تشكل صوت الشاعر إبراهيم الحسين بهدوء داخل المشهد الشعري السعودي، ونمت تجربته عبر مسار زمني طويل اتسم بالتأمل والتروي. فقد ولد في الأحساء عام 1960، في بيئة غنية بالتحولات الاجتماعية والثقافية، مما أتاح له تماسا مبكرا مع تفاصيل الحياة اليومية ومع مخزون شفهي وبصري ترك أثره العميق في لغته الشعرية، في حين وضعه انتماؤه إلى جيل التسعينات في قلب تحول مهم شهدته القصيدة السعودية، حيث اتجه عدد من شعراء هذا الجيل نحو قصيدة النثر بوصفها فضاء رحبا للتجريب، ولتفكيك البنى الجاهزة، والبحث عن نبرة شخصية متفردة.
تكشف عناوين دواوينه المتعاقبة عن وعي عميق باللغة، وعن شغف بالصورة المركبة وبالمفارقة الهادئة، مما جعل تجربته تتراكم بوصفها مشروعا شعريا متماسكا، يقوم على الاقتصاد التعبيري، وبناء عالم لغوي خاص، يكتسب فرادته من صدقه الداخلي ومن وفائه للشعر بوصفه تجربة حياة.
يقدم ديوانه الأحدث "على بعد قميص"، الصادر عن "منشورات المتوسط" في ميلانو (2025)، تجربة شعرية تنبني على وعي عميق بالعلاقة بين الكلمة والزمن، وبين الصوت وأثره بعد الغياب. إذ يضع الديوان القارئ أمام كتابة تعرف كيف تصغي، وكيف تحول الحنين إلى طاقة بنائية داخل النص، من دون انفعال عاطفي فائض أو استعراض لغوي. تتحرك القصائد في مساحة حميمة، لتكتسب التفاصيل اليومية قيمة رمزية، وتتحول الذاكرة إلى مادة شعرية قابلة للتشكيل والتأمل.
يستحضر الديوان في مجمل قصائده، أصواتا شعرية تركت أثرها في الوعي الثقافي، عبر إعادة إدخالها في نسيج حي من اللغة، حيث يراهن الشاعر على العمق، كأن القصيدة قميص إضافي يحتفظ بحرارة المعنى، ويواصل ملامسة الروح في صمت.
يأتي "على بعد قميص" من منطقة بالغة الحساسية في التجربة الإنسانية، منطقة المسافة الرهيفة بين ما بقي حيا في الذاكرة وما انسحب إلى جهة الغياب. القميص هنا عنصر يومي، مادي، شديد القرب من الجسد، غير أنه يتحول في هذا العمل إلى وحدة قياس شعرية، تقيس المسافة بين الحضور والأثر، بين الصوت الذي كان يملأ المكان والفراغ الذي خلفه رحيله.


