حظر وسائل التواصل الاجتماعي على القاصرين... حماية فعالة أم إعادة إنتاج للسيطرة؟

جدال مفتوح بين القانون والتكنولوجيا والخصوصية في العالم الرقمي

Scarlett Yang
Scarlett Yang

حظر وسائل التواصل الاجتماعي على القاصرين... حماية فعالة أم إعادة إنتاج للسيطرة؟

في الأسابيع الأخيرة، عاد النقاش حول حظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للقاصرين، إلى الواجهة بقوة، بعد تصويت مجلس اللوردات البريطاني لصالح تعديل تشريعي يدعو إلى منع من هم دون 16 عاما من الوصول إلى منصات التواصل الاجتماعي، ضمن مشروع قانون قائم، وبالتوازي مع مشاورات حكومية واسعة حول علاقة الأطفال بالفضاء الرقمي. هذا التطور، الذي حظي بدعم عابر للأحزاب داخل إحدى غرف البرلمان البريطاني، لا يعد مجرد خطوة تشريعية معزولة، بل يعكس تحولا أوسع في المزاج السياسي والتنظيمي تجاه الطفولة الرقمية، داخل بريطانيا وخارجها.

تدعو هذه اللحظة السياسية المفصلية، إلى طرح قراءة أوسع في معنى حظر وسائل التواصل الاجتماعي للقاصرين، وسياقاته القانونية والتاريخية، وتجلياته المختلفة عالميا وأوروبيا، وصولا إلى مساءلة أبعاده الأخلاقية والفلسفية. فالنقاش الدائر اليوم لا يتعلق بقرار واحد أو دولة واحدة، بقدر ما يفتح أسئلة عميقة حول كيفية تنظيم حضور الأطفال في الفضاء الرقمي، وحدود الحماية القانونية، وطبيعة العلاقة بين القانون والمنصات والذات الناشئة، في زمن تحولت فيه وسائل التواصل الاجتماعي إلى جزء لا يتجزأ من الحياة اليومية.

ماذا يعني حظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن دون 16 عاما؟

يقصد بذلك مجموعة من التدابير القانونية والتنظيمية التي تهدف إلى منع القاصرين من إنشاء حسابات أو الاحتفاظ بها على منصات تصنف وسائل تواصل اجتماعي، وذلك استنادا إلى معيار العمر. ولا يقصد بالحظر هنا بالضرورة تجريم الطفل أو معاقبة الأسرة، بل غالبا ما تحمل المسؤولية القانونية للشركات المشغلة للمنصات، من خلال إلزامها اتخاذ خطوات فعالة للتحقق من عمر المستخدمين ومنع الوصول دون السن المحددة.

من الناحية القانونية، يختلف هذا الحظر عن سن الرضا الرقمية المرتبطة بمعالجة البيانات الشخصية (أو ما يعرف ب GDPR ويقصد به الحد العمري الذي يحدده القانون ويعتبر عنده الطفل قادرا قانونيا على الموافقة بنفسه على جمع ومعالجة بياناته الشخصية عند استخدام الخدمات الرقمية، دون الحاجة إلى موافقة ولي الأمر)، أو اشتراط موافقة الوالدين، إذ أن الحظر يعني منع الوصول نفسه، وليس فقط تنظيم شروطه أو بياناته.

السياقات التاريخية والتجارب العالمية السابقة

ظهر مفهوم حظر القاصرين من وسائل التواصل الاجتماعي تدريجيا، وتحديدا بعد فشل السياسات الطوعية للمنصات في الحد من وصول الأطفال. وكان أول تطبيق واضح وملزم قانونيا لحظر قائم على العمر من خارج أوروبا، حيث تبنت دول نهجا مباشرا يقوم على تحميل الشركات مسؤولية المنع بدل الاكتفاء بالتحذير أو الإرشاد. إذ تعد التجربة الأسترالية، التي أقرت حظر الحسابات لمن هم دون 16 عاما، أول نموذج تشريعي صريح من هذا النوع، تلتها توجهات مشابهة أو معلنة في دول أخرى مثل ماليزيا، ونقاشات تشريعية متقدمة في نيوزيلندا. هذه التجارب مثلت تحولا من منطق الاستخدام الآمن إلى منطق عدم الأهلية العمرية.

