سعيد السريحي باني الجسور الجديدة بين الثقافة والحياة

في السؤال قوة وفي الشك معرفة وفي القراءة فعل مقاوم للسكون

Grace Russell
Grace Russell
سعيد السريحي

سعيد السريحي باني الجسور الجديدة بين الثقافة والحياة

ودعت المملكة العربية السعودية الأديب والناقد الكبير الدكتور سعيد السريحي الذي حمل على عاتقه، طوال عقود، إنتاج المعرفة بوصفها واجبا أخلاقيا لا امتيازا ثقافيا أو إبداعيا.

مضى السريحي بصمته المعتاد تاركا خلفه فراغا لا يملأ بسهولة. فلم يكن رحيله حدثا عابرا، بل خسارة كبرى في جسد الثقافة العربية، إذ بغيابه يغيب عقل اعتاد أن يرى أبعد من اللحظة الراهنة، وأن يكتب ضد النسيان والتلاشي. إلا أن بعض النقاد والمفكرين لا يغادرون العالم حين يموتون، بل يتركونه أكثر انفتاحا على الفهم، وجرأة على السؤال، وأشد ارتباطا باللغة واشتباكا مع الحياة.

فضاء الميلاد

ولد سعيد مصلح السريحي في عام 1953، في أحد أحياء جدة العتيقة، وعاش في حي الرويس حتى بلغ 12 عاما، في المنزل الذي احتفظ بأحلامه، وبركة الماء التي طالما وقف عليها لمشاهدة الحارة بتشكلاتها، ذلك الحي الذي احتفظ بأحلامه اللا منتهية، والتي عاد إليها بعد غياب كأنه يحتضنها لتبقى ملهمته.

ولما كان ذلك الطفل في مرحلة الخامس ابتدائي، وفي الحي ذاته، وقف أمام "الميكروفون" للمرة الأولى في حياته، وألقى كلمة مدرسته الابتدائية في احتفال تولي الملك فيصل مقاليد الملك، كان ذلك في عام 1965، بطفولته الشجاعة ألقى خطابه المفوه ذاك، كأنه جاء إلى العالم بروح تشبه البحر الذي يجاور مدينته. بحر مفتوح على الاحتمالات، عميق في أسئلته، وغزير في أمواجه وذكرياته.

لم تكن يومها مدينة جدة وتحديدا حي الرويس بالنسبة له مكانا فحسب، بل فضاء أوليا للدهشة، وحيا تتقاطع فيه الحكايات، وتتولد منه الأزمنة، وتمنح ساكنها حسا مبكرا بتعدد الأصوات واختلاف الرؤى. في تلك البيئة الحجازية المشبعة بالتاريخ واللغة، بدأت بذور الفكر تنمو في صدر السريحي منذ الطفولة.

كان انشغاله المبكر بالكلمة يتجاوز الحفظ والتلقي إلى فضول حاد تجاه المعنى، وما تختزنه اللغة من سلطة وخفاء. لم يكن طالبا عاديا في سنواته الأولى، بل قارئا يلتقط ما يناسبه من وراء السطور، ويصغي إلى النبرة الخفية في النصوص، وكأنه يتهيأ لكتابة اختارته قبل أن يختارها، ليثبت لاحقا وعلى امتداد عقود مسيرته أن اللغة وجدته أرضا صالحة لقلقها الدائم.

فضاء التحديات

بعدما أنهى السريحي مراحله الدراسية في جدة انتقل إلى مكة المكرمة ليلتحق بجامعة أم القرى، وتحديدا بكلية اللغة العربية، وما أن أنهى مرحلة البكالوريوس حتى انتقل إلى فضاء من التحديات الجديدة، ليعد أطروحته لنيل رسالة الماجستير، التي تناول فيها "شعر أبي تمام بين النقد القديم ورؤية النقد الجديد"، مركزا في رسالته uلى قدرة أبي تمام على احتضان التجربة الإنسانية في أفقها الزمني الواسع، مؤكدا القدرات الشعرية التي امتلكها أبو تمام للخروج على النسق المعتاد، والمتكرر في تراكيبه اللغوية.

رفضت الجامعة أطروحته لأنها "لا تتفق وتعاليم الدين" بل وطالبته بـ"التوبة" والرجوع عن الأفكار والعبارات والمنهج الذي سار عليه

ولما انتهى من أبي تمام في 1988، وحصل على جواز أطروحته وحقق درجة الماجستير، تهيأ من جديد لنيل درجة الدكتوراه في الجامعة نفسها، فأعد بحثا تناول فيه "التجديد في اللغة الشعرية عند المحدثين في العصر العباسي"، غير أن الجامعة، طبقا لرسالة موجهة اليه بتاريخ 5/6/1989 وموقعة من عميد كلية اللغة العربية- قررت عدم إجازة الأطروحة، معللة ذلك باشتمالها على أفكار "لا تتفق وتعاليم الدين" بل وطالبت صاحبها بـ"التوبة" والرجوع عن الأفكار والعبارات والمنهج الذي سار عليه، مما أثار يومها جدلا واسعا بين مؤيد رأى أن أطروحة السريحي فيها نواقص علمية ومنهجية، وآخر معارض رأى أن السريحي كان ضحية خصوم تربصوا به بسبب أفكاره الحداثية والتنويرية.
ولعل رحلة الرفض تلك، هي التي تدخلت لاحقا في تشكيله الذهني أمام المقبول والمرفوض في العالم الذي استوعبه والذي سيغدو مستقبلا جزءا من استيعابه وتحدياته، ومن هناك بدأت ملامح مشروعه الفكري تتضح. هناك، لم يتعامل مع التخصص بوصفه مسارا مهنيا، بل أداة لفهم العالم.

في مراحل هذا الفضاء من التحديات والصراعات، تشكل وعيه المنهجي، واشتد اهتمامه بتحليل الخطاب، وبالبنى الثقافية الكامنة خلف النصوص وعوائقها، كأنه يقوم بتمرين نقدي تحليلي شاق على التفكيك، للوصول إلى بناء معرفة لا تستعير أدواتها دون مساءلة، ولا تطمئن إلى النتائج السهلة والميسرة.

غلاف كتاب "ذباب الوقت تدوينات على جدار الحجر"

هكذا، ظهرت متلازمة الإبداع لدى السريحي منذ النشأة الشجاعة إلى ميلاد الفكرة المتفردة. من أكاديمي لا ينفصل عن قلق المثقف، إلى مفكر لا يتعالى على جذوره الأولى، مؤكدا أنه لا يتجه إلى الكتابة بوصفها ترفا، بل بوصفها قدرا، وأن مسيرته المقبلة ستكون اشتباكا طويلا مع اللغة والمجتمع والأسئلة التي لا تهدأ.

بعدما شعر السريحي بأنه يواجه تضييقا يعيقه من الحصول على درجة الدكتوراه بين تأجيل مناقشته أكثر من مرة، وتغيير المناقشين، وتعيين أساتذة غير متخصصين في موضوع ومنهج الباحث، وحجب الدرجة عنه، واصل مسيرته بعناد إلى أن منحته الكلية لاحقا الدرجة بتقدير جيد جدا، ليتكشف خلال سنواته اللاحقة حجم ما لاقاه من صراعات وقفت خلفها أسماء كثيرة شكلت جزءا من المشهد الثقافي لاحقا، لتجد السريحي أمامها أكثر نضجا واستعدادا لكل ما سيحدث متناسيا بلذة انتصاراته كل ما حدث، محتملا في سبيل توريث المعرفة ما يستطيع إبقاؤه للأجيال من بعده.

لم يتعامل سعيد السريحي مع المعرفة بوصفها رصيدا يخزن، بل بوصفها طاقة يجب أن تتحرك في الفضاء العام، وذلك بشهادات الأجيال التي تتلمذت أكاديميا على يديه ووصفته في قاعات الدرس بالأستاذ غير التقليدي، الذي يضع الطالب في مواجهة النص، لا في ظله، وبمعلم يؤمن أن القراءة الحقيقية تبدأ حين ينتهي الشرح، وأن وظيفة الأستاذ ليست تقديم الإجابة، بل تدريب العقل على طرح السؤال الصحيح.

لم يكن يعلق على الأحداث بقدر ما كان يعيد تأطيرها، رابطا الثقافة بسياقها الاجتماعي، والفكر بتحولات الحياة اليومية 

من هنا، تخرج من تحت يده جيل تعلم أن يرى الأدب بوصفه خطابا حيا، وأن يتعامل مع اللغة باعتبارها بنية ثقافية تتجاوز حدود الجماليات الشكلية.

غلاف كتاب "حجاب العادة أركيولوجيا الكرم"

فضاء الصحافة والثقافة


لم يكتف السريحي في مسيرته بالمؤسسات الأكاديمية، إذ سرعان ما انتقل إلى فضاء الصحافة الثقافية، حيث اتسعت دائرة تأثيره واتخذ خطابه بعدا عاما، منطلقا من صحيفة "عكاظ" السعودية التي شهدت لاحقا تعدد أدواره فيها بين مشرف على الأقسام الثقافية، فمساعد لرئيس التحرير، وكاتب عمود يومي، لم يهادن فيه قارئه، بقدر ما ظل يشاركه القلق والأسئلة، وعرفت مرحلته نقل أدوات النقد من النخبة إلى الصفحة اليومية، وفتح نقاشات جادة في زمن كان يميل إلى الاستهلاك السريع للمعنى.

في مقاله الصحافي لم يكن يعلق على الأحداث بقدر ما كان يعيد تأطيرها، رابطا الثقافة بسياقها الاجتماعي، والفكر بتحولات الحياة اليومية. فكان مقاله مساحة لتفكيك الخطاب السائد، ولمساءلة ما يعتبر بديهيا، ولطرح قضايا حساسة بلغة واعية، متزنة، لكنها جريئة. بذلك، أسهم في إعادة الاعتبار الى الصحافة الثقافية بوصفها ممارسة معرفية، لا هامشا ترفيهيا في المشهد الإعلامي.

وإلى جانب أدواره الصحافية، كان حضوره فاعلا في النادي الأدبي الثقافي بجدة وفي مؤسسات ثقافية أخرى، مشاركا في الندوات والمحافل، ومديرا لحوارات تتجاوز المجاملة إلى عمق النقاش. لم يكن يسعى إلى الظهور، بل إلى تحريك الراكد الثقافي، وجعله فعلا حيا لدى المتلقي. في كل هذه المواقع، والمراحل ظل السريحي مثقفا يرى في اللغة والكتابة ساحة لحرية الأفكار، وفي النقد ممارسة أخلاقية، وفي المعرفة أداة للتحول لا للتزيين.

إعادة ترتيب الوعي

بعدما توسعت التجارب الثقافية في حياة السريحي، تشكلت مرحلة جديدة تعد اليوم أهم ما تركه في مشروع واحد سار تجاهه بثبات، مبتغاه الوحيد منه تفكيك الخطاب الثقافي العربي، وهكذا واصل سعيه.

آمن أن الكتابة تنمو حين تجرؤ على مغادرة الأقواس التي تحاصرها، ومن هنا جاء حضوره في المشهد النقدي بوصفه صوتا يسعى إلى خلخلة الثوابت، لا إلى إعادة إنتاجها

كتب في النقد كأنه يعيد ترتيب الوعي، وكتب في السرد كأنه يختبر تراكيب اللغة، وكتب في التأمل اللغوي كأنه ينصت إلى حركة المعنى في أعماقه. انحاز في تجربته إلى العناية بالرؤية بعيدا من العناوين، رؤية ترى في الكتابة فعلا تأسيسيا، لا مجرد تعليق على ما هو قائم في الأصل.

غلاف كتاب "الكتابة خارج الأقواس"

في كتابه المبكر، "الكتابة خارج الأقواس"، الصادر عام 1987 مثلا، تجد انحيازه الواضح إلى حرية النص وحقه في الانفلات من القيود الجاهزة، وسعيه لتأكيد أن الكتابة لا تختزل في الامتثال للأعراف، بل تنمو حين تجرؤ على مغادرة الأقواس التي تحاصرها، ومن هنا جاء حضوره في المشهد النقدي بوصفه صوتا يسعى إلى خلخلة الثوابت، لا إلى إعادة إنتاجها.

غلاف كتاب "تقليب الحطب على النار في لغة السرد"

من خارج الأقواس، انتقل السريحي إلى "تقليب الحطب على النار في لغة السرد" الصادر عام 1994، ليكشف لنا هذا الكتاب عن مدى انشغاله العميق بجماليات الحكي، وبالعلاقة المركبة بين الزمن والذاكرة والهوية، وظل على هذا النحو يرى السرد نارا كامنة في الحطب الثقافي، لا تشتعل إلا حين يعاد تقليبه بعين ناقدة.

في عام 1996 أصدر السريحي أحد أهم الكتب التي تناولت نقد وفحص وقراءة البنى الثقافية والاجتماعية وتعالقها مع التحولات، هو كتاب "حجاب العادة: أركيولوجيا الكرم"، الذي وسع فيه مجال اشتغاله من الأدب إلى البنية الثقافية ذاتها، قارئا العادة لا بوصفها ممارسة اجتماعية فحسب، بل بوصفها خطابا يخفي داخله تاريخا من المعاني والقيم.

أما في كتابه "حركة اللغة الشعرية" الصادر عام 1999، فقد انحاز فيه إلى قراءة الشعر بوصفه كائنا حيا يتحرك عبر العصور بتماسك واتزان في مواجهة تبدل لغته وصوره، وصمود تام في سبيل الاحتفاظ بجوهره الإنساني الراسخ.

وفي كتابه "غواية الاسم: سيرة القهوة وخطاب التحريم" الصادر عام 2011، اتخذ من القهوة مدخلا لتحليل العلاقة بين الرمز والدين، وبين اليومي والمقدس، كاشفا عن حزمة من مفاهيم التحريم التي شكلت التحريم والإباحة داخل سياقات ثقافية وسياسية معقدة.

ولم يتوقف الحس السردي الإبداعي في مشروع السريحي، بل أصدر في هذا الباب كتابه "ذباب الوقت: تدوينات على جدار الحجر" عام 2020، وقد كتبه بفضفضة عالية، جاعلا منه مساحة للتأمل الكثيف، متجاوزا فيه أسلوب الرمزية إلى البوح القريب إلى المصارحة والمشافهة.
أما في فن السرد فأصدر عام 2013 رواية "الرويس" التي تناول فيها الخلفيات الاجتماعية المختلفة، والصراعات المتصاعدة بين شخصيات النص. كما وضع للرواية بانوراما تتحرك فيها من خلال عدد من المشكلات التي عاشها المجتمع السعودي في مناطق أخرى موازية لمكان النص وزمانه.

لم يكن نقده فعل هدم، بقدر ما كان فعل إضاءة وبناء وإعمار استطاع بموجبه أن يضع القارئ أمام مسؤوليته في الفهم والاختيار

هكذا، تشكلت أعمال السريحي بوصفها شبكة واحدة، تمتد من النص إلى المجتمع، ومن الحكاية إلى الخطاب، مؤكدة أن تجربته تولدت وفق تأسيس مرحلي متدرج لمشروع نقدي وثقافي ترك أثره العميق في الفكر السعودي والعربي كشف خلاله أن النصوص ليست بريئة، وأن الجمال ذاته قد يكون حاملا لأيديولوجيا خفية.

‎لم يتعامل سعيد السريحي مع النقد بوصفه قراءة للنصوص من خارجها، بل بوصفه دخولا كثيفا في نسيجها الحي، حيث تتقاطع اللغة مع التاريخ، ويتشابك الجمالي مع الاجتماعي. كان يرى النص الأدبي مساحة لاختبار الوعي الجمعي، ومختبرا تتجلى فيه صراعات المجتمع وأسئلته المؤجلة. لذلك لم يكتف بتفكيك البنية اللغوية، بل ذهب إلى ما وراءها، إلى ما تصنعه الكلمات في الذاكرة، وما تخفيه من أنساق وقيم وسلطات.

في مسيرته النقدية وعلى الرغم من التحديات التي واجهته خلالها، استمر في الاستناد على اللغة لا كغاية في ذاتها، بل كوسيلة مهمة لفهم آليات التفكير التي تنتج الخطاب، لذا يجد القارئ لمشروعه ومقالاته أنه اشتغل على النص بوصفه خطابا ثقافيا، تحكمه علاقات قوة، وتتحرك داخله مفاهيم الهوية والانتماء والمنع والتحريم.

لقد كان واعيا بأن كل نص يحمل أثرا من زمنه، وبأن القراءة الحقيقية لا تكتمل إلا حين يوضع النص في سياقه التاريخي والاجتماعي، ويسأل: لماذا قيل هكذا؟ ولماذا صمت عما لم يقل؟

وبهذا اتسم منهجه النقدي بنزعة تأويلية واضحة، لا تبحث عن معنى واحد مستقر، بل تفتح النص على تعدد الدلالات واحتمالات القراءة. وفي هذا السياق، بدا السريحي ناقدا يرفض الأحكام القطعية، ويفضل مساءلة المعنى بدل تثبيته. كان يرى في التأويل فعلا أخلاقيا، يحرر النص من القراءة الكسولة، ويحرر القارئ من الخضوع للمعنى الجاهز، جاعلا من القراءة شراكة معرفية لا استهلاكا سلبيا.

بدا سعيد السريحي في الحراك الثقافي السعودي والعربي أشبه بحارث يحفر بصبر، ويدخل الماء إلى طبقات الوعي العميقة، ويترك خلفه بذورا للتجديد لا تظهر فورا، لكنها تنمو مع الزمن. أثره في محيطه وإقليمه لم يكن صاخبا فحسب، بل ممتدا، إذ تسلل بهدوء إلى الوعي الجمعي، وإلى الطريقة التي نفكر بها في الثقافة ودورها في حياتنا.
وقد نتج من حرثه الإبداعي الطويل وتجاربه النقدية جسر بناه بإخلاص بين الأدب والحياة، والكتابة والواقع، والثقافة بوصفها تراثا وسؤالا مفتوحا في آن واحد. لم يكن نقده فعل هدم، بقدر ما كان فعل إضاءة وبناء وإعمار استطاع بموجبه أن يضع القارئ أمام مسؤوليته في الفهم والاختيار. وبذلك، يكون قد أسهم في ترسيخ نقد سعودي عربي واع بذاته، يرى في السؤال قوة، وفي الشك معرفة، وفي القراءة فعل مقاوم للسكون والركود.

font change

مقالات ذات صلة