصادياً، فالمحاولات الخجولة اقتصاديا اصطدمت بكثير من المعوقات المتعلقة بالوعي المشترك، والتواصل السياسي غير الفاعل، وعجز الأدوات اللوجستية، في ظل غياب الخدمات البنكية والمالية المشتركة وحركة الطيران المباشر.
