جاء الإعلان عن التشكيلة الوزارية الجديدة في اليمن بعد مخاض سياسي عسير، غلبت عليه الانقسامات والتجاذبات الشديدة، الحزبية المتضاربة، بين مختلف الأطراف في الساحة اليمنية والجهوية المتعارضة بين الشمال والجنوب، كما لم يشهد مثل هذا تأليف أي حكومة سابقة في تاريخ البلاد.
أبرز ملامح التشكيل الوزاري الجديد، هو احتفاظ ثمانية من الوزراء بحقائبهم، رغم أن أداء بعضهم كان في نظر البعض مثار جدل، فيما جيء بوزراء جدد، من بينهم ثلاث نساء، لا نعرف الكثير عن خبرات بعضهم. ومن بين الأعضاء الخمسة والثلاثين في الحكومة، عشرة وزراء "دولة" في بلد يعيش حالة حرب، ويلهث وراء استعادة الدولة.
التوليفة الجديدة ليست مثالية بأي حال، لكنها على ما يبدو كانت أفضل ما أمكن التوصل إليه في ضوء الظروف، التي يعيشها اليمن في هذه المرحلة الدقيقة والصعبة من تاريخه، روعي فيها تمثيل و"ترضية" كل طرف ومنطقة، بما يؤمل أن يحمل على طمأنتها، ويخفف من حدة التنازع على تمثيلها في السلطة، ويحد من عرقلة ممثليها لعمل الحكومة في الفترة المقبلة.
وهناك تحديات جمة تواجه مهمة الحكومة الجديدة، وعلى رأسها مسائل الأمن ومتاعب الاقتصاد، والحاجة إلى تناغم الأداء بين مكوناتها المتنافسة، شأنها في ذلك شأن مجلس القيادة الرئاسي، وذلك رغم الدعم السعودي الواضح والعربي والدولي الصريح الهادف إلى ضمان الحفاظ على الشرعية اليمنية، ومن خلالها صون الكيان السياسي اليمني، ووحدة وسلامة أراضي البلاد سبيلا إلى إنهاء حالة الحرب والاقتتال مع جماعة "الحوثيين" الموالين لإيران سلما أو حربا، والتوصل إلى اتفاق سلام شامل وعادل، يقرر بعده اليمنيون في ظل الدولة شكل ومستقبل الحكم الذي يريدون.
الأمن أولا
من المتعذر تخيُّل أن تستمر الحكومة الجديدة في العمل من خارج البلاد، أكثر من الوقت الذي أمضته سابقاتها في المنفى، ودون أن يكون لها وجود على الأرض، لكن أمرا كهذا لا تزال تقف أمام حضوره في الميدان مشكلات أمنية بالغة الخطورة، خصوصا في مدينة عدن المعلن عنها "عاصمة مؤقتة" منذ اندلاع الحرب عام 2015 وذلك نتيجة بقاء بعض فلول الميليشيات الانفصالية المسلحة، تعبث من وراء وأمام ستار، بأمن المدينة وتشكل خطرا على حياة الوزراء الجدد ومساعديهم ومستشاريهم والأجهزة والإدارات الحكومية العامة، التي يفترض أن تعمل تحت إمرتهم وبإشرافهم، ناهيك عن إمكانية نقل السفارات والممثليات والقنصليات العربية والدولية، وممثلي المنظمات العالمية للعيش والعمل، من دون ضمانات أمنية كافية ودائمة.
إذن فالأمر يتطلب أولا جهدا حثيثا لإعادة تطبيع الحياة من خلال وضع حد لفوضى السلاح المنفلت في عدن تحديدا، وفي سائر محافظات البلاد المحررة، فبعد أسابيع قليلة من دحر ميليشيات "المجلس الانتقالي الجنوبي" المنحل وإجبارها على الخروج بالقوة من محافظتي حضرموت والمهرة، فقد جرى تفجير سيارة مفخخة في مدينة عدن يوم الأربعاء 21 يناير/كانون الثاني استهدف موكبا عسكريا لقائد الفرقة الثانية في "ألوية العمالقة" الموالية للحكومة العميد حمدي شكري الصبيحي، وذلك عند مروره بإحدى المناطق الشمالية للمدينة، ما أسفر عن إصابته وآخرين بجروح طفيفة، بينما لقي أربعة من مرافقيه مصرعهم، الأمر الذي أثار مخاوف أمنية من تأثير أعمال عنف كهذا الحادث على مساعي "تحالف دعم الشرعية" بقيادة السعودية نحو "إعادة الاستقرار إلى المحافظات الجنوبية وتوحيد القوات العسكرية والأمنية"، بعد حلّ ما كان يسمى "المجلس الانتقالي الجنوبي".

