تفاصيل هروب عيدروس الزبيدي... السقوط والانكشاف

مخطط أكبر يهدد أمن المنطقة

رويترز
رويترز
جندي يقف حارساً خارج مقر المجلس الانتقالي الجنوبي في عدن، اليمن، 8 يناير 2026

تفاصيل هروب عيدروس الزبيدي... السقوط والانكشاف

إلى أن يتضح مصير عيدروس الزبيدي بعد هروبه من البلاد سيظل الكثير من الاحتمالات قائما وموضع تكهنات وتوقعات عدة، فالمفترض أن تكون كل السيناريوهات واردة أمام القيادة السياسية اليمنية والتحالف الداعم لها تجاه رجل مغامر لا يمكن ضمان سلوكه حتى بعد سقوطه وفراره.

بحسب الكثير من المعطيات، أوجد الزبيدي "بنية تحتية" من المعسكرات والمقار الأمنية والسجون السرية، كما توفر بيده ما يمكن اعتباره ترسانة من الأسلحة التي تراكمت تحت تصرفه بدعمٍ خارجي لا محدود. بالإضافة إلى ذلك، إمكانات مالية حصل عليها بفعل فساد سياسي ومالي وإداري الذي أعطب أداء الحكومة اليمنية الشرعية خلال السنوات الماضية وأتاح لـه الاستحواذ على مداخيل الموانئ ومطار عدن وغيرهما من المنافذ البرية فضلا عن الدعم المالي واللوجستي الذي تلقاه من خارج البلاد. كما أصبح لديه موالون أطلق لهم العنان للنفوذ والتسلط خصوصا في محافظة الضالع، وهي منطقةٌ معروفة بوعورة تضاريسها الجغرافية والاجتماعية، ومقاتليها الذين كانوا خلال الكثير من فترات الصراع وقود الحروب ودورات العنف التي شهدها جنوب اليمن.

نحن إذن أمام طلسمٍ معقدٍ لا يمكن حل أسراره أو تفكيك أضلاعه بين عشيةٍ وضحاها بمجرد فراراه ما لم نعرف الوجهة التي سيستقر الزبيدي فيها، إذ لا أحد يمكنه أن يعرف ما يدور في رأس الزبيدي غير الزبيدي نفسه.

توفر بيد الزبيدي ما يمكن اعتباره ترسانة من الأسلحة التي تراكمت تحت تصرفه بدعمٍ خارجي لا محدود. بالإضافة إلى ذلك، إمكانات مالية حصل عليها بفعل فساد سياسي ومالي وإداري أعطب أداء الحكومة اليمنية الشرعية خلال السنوات الماضية

هناك احتمالان لا ثالث لهما: إما أن يكون الزبيدي قد توجه إلى دولة الإمارات، وهذا هو الأرجح بحسب بيان التحالف الذي تقوده السعودية، لطلب اللجوء إليها باعتباره يحمل جنسيتها وحاصلا على جواز سفرٍ من سلطاتها، وهذا بالتالي يلقي على أبوظبي مسؤولية كبيرة، سياسية وقانونية وأخلاقية، لجهة أن الزبيدي بات متهماً بـ"الخيانة العظمى وتشكيل عصابة مسلحة واستغلال القضية الجنوبية لارتكاب انتهاكات جسيمة" بقوة السلاح، وقاد "تمردا مسلحا وأثار فتنة داخلية" وغيرها من التجاوزات غير المقبولة أو المبررة، إلى جانب أنه "وضع مصالحه المالية الشخصية ومصالح داعميه فوق مصالح الوطن"، وفق ما قاله مسؤولون في الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا.

الاحتمال الآخر، أن يعود الزبيدي مرة أخرى إلى جبال محافظة الضالع التي اعتاد على استخدامها خلال تمرده على دولة الوحدة اليمنية مكانا للاختباء والتخفي وراء صخورها وفي حصونها المنيعة، وهنا يضع الرجل نفسه أمام ذات المصير الذي اختار جبال "مرَّان" في محافظة صعدة مترسا للتمرد لتكون خاتمته في نهاية المطاف بواسطة رصاصة أطلقها على رأسه القائد الجنوبي الراحل ثابت مثنى جواس.

في هذه الحالة، يضع الزبيدي محافظة الضالع أمام مخاطر عسكرية وأمنية بدأت باستهداف المواقع التي يشتبه أن الزبيدي نقل إليها شحنات كبيرة من الأسلحة الثقيلة التي جاء بها إلى معسكر الزند في الضالع بعد نهبها من معسكري جبل حديد والصولبان في عدن، ما قد يجعل الضالع في دائرة الاستهداف والحصار لسنواتٍ عدة قادمة، ويلقي على كاهل سكانها المزيد من الويلات والمتاعب والمعاناة.

تاريخ من التمرد

لا نعلم الكثير عن الخلفية العسكرية للزبيدي إذ ارتبط ظهوره بتأسيسه ما عُرف بجبهة "حق تقرير المصير" (حتم) التي اتخذت من جبال الضالع معقلا لها أواخر تسعينات القرن الماضي لمناهضة حكم الرئيس الراحل علي عبدالله صالح بعد حرب عام 1994 لكنه كان غالبا لم يكن يقيم في ذلك المعقل بل ينتقل من مكانٍ إلى آخر داخل البلاد أو خارجها خوفا من الملاحقات الأمنية والقضائية بحقه، لكنه على ما يبدو وجد في حالة الانفلات الأمني الذي أعقب انهيار نظام صالح فرصة للعودة وركوب موجة المقاومة لجماعة الحوثيين والظهور لاحقا كممثل لمصالح جنوب البلاد.