تعد التجربة الأسترالية، التي أقرت حظر الحسابات لمن هم دون 16 عاما، أول نموذج تشريعي صريح من هذا النوع، تلتها ماليزيا ونيوزيلندا

أما على المستوى الأوروبي، فلا يوجد حتى الآن قانون موحد يفرض حظرا عاما على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن دون 16 عاما. ناقش البرلمان الأوروبي المسألة وأصدر مواقف غير ملزمة تدعو إلى تحديد سن أدنى موحدة، إلا أن التنفيذ ظل من اختصاص الدول الأعضاء.

REUTERS/Yann Tessier
لقطة جوية لقصر وستمنستر الذي يضم البرلمان البريطاني في لندن، 17 يونيو 2024

بعض الدول الأوروبية اتجهت إلى مقترحات بالحظر لمن هم دون 15 أو 16 عاما (مثل فرنسا وإسبانيا)، بينما فضلت دول أخرى إبقاء تنظيم قائم على حماية البيانات أو التصميم المناسب للعمر دون فرض حظر شامل. بالتالي، يمكن القول إن أوروبا تعيش مرحلة نقاش سياسي وتنظيمي متقدم، دون إجماع تشريعي ملزم حتى الآن.

كيف يطبق الحظر عمليا؟

تطبيق حظر قائم على العمر، يتطلب وجود آليات تعرف قانونيا باسم التحقق من العمر (Age Assurance)، وهي مجموعة أدوات تهدف إلى التأكد من عمر المستخدم قبل السماح له بإنشاء حساب أو الاستمرار في استخدامه. ولا ينظر إلى التحقق من العمر بوصفه إجراء تقنيا بحتا، بل أداة تنظيمية تقع عند تقاطع القانون، والتكنولوجيا، وحماية الحقوق الأساس.

تتنوع أدوات التحقق من العمر بين أساليب مباشرة، مثل التحقق عبر وثائق رسمية أو أنظمة هوية رقمية معتمدة، وأساليب أخرى تعتمد على التقدير العمري أو البيانات البيومترية، بالإضافة إلى آليات غير مباشرة ترتبط بالجهاز المستخدم أو بسلوك الحساب وأنماط استخدامه. ويفترض أن تطبق هذه الأدوات ضمن إطار يوازن بين متطلبات الامتثال القانوني من جهة، وحماية الخصوصية وتقليل جمع البيانات الشخصية من جهة أخرى، بحيث لا تتحول عملية التحقق نفسها إلى مصدر جديد لانتهاك الحقوق الرقمية.

REUTERS/Hollie Adams
تطبيقات التواصل الاجتماعي على هاتف قبيل دخول قانون حظرها لمن هم دون 16 عاما حيّز التنفيذ في أوستراليا، 9 ديسمبر 2025

من الناحية القانونية، لا يكفي أن تعتمد المنصة آلية تحقق من العمر شكليا، بل يقيم الامتثال بناء على فعالية هذه الآلية وقدرتها الواقعية على منع الوصول غير المصرح به، وكذلك على مدى صعوبة الالتفاف عليها. فالقوانين التي تفرض حظرا قائما على العمر، غالبا ما تنص على ضرورة اتخاذ خطوات فعالة، وهو معيار يترك هامشا للتقدير، لكنه يضع عبئا واضحا على الشركات لإثبات أن أنظمتها ليست صورية أو سهلة التحايل.

يتحول التحقق من العمر إلى نقطة توتر مركزية في النقاش القانوني، إذ يثير أسئلة حول حدود المسؤولية، ومن يتحمل تبعات الفشل في حال وصول القاصرين إلى المنصة

وفي هذا السياق، يتحول التحقق من العمر إلى نقطة توتر مركزية في النقاش القانوني، إذ يثير أسئلة حول حدود المسؤولية، ومن يتحمل تبعات الفشل في حال وصول القاصرين إلى المنصة. وفي الغالب، تحمل هذه القوانين المسؤولية القانونية للمنصة المشغلة، باعتبارها الجهة التي تملك القدرة التقنية والاقتصادية على منع الوصول، لا للمستخدم القاصر أو لأسرته. وبذلك، يعاد تعريف حماية الأطفال في الفضاء الرقمي بوصفها واجبا مؤسسيا وتنظيميا، لا مسألة رقابة فردية أو أسرية فقط.

REUTERS/Hollie Adams
ني وانغ (14) وآيرِس تولسون (15) يستخدمان هاتفيهما قبيل بدء سريان الحظر في سيدني، 22 نوفمبر 2025

الحجج المؤيدة والمعارضة لحظر وسائل التواصل الاجتماعي

يستند مؤيدو فرض حظر على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، إلى مجموعة من الاعتبارات المتعلقة بحماية القاصرين من الأضرار المتزايدة المرتبطة بالبيئة الرقمية. وينظر إلى هذا الحظر بوصفه أداة وقائية تهدف إلى الحد من الإدمان الرقمي، والتنمر الإلكتروني، وأشكال الاستغلال التجاري التي تستهدف القاصرين، فضلا عن تقليص تعرضهم لمحتوى قد يكون ضارا أو غير مناسب لمرحلتهم العمرية. كما يجادل أنصار الحظر بأن تحميل الأسر وحدها مسؤولية ضبط استخدام الأطفال للتكنولوجيا لم يعد واقعيا في ظل منصات تصمم بخوارزميات معقدة تهدف إلى جذب الانتباه وإطالة زمن الاستخدام، وهي أنظمة يفترض أن الطفل دون 16 عاما لا يملك القدرة الإدراكية أو النفسية الكافية لمواجهتها أو فهم آثارها الطويلة المدى.

في المقابل، يثير معارضو الحظر جملة من المخاوف الحقوقية والاجتماعية، في مقدمتها ما ينطوي عليه التحقق من العمر من أخطار محتملة على الخصوصية، خاصة إذا تطلب جمع بيانات حساسة أو بيومترية. كما يحذر من أن الحظر قد يؤدي إلى إقصاء رقمي غير مقصود، خصوصا للأطفال الذين يعتمدون على المنصات الرقمية كمساحات للتعلم، أو للدعم النفسي والاجتماعي، أو للتواصل في سياقات يعانون فيها من العزلة أو الهشاشة. يضاف إلى ذلك التشكيك في فعالية الحظر نفسه، نظرا لإمكان الالتفاف عليه تقنيا بوسائل بسيطة، مما قد يحوله إلى إجراء رمزي أكثر منه أداة حماية فعلية. ويرى بعض المنتقدين أن أخطر ما في هذا التوجه هو خطر تطبيع المراقبة الرقمية تحت شعار حماية الطفل، بما قد يوسع قبول تدخل الدولة أو الشركات في الحياة الرقمية للأفراد على نطاق أوسع.

REUTERS/Hollie Adams
هاتف يعرض رسالة من "تيك توك" مع بدء سريان حظر السوشيال ميديا لمن هم دون 16 عاما في سيدني، 10 ديسمبر 2025

يكشف هذا الجدال أن حظر وسائل التواصل الاجتماعي لا يختزل في كونه مسألة تقنية أو تنظيمية فحسب، بل يمثل خيارا أخلاقيا وقانونيا واجتماعيا معقدا، يتطلب موازنة دقيقة بين حماية الأطفال، وصون الحقوق الرقمية، وتحديد حدود التدخل المشروع في الفضاء الرقمي.

بريطانيا... نموذج مركب

تعد بريطانيا حالة مفصلية في النقاش العالمي حول حظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون 16 عاما، ليس بسبب اعتمادها حظرا مباشرا حتى الآن، بل نتيجة تبنيها نهجا تراكميا يقوم على بناء منظومة تنظيمية متعددة الطبقات بدل سن قانون واحد صريح وشامل. هذا النهج يعكس فهما تدريجيا للأخطار الرقمية، ويظهر كيف تحول تنظيم الفضاء الرقمي من مسألة متعلقة بالبيانات إلى إطار أوسع لحماية الأطفال.

حظر وسائل التواصل الاجتماعي لا يختزل في كونه مسألة تقنية أو تنظيمية فحسب، بل يمثل خيارا أخلاقيا وقانونيا واجتماعيا معقدا، يتطلب موازنة دقيقة بين حماية الأطفال، وصون الحقوق الرقمية

يمكن فهم الإطار القانوني البريطاني من خلال ثلاث طبقات رئيسة مترابطة. تتمثل الطبقة الأولى في سن الرضا الرقمية، التي يحددها القانون البريطاني عند 13 عاما، ويمنح الأطفال من هذا العمر القدرة القانونية على الموافقة على معالجة بياناتهم الشخصية. غير أن هذه الموافقة لا تعني، في حد ذاتها، حقا غير مشروط في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، بل تقتصر على البعد المتعلق بالبيانات والخصوصية.

أما الطبقة الثانية فتتمثل في مدونة التصميم المناسب للعمر (Children's Code)، التي تلزم المنصات الرقمية تصميم خدماتها بطريقة تراعي مصلحة القاصرين، من حيث ضبط الإعدادات الافتراضية، وتعزيز الخصوصية، والحد من أنماط التصميم التي قد تتسبب بضرر نفسي أو سلوكي. هنا، ينتقل التركيز من سلوك المستخدم إلى مسؤولية المنصة نفسها في خلق بيئة رقمية أقل إيذاء للأطفال.

وتأتي الطبقة الثالثة مع قانون سلامة استخدام الإنترنت، الذي يشكل الذراع التنظيمية الأثقل في المنظومة البريطانية، إذ يفرض التزامات صارمة على المنصات لتقييم أخطار وصول الأطفال إلى محتواها وخدماتها، ويدخل التحقق من العمر بوصفه أداة تنظيمية مركزية لضبط هذا الوصول. في هذا المعنى، يتحول التحقق من العمر من خيار تقني إلى واجب قانوني مرتبط بإدارة الأخطار وحماية الفئات القاصرة.

REUTERS/Hollie Adams
أشخاص يستخدمون هواتفهم قبيل بدء تطبيق حظر السوشيال ميديا في بريزبن، 8 ديسمبر 2025

ضمن هذا السياق التراكمي، برز تطور تشريعي لافت في يناير/ كانون الثاني 2026، حين صوت مجلس اللوردات البريطاني لصالح تعديل ينص على حظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون 16 عاما، وذلك ضمن مشروع قانون قائم. ويعد هذا التصويت موقفا برلمانيا واضحا وقرارا تشريعيا رسميا يعكس تحولا في المزاج السياسي، خاصة أنه حاز دعما عابرا للأحزاب.

ومع ذلك، لا يعني هذا التصويت أن الحظر أصبح قانونا نافذا، إذ لا يزال التعديل خاضعا للمسار التشريعي الكامل، بما يشمل موافقة مجلس العموم، واعتماد الحكومة، والحصول على التصديق الملكي. وهنا يبرز الفرق الجوهري بين قرار تشريعي أقر داخل إحدى غرف البرلمان وقانون نافذ مكتمل الأركان. هذا الفرق تحديدا هو ما يضع بريطانيا في موقع انتقالي دقيق، بين مرحلة النقاش السياسي المتقدم ومرحلة التشريع الملزم، ويجعلها حالة اختبار مركزية لمستقبل تنظيم استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في أوروبا.

أزمة أعمق

لا يمكن قراءة التوجه المتصاعد نحو حظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون 16 عاما بوصفه استجابة تقنية أو تنظيمية فحسب، بل ينبغي فهمه كعلامة على أزمة أعمق في علاقة المجتمع المعاصر بالطفولة، وبالزمن، وبالسلطة القانونية في الفضاء الرقمي. فالقانون هنا لا يتدخل فقط لضبط سلوك، بل ليعيد تعريف من هو الطفل، ومتى يعتبر قادرا، وما الذي يفترض حمايته منه، وأحيانا ما الذي يفترض حمايته منه دون أن يسأل.

القانون هنا لا يتدخل فقط لضبط سلوك، بل ليعيد تعريف من هو الطفل، ومتى يعتبر قادرا، وما الذي يفترض حمايته منه، وأحيانا ما الذي يفترض حمايته منه دون أن يسأل

من هذا المنظور، يبدو الحظر محاولة لإعادة فرض منطق زمني خطي على فضاء رقمي كسر التدرج العمري التقليدي. فوسائل التواصل الاجتماعي لم تنتج فقط محتوى جديدا، بل أعادت تشكيل الزمن الاجتماعي نفسه، حيث يتعرض الأطفال لتجارب، ولغات، وصور، وصراعات كانت تاريخيا محجوزة لعالم الكبار. الحظر، في هذا السياق، يمكن قراءته كمحاولة لإعادة "ترتيب الزمن"، لا عبر التربية أو التمكين، بل عبر القطع والمنع. لكن هذا المنع في نظري يطرح سؤالا مركزيا: هل الطفل كائن يجب عزله عن العالم حتى ينضج، أم أنه ذات ناشئة تعيش بالفعل داخل عالم متشابك لا يمكن فصله تقنيا؟

REUTERS/Hollie Adams
كلير ني (14 عامًا) تحمل هاتفا مع بدء تطبيق حظر السوشيال ميديا لمن هم دون 16 عاما في سيدني، 10 ديسمبر 2025

يستند الخطاب المؤيد للحظر غالبا إلى افتراض أن الطفل كائن هش، غير قادر على التمييز، وأن الخطر يكمن في المنصة أو الخوارزمية. غير أن هذا التصور يخفي حقيقة أن الطفل اليوم ليس خارج النظام الرقمي، بل هو جزء بنيوي منه. يراه، يسمعه، ويتأثر به حتى دون الحاجة إلى حساب شخصي. بذلك، يصبح الحظر أحيانا إجراء رمزيا يهدف إلى استعادة شعور السيطرة، أكثر من كونه معالجة جذرية لشروط العنف أو الاستغلال الرقمي.

في المقابل، لا يمكن تبسيط النقد باعتباره دفاعا عن حرية مطلقة للأطفال. بل هو مساءلة ونقاش لفكرة: هل نحمي الأطفال أم لا؟ بل: كيف نحميهم، ومن يقرر شكل هذه الحماية، وبأي أدوات؟

هنا تظهر إشكالية جوهرية تتعلق بطريقة سن القوانين نفسها. فالقوانين التي تسن بسرعة وتمثل استجابة وحالة من الهلع الأخلاقي أو الضغط الإعلامي، غالبا ما تميل إلى الحلول القطعية (الحظر، المنع، الإقصاء)، بدل الاشتغال على حلول بنيوية طويلة الأمد، مثل إعادة التفكير في تصميم المنصات، أو مساءلة الاقتصاد الرقمي القائم على الانتباه، أو تمكين الأطفال أنفسهم معرفيا ونقديا. وهنا يثير الحظر أيضا سؤال السلطة: هل نحن أمام حماية الطفل، أم أمام إعادة تمركز سلطة الدولة والشركات عبر أدوات تحقق عمر، وهويات رقمية، ومراقبة موسعة، تطبع لاحقا لتشمل الجميع؟ من هذا المنطلق، يصبح الطفل ليس فقط موضوع حماية، بل أيضا بوابة لتوسيع أنظمة الضبط والسيطرة والرقابة باسم الأخلاق والرعاية.

التفكير النقدي في هذا القانون يفرض علينا الانتقال من سؤال "هل الحظر جيد أم سيء؟" إلى سؤال أعمق: أي تصور للطفولة نكرسه؟ وأي علاقة نؤسسها بين القانون، والتكنولوجيا، والذات الناشئة؟

إن التفكير النقدي في هذا القانون يفرض علينا الانتقال من سؤال "هل الحظر جيد أم سيء؟" إلى سؤال أعمق: أي تصور للطفولة نكرسه؟ وأي علاقة نؤسسها بين القانون، والتكنولوجيا، والذات الناشئة؟

فالقضية لا تتعلق بمنع الوصول وحسب، بل بتحديد من يملك الحق في الظهور، والكلام، والتعلم، والخطأ، داخل فضاء بات جزءا لا يتجزأ من الواقع الاجتماعي والسياسي. وعليه، من المهم تجنب النظر إلى حظر وسائل التواصل الاجتماعي كحل نهائي، بل كـنقطة توتر تكشف عن حدود القانون في مواجهة تحولات رقمية عميقة، وعن الحاجة إلى مقاربة تتجاوز المنع نحو مساءلة أوسع للبنى التي تنتج الضرر، وتعيد التفكير في حماية الطفل بوصفها ممارسة تمكينية، لا فقط إجراء ضبطيا.

font change

مقالات ذات صلة