الشيخة حسينة... ابنة "أبو الأمة" التي تحولت إلى عقدة سياسية في جنوب آسيا

قرار التسليم الصعب

رويترز
رويترز
قام متظاهر بتخريب جدارية لرئيسة وزراء بنغلاديش، الشيخة حسينة، بالطلاء، مطالبا باستقالتها، وذلك في منطقة مركز المعلمين والطلاب بجامعة دكا في دكا، 3 أغسطس 2024

الشيخة حسينة... ابنة "أبو الأمة" التي تحولت إلى عقدة سياسية في جنوب آسيا

الشيخة حسينة، رئيسة وزراء بنغلاديش السابقة البالغة من العمر 78 عاما، والتي صُنّفت عام 2018 ضمن قائمة أكثر مئة شخصية تأثيرا في العالم بحسب مجلة "تايم"، تواجه اليوم حكما بالإعدام غيابيا صادرا عن محكمة الجرائم الدولية في بنغلاديش، بعد لجوئها إلى الهند، بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية. والمفارقة أن هذه المحكمة هي نفسها التي أنشأتها عام 2010 لمحاكمة جرائم الحرب التي ارتُكبت خلال حرب تحرير بنغلاديش عام 1971.

وخلصت المحكمة في دكا إلى قرارها بشأن حملة القمع الدامية التي أشرفت عليها حسينة، أطول السياسيين بقاء في السلطة على مستوى العالم، ضد المتظاهرين المناهضين للحكومة. وقد وصفت المحكمة حسينة، التي أقرت هذه الإجراءات ضد الاحتجاجات المناهضة لحكومتها العام الماضي، بأنها "العقل المدبر والمهندس الرئيس" لتلك الحملة.

وقد قدّرت الأمم المتحدة عدد القتلى بنحو 1400 شخص، سقط معظمهم بنيران قوات الأمن. وأدانت المحكمة حسينة، ووزير داخليتها أسد الزمان خان كمال، ورئيس الشرطة عبد الله المأمون، الذي كان الوحيد الحاضر من بين المتهمين في جلسة النطق بالحكم.

وقالت حسينة: "إن محكمة الجرائم الدولية محكمة صورية، تترأسها حكومة غير منتخبة تتألف من خصومي السياسيين. ولن يتورع كثير من هؤلاء المعارضين عن فعل أي شيء للتخلص مني. ونظرا لتاريخ عائلتي (حيث اغتيل والدي)، فلا أحد أدرى مني بتاريخ الاغتيالات السياسية في بلدنا، وما قامت به المحكمة ليس سوى جزء من هذا التقليد القبيح".

ودافعت حسينة عن أفعالها خلال احتجاجات العام الماضي، نافية أي مسؤولية شخصية عن عمليات القتل التي وقعت خلال ما وصفته بـ"التمرد العنيف". وألقت باللوم في ارتفاع عدد الضحايا على "انعدام الانضباط بين قوات الأمن على الأرض". وأضافت: "بصفتي القائدة، أتحمل في نهاية المطاف مسؤولية القيادة، إلا أن الادعاء بأنني أمرت قوات الأمن أو رغبت في إطلاق النار على الحشود هو ادعاء خاطئ تماما".

كما شككت حسينة في عدد القتلى الذين قيل إنهم سقطوا خلال الاحتجاجات التي قادها الطلاب، قائلة إن "الرقم 1400 يخدم المحكمة لأغراض دعائية، لكنه على الأرجح رقم مبالغ فيه".

في يناير 2024، فازت حسينة بولاية خامسة غير مسبوقة كرئيسة للوزراء، في انتخابات ندد بها النقاد على نطاق واسع واعتبروها انتخابات صورية، بينما قاطعتها المعارضة الرئيسة

وفي يناير/كانون الثاني 2024، فازت حسينة بولاية خامسة غير مسبوقة كرئيسة للوزراء، في انتخابات ندد بها النقاد على نطاق واسع واعتبروها انتخابات صورية، بينما قاطعتها المعارضة الرئيسة.

بدأت الاحتجاجات في وقت لاحق من ذلك العام بالمطالبة بإلغاء نظام الحصص في وظائف الخدمة المدنية، لكنها تحوّلت بحلول الصيف إلى حركة أوسع نطاقا مناهضة للحكومة، بعد استخدام حسينة الشرطة لقمع المتظاهرين بعنف.

وفي خضم الدعوات المتزايدة لاستقالتها، تمسّكت حسينة بموقفها المتحدي، وأدانت المحرّضين ووصفتهم بـ"الإرهابيين". فأودعت المئات في السجون، ووجهت اتهامات جنائية إلى مئات آخرين. وأظهر تسجيل صوتي مسرّب أنها أمرت قوات الأمن "باستخدام الأسلحة الفتاكة" ضد المتظاهرين. وبعد سبعة أشهر من إعادة تعيينها، فرت إلى الهند، حيث لا تزال تقيم في منفاها.

جذور الشيخة حسينة

وُلدت حسينة لعائلة مسلمة في شرق البنغال عام 1947، ووالدها هو الزعيم الوطني الشيخ مجيب الرحمن، المعروف بلقب "أبو الأمة"، الذي قاد استقلال البلاد عن باكستان عام 1971، وأصبح أول رئيس لها.

أ.ف.ب
رئيسة وزراء بنغلاديش، الشيخة حسينة، أثناء أدائها اليمين الدستورية لولاية خامسة في القصر الرئاسي في دكا في 11 يناير 2024


وحسينة هي الكبرى بين إخوتها الخمسة. درست الأدب البنغالي في جامعة دكا وتخرّجت منها عام 1973، واكتسبت خبرة سياسية من خلال دورها كوسيط بين والدها وأتباعه من الطلاب.

اغتيل والدها ومعظم أفراد عائلتها في انقلاب عسكري عام 1975، ولم تنجُ سوى حسينة وشقيقتها الصغرى، لكونهما كانتا خارج البلاد آنذاك. وبعد سنوات من العيش في المنفى بالهند، عادت حسينة إلى بنغلاديش عام 1981 وتولت رئاسة "حزب رابطة عوامي"، الحزب السياسي الذي كان والدها ينتمي إليه.

انضمت إلى أحزاب سياسية أخرى لتنظيم احتجاجات شعبية مؤيدة للديمقراطية خلال فترة الحكم العسكري بقيادة الجنرال حسين محمد إرشاد. وسرعان ما أصبحت حسينة رمزا وطنيا بفضل تلك الانتفاضة الشعبية.

انتُخبت حسينة لتولي السلطة للمرة الأولى عام 1996، وحظيت بتقدير واسع لتوقيعها اتفاقية لتقاسم المياه مع الهند، وأخرى للسلام مع المتمردين القبليين في جنوب شرق البلاد

انتُخبت حسينة لتولي السلطة للمرة الأولى عام 1996، وحظيت بتقدير واسع لتوقيعها اتفاقية لتقاسم المياه مع الهند، وأخرى للسلام مع المتمردين القبليين في جنوب شرق البلاد. إلا أن حكومتها تعرضت في الوقت ذاته لانتقادات بسبب عدد من الصفقات التجارية التي وُجهت إليها تهم بالفساد، إضافة إلى تبعيتها المفرطة للهند.

فيما بعد، وفي عام 2001، خسرت حسينة الانتخابات أمام حليفتها السابقة، خالدة ضياء، زعيمة "الحزب القومي البنغالي". وبصفتهما وريثتين لأسرتين سياسيتين، هيمنت المرأتان على المشهد السياسي في بنغلاديش لأكثر من ثلاثة عقود، واشتهرتا بلقب "البيغومين المتصارعتين". ويُطلق لقب البيغوم على المرأة المسلمة الرفيعة المقام. وقد أسفر تنافسهما المرير عن موجات من تفجير الحافلات، والاختفاء القسري، والإعدامات خارج نطاق القانون.

عادت حسينة إلى السلطة عام 2009 عقب انتخابات أُجريت في ظل حكومة انتقالية. وبصفتها ناشطة سياسية، تعرضت لاعتقالات متكررة أثناء وجودها في صفوف المعارضة، ونجت من عدة محاولات اغتيال، من بينها محاولة عام 2004 التي تسببت في تضرر سمعها. كما أفلتت من محاولات لإجبارها على مغادرة البلاد إلى المنفى، وتجاوزت عددا من القضايا القضائية التي وُجهت إليها فيها تهم بالفساد.

نقلة اقتصادية نوعية

ومع ذلك، حققت بنغلاديش، التي كانت يوما من أفقر دول العالم، تقدما اقتصاديا ملموسا تحت قيادة حسينة منذ عام 2009. فقد تضاعف نصيب الفرد من الدخل ثلاث مرات خلال العقد الماضي، ويقدّر البنك الدولي أن أكثر من 25 مليون شخص قد انتشلوا من دائرة الفقر خلال السنوات العشرين الأخيرة.

رويترز
متظاهرون يشتبكون مع حرس الحدود البنغلاديشي والشرطة خارج مبنى التلفزيون البنغلاديشي الحكومي، في أعقاب اندلاع أعمال عنف في أنحاء البلاد بعد احتجاجات الطلاب ضد نظام الحصص، في دكا، بنغلاديش، 19 يوليو 2024

ويمثّل قطاع صناعة الثياب المحرك الرئيس لمعظم هذا النمو، إذ يشكّل الجزء الأكبر من إجمالي صادرات بنغلاديش. وقد شهد هذا القطاع توسعا سريعا خلال العقود الأخيرة، ليزوّد أسواق أوروبا وأميركا الشمالية وآسيا.

كما نفذت حكومة حسينة، بالاعتماد على التمويل المحلي إلى جانب القروض والمساعدات الإنمائية، مشاريع بنية تحتية ضخمة، من أبرزها جسر بادما الرائد الذي أُقيم على نهر الغانج بتكلفة بلغت 2.9 مليار دولار.

في يوليو/تموز 2024، اندلعت الاحتجاجات التي ستؤدي لاحقا إلى الإطاحة بحسينة، حين دعا طلاب جامعيون إلى إلغاء نظام الحصص في الوظائف الحكومية، المخصص لأقارب قدامى المحاربين في حرب استقلال بنغلاديش. وسرعان ما تصاعدت تلك الاحتجاجات لتتحول إلى حركة واسعة مناهضة للحكومة، خرج فيها مئات الآلاف من مختلف شرائح المجتمع إلى الشوارع.

سرعان ما تصاعدت الاحتجاجات لتتحول إلى حركة واسعة مناهضة للحكومة، خرج فيها مئات الآلاف من مختلف شرائح المجتمع إلى الشوارع

وردّت قوات الأمن باستخدام القوة الوحشية القاتلة، وبعد سقوط أولى الضحايا، أعلن قادة الاحتجاج أنهم لن يقبلوا بأقل من الإطاحة الفورية بحسينة من السلطة.

تواجه الحكومة المؤقتة في بنغلاديش، بقيادة محمد يونس الحائز على جائزة نوبل للسلام، تحديات جسيمة عقب فرار حسينة، لا سيما في ظل اتهامات لحكومتها السابقة باستخدام القضاء لملاحقة معارضيها والتضييق عليهم، بمن فيهم يونس نفسه، من خلال رفع دعاوى قضائية ملفقة ضدهم. وكان يونس قد أودع السجن في وقت سابق من عام 2024، وواجه أكثر من مئة تهمة، في قضايا يؤكد أنصاره أن دوافعها سياسية.

رويترز
يلوح الناس بعلم بنغلاديش أثناء تسلقهم مبنى في غانابهافان، مقر إقامة رئيس الوزراء، بعد استقالة الشيخة حسينة في دكا، بنغلاديش، 5 أغسطس 2024

وتواجه حكومة يونس المؤقتة ضغوطا متزايدة لإجراء انتخابات نزيهة في فبراير/شباط الجاري، بعد عقود من الهيمنة السياسية لحسينة أو منافستها اللدودة. ويعتزم القادة الجدد في بنغلاديش إعادة هذا البلد الواقع في جنوب آسيا إلى المسار الديمقراطي من خلال الانتخابات المقبلة، مع تأكيدهم على استبعاد حسينة وحزبها، "رابطة عوامي"، من المشاركة فيها.

كما جدّدت وزارة الخارجية البنغالية مطالبتها للهند بتسليم حسينة. من جانبها، علّقت نيودلهي بالقول إنها على دراية بالحكم القضائي الصادر ضد حسينة، وأكدت أنها "ستتعاون على نحو بنّاء"، مشددة على أنها لا تزال "ملتزمة بالمصالح العليا لشعب بنغلاديش، بما في ذلك السلام والديمقراطية والاندماج والاستقرار"، من دون الخوض في مزيد من التفاصيل. ومع ذلك، يُستبعد أن تستجيب الهند لطلب التسليم الذي تقدمت به جارتها.

أما حسينة، فقد طالبت من مقر إقامتها الدائم في الهند برفع الحظر المفروض على حزبها قبل الانتخابات. إلا أن احتمال عودة هذه السياسية المخضرمة إلى حكم بنغلاديش مجددا يبدو ضئيلا للغاية.

font change