لطالما كان عيدروس الزبيدي شخصا إشكاليا محيِّرا حتى لأقرب من يعملون معه، كما سمعت من بعضهم، بل لقد وصفه لي زعيم جنوبي بأن "عيدروس سائق متهور لشاحنة عليها أكثر من حمولتها من المتفجرات". بمعنى أنه ادعى تمثيل "قضية" في حين أنه بالأساس في غير مستواها وليس مؤهلا سياسيا للتعبير عنها، فالرجل ببساطة ليس سياسيا رغم اللغة الودودة التي حاول استخدامها لمن يتحدث معه، وليس عسكريا محترفا، بدليل أن القرارات الجريئة والانفعالية التي اتخذها في غير أوانها ومكانها، ولا هو بالرجل العادي الذي يطلب النصح أو يقبل المشورة إقرارا منه بضعف حاله وتواضع قدراته. لكن المشكلة أنه وجد دعما وسلاحا ونفوذا لا يستحقه، فلماذا لا يخلط الحابل بالنابل وليأخذ الأمور إلى ما يمكنها أن تأخذه دون اعتبار للنتائج والعواقب.

لطالما كان عيدروس الزبيدي شخصا إشكاليا محيِّرا حتى لأقرب من يعملون معه

وعلى أي حال فالزبيدي، في نظر كثيرين من جنوب اليمن وشماله وفي المنطقة عموما، لم يكن أكثر من "بندقية مستأجرة" خارج إطار القانون ولاغتيال الخصوم من الخطباء والدعاة وأئمة المساجد دون مسوغٍ قانوني مبررٍ أو معنى سوى الخلاص منهم والانفراد بالساحة في "المجلس الانتقالي" دون وجود طيفٍ أو لونٍ سياسي أو ثقافي أو مجتمعي آخر، كما كان في رأي مثقفين جنوبيين ليس أكثر من يدٍ مرتعشة لا يمكنها أن تكتب تاريخا لنفسها أو لغيرها أو لوطنها.

قد تكون هناك مفاجآت في المشهد اليمني العام خصوصا في جنوب البلاد. لكن عيدروس الزبيدي لن يعود بأي حال رئيسا لـ"المجلس الانتقالي الجنوبي"، في وقت تم فيه تعيين محافظ لعدن وانخراط في عملية سياسية مأمولة لا يتم الاستقواء فيها بالسلاح أو بدعم إقليمي خارجي ثبت بالدليل القاطع أنه لم يكن يعمل في صالح اليمن و"قضية الجنوب" أو الإقليم العربي وحتى الأفريقي من حوله.

الزبيدي، في نظر كثيرين في جنوب اليمن وشماله وفي المنطقة عموما، لم يكن أكثر من بندقية مستأجرة للقتل خارج إطار القانون ولاغتيال الخصوم، وثبت بالدليل القاطع، أنه لم يكن يعمل لصالح اليمن أو الإقليم العربي وحتى الأفريقي من حوله بل يصب في مصلحة أجندة إسرائيلية

قال الزبيدي في مقابلةٍ مع قناة "روسيا اليوم" نقلا عن وسائل إعلامية إسرائيلية إن "ممثلين عن المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن أجروا اتصالات مع مسؤولين إسرائيليين، في إطار مساع لكسب دعم إقليمي ودولي وسط تحولات إقليمية متسارعة". وهنا تبرز خطورة واحدة من تجاوزات الزبيدي التي قفز بها على كل الاعتبارات الوطنية والقومية وحتى الإنسانية في وقتٍ بلغت فيه إسرائيل أخطر انتهاكاتها لحقوق الشعب الفلسطيني.

أ.ف.ب
قوات "درع الوطن" أثناء انتشارها وسيطرتها على مطار سيئون في محافظة حضرموت

المشكلة اليوم في اليمن لا يمكن اجتزاؤها بقضيةٍ ما في الجنوب أو بمظلومية في صعدة أو مشكلةٍ في حضرموت وتهامة الغرب بل في غياب دولةٍ غاب معها مفهوم الأمن والاستقرار والخدمات الأساسية في كل البلاد.

المشكلة اليوم في اليمن لا يمكن اجتزاؤها بقضيةٍ ما في الجنوب أو بمظلومية في صعدة أو مشكلةٍ في حضرموت وتهامة الغرب بل في غياب دولةٍ غاب معها مفهوم الأمن والاستقرار والخدمات الأساسية في كل البلاد

تكشف التفاصيل المعلنة من قبل التحالف الذي تقوده الرياض بشأن طريقة هروب الزبيدي عما هو أبعد من الأزمة اليمنية ويصل إلى مستوى الإقليم، أحد تلك الأبعاد أن يتخذ الزبيدي من إقليم "أرض الصومال" في دولة الصومال، ممرا ومعبرا للهروب منها إلى مقديشو ومن ثم إلى أبوظبي، وأن الطائرة التي استخدمها في هروبه إلى الإمارات هي من ذلك النوع المسجل أو المعروف باستخدامه أو مثيلتها في مناطق النزاعات مثل ليبيا والصومال والسودان، وهو ما يشير أيضا إلى مخطط أوسع مجالا ينخرط فيه طرف إقليمي في عدد من دول المنطقة.

‏كل ذلك يؤشر على وجود مخطط أكبر يهدد أمن ومستقبل الكثير من الدول المطلة على البحر الأحمر وعلى رأسها المملكة العربية السعودية ومصر، وهو ما يستوجب تحركا سريعا لتسوية الأزمة اليمنية لمنع أي اختراقات استراتيجية في منطقة جنوب البحر الأحمر وباب المندب ذات الأهمية الحيوية القصوى لكل البلدان المجاورة.

font change

مقالات ذات صلة