جنى فواز الحسن لـ"المجلة": الوهم يصبح خطيرا حين يتحول إلى أداة تحكم

"أسوار عين توران" والتحالف الوثيق بين العزلة والرتابة

جنى فواز الحسن

جنى فواز الحسن لـ"المجلة": الوهم يصبح خطيرا حين يتحول إلى أداة تحكم

تكتب الروائية اللبنانية جنى فواز الحسن من مساحة تتقاطع فيها الحساسية النفسية مع التأمل الاجتماعي، ومن سيرة أدبية تشكلت بين القرية والمدينة، وبين الصحافة والرواية. منذ عملها الروائي "رغبات محرمة" (2007)، مرورا بـ"أنا، هي والأخريات"، وصولا إلى أحدث رواياتها، "أسوار عين توران"، يتبلور مشروع سردي منشغل بالهوية والانتماء وعلاقة الفرد بالجماعة. هنا حوار معها.

روايتك "أسوار عين توران" تصور بلدة نائية تغرق أهلها في رتابة الحياة اليومية، ويتناولون حبوبا مهدئة اعتقادا منهم أنها تمنحهم الحماية. ما الذي دفعك إلى التركيز على فكرة الوهم بهذا الشكل الرمزي في الرواية؟

الوهم في الرواية مرتبط بفكرة السيطرة على العقول. ربما يكون الإنسان عدو ما يجهل، لكنه أيضا عدو ما يعرف، وأعني هنا ما يلقن. في عين توران، يتم تكييف الإنسان ذهنيا منذ ولادته، مما يجعله قابلا لتصديق الوهم الذي يصدر له هنا كمصدر حماية وخلاص. نعيش نحن كبشر أحيانا في دوامة من الخوف، ونقيد أنفسنا من دون أن نعي حتى أننا مقيدون. فكرة تأثير "البلاسيبو" أي تأثير الدواء الوهمي وتفاعل المريض بشكل إيجابي معه، كانت محط دراسات علمية، وهي تعكس العلاقة المعقدة بين الجسد والذهن والجهاز العصبي. أرى أن تجارة الوهم منتشرة بكثرة في سائر المجتمعات وبلدان مختلفة في عصرنا هذا، وكانت لها أشكال مختلفة في حضارات قديمة. ولا أعتقد أن كل الأوهام سيئة، ربما تكون أحيانا حاجة إنسانية ملحة، لأننا كائنات عاطفية لا يمكنها دائما السيطرة على انفعالاتها وجموحها، وبحاجة إلى تفسيرات غير منطقية وإلى الأوهام. لكن الخطورة تكمن في تحول الوهم إلى السائد وإلى أداة بيد السلطة، أي سلطة كانت، سواء سيطرة حاكم على مجتمع أم سيطرة فرد على آخر، أم أي نوع آخر من التحكم.

الرتابة

كيف يعكس هذا العنصر الصراع الداخلي للإنسان بين الاستسلام والتمرد على رتابة الحياة؟

الاستسلام مريح في الكثير من الأحيان، وقد يكون نتيجة طبيعية لرغبة الإنسان في الهدوء والسلام. التمرد هو الذهاب إلى المجهول الذي قد يكون أسوأ أو أفضل، بالتالي هو مخاطرة. الإنسان عادة لا يتمرد لأنه راغب بالخطر، وإنما لأنه وصل إلى ذروة فقدان القدرة على التحمل.

الانغلاق وعدم التعرف الى الثقافات الأخرى يضع حواجز بينك وبين من هو مختلف عنك ويحوله إلى كائن غريب ومرفوض

 صورت عين توران مكانا منعزلا ونائيا، لأن أول خطوة في اتجاه السيطرة على شخص ما أم مجتمع ما، تبدأ بعزله وتضييق تعريفه لنفسه ليتوافق فقط مع هذه الهوية المغلقة. ما يفعله الانعزال هو فصل الفرد، أو حتى المجموعة، عن الفرد الآخر والمجموعة الأخرى، وبالتالي ننتج مجتمعات لا تجمعها القيم الإنسانية المشتركة بل فقط توحدها مع نفسها. أؤمن بخصوصية كل ثقافة، لكن الانغلاق وعدم التعرف الى الثقافات الأخرى يضع حواجز بينك وبين من هو مختلف عنك ويحوله إلى كائن غريب ومرفوض، وهذا ما يؤدي إلى صراعات يمكن تفاديها.

غلاف روية "أسوار عين توران"

بعض القراء قد يجدون في هذه الحبوب استعارة عن الأديان أو الطقوس الاجتماعية. هل ترين أن روايتك تحمل رسالة فلسفية عن الاعتماد على "حماية خارجية" مقابل مواجهة الواقع؟

هذه الحبوب يمكن أن تكون أي شيء يغيب وعي الإنسان، وهما بالعجز أو قناعة بالضعف. هي ذلك الصوت الداخلي الذي يهمس للمرء بأنه ناقص، وبأنه في حاجة إلى عكازة خارجية كي يكتمل. لذلك لا أراها استعارة مباشرة عن الأديان أو الطقوس الاجتماعية. فهذه، في جوهرها، قد تكون سيفا ذا حدين: يمكنها أن تخفف وطأة الوحدة وتمنح الإنسان معنى وانتماء، لكنها في الوقت نفسه قد تستغل لإخضاع الفرد والمجتمع وتضييق الخناق عليهما، تبعا لكيفية توظيفها.

بين الواقع والخيال

الرواية تمزج بين الواقع والخيال. كيف اتخذت القرار في شأن أي عناصر من الحياة اليومية يجب تضخيمها لتصبح رمزية؟

أردت أن أعكس حالة الرتابة واللون الواحد، لذلك لجأت إلى تضخيم بعض العناصر الواقعية من الحياة اليومية، مثل طراز السيارة الموحد، وجدول الطعام، وغيرها من التفاصيل التي تبدو عادية، لكنها ترمز إلى القيد وحرمان الإنسان من حقه في الخيار الشخصي. أما شخصية السيدة التي تكره الأطفال، فهي ترمز إلى الكبت والضغط المستمرين اللذين قد يمارسان على الإنسان، إلى حد يفقد معه صوابه وقدرته على التعاطف. كان هدفي أن توظف هذه التفاصيل في خدمة خلق أجواء تلك البلدة الغريبة، وأن تعكس اختناقها الداخلي.

هل استلهمت شخصيات الرواية من أشخاص حقيقيين، أم كانت كلها نتاج الخيال؟

هناك خلط دائم بين الخيال والحقيقة في الكتابة. غالبا ما أستعير أشخاصا من محيطي وأعيد توظيفهم داخل النص. لا توجد شخصية في الرواية تطابق شخصا حقيقيا أعرفه في حياتي، لكن الشخصيات تشبه الكثير من الناس الذين نصادفهم يوميا، بما تعكسه من طباع وسلوكيات إنسانية مألوفة. وصدقا، هناك أشخاص أحتفظ بملامحهم في ذاكرتي، ثم أكتب شخصيات تحمل شيئا منهم، لا كنسخ عنهم، بل كصدى أو أثر.

هل هناك شخصية تمثل صوتك الداخلي أو وجهة نظرك النقدية تجاه فكرة التبعية للرتابة والحماية الزائفة؟

في هذه الرواية تحديدا، كنت أشعر بأني أشبه شخصية لبنى في بعض الأشياء. أشعر أحيانا بأن صوتي مخنوق مثلها، وبأنها في احتيالها على الواقع لكي تعيش، أخرست نفسها مرات كثيرة. كما أشبه هيثم في رفضه للظلم وللروتين والحماية الزائفة، وربما أيضا في إدراكه أن الطوباوية والمثالية التي حلم بها لا وجود لها. أنا كأبطال روايتي، مزيج من المحاولات والإحباطات والآمال والحكمة والأخطاء. هم صوتي حين أشعر أني عاجزة عن الكلام والتعبير.

اللغة

هل كان لديك وعي مسبق بكيفية استخدام اللغة كأداة لتعميق الإحساس بالعزلة القروية النائية؟

أظن أنني لم أعد أكتب ببراءة البدايات كما كنت أفعل حين كنت أخربش روايتي الأولى. هناك وعي أكبر باللغة الآن، ومسؤولية تجاهها.

أنا كأبطال روايتي، مزيج من المحاولات والإحباطات والآمال والحكمة والأخطاء. هم صوتي حين أشعر أني عاجزة عن الكلام والتعبير

 تقول دوريس ليسينغ إن الكتابة لعب بالكلمات على أمل أن يعبر ترتيب ما لها، ولو مصادفة، عما نريد قوله. وهذا يعبر كثيرا عن علاقتي باللغة في هذه المرحلة. أحاول أن أستخدمها بوعي كأداة، وأن ألاعبها بحب وصبر، علها تبادلني الشعور وتنجح في إيصال ذلك الإحساس بالعزلة القروية النائية، لا بوصفه مكانا فحسب، بل كحالة داخلية أيضا.

هل هناك تجارب كتابية أو قراءات أدبية أثرت على أسلوبك في هذه الرواية؟

أنا متأثرة بكتاب كثر، لكن أبرزهم بالنسبة لي هو الكاتب الأميركي فيليب روث، الذي أبهرتني الكثير من أعماله. في مراهقتي، كنت أقرأ جبران خليل جبران وأبكي. كما كبرت وأنا أقرأ روايات آغاثا كريستي. كانت خالتي تصطحبني إلى معرض الكتاب في طرابلس وتشتري كل روايات الجريمة، فأقوم بقراءتها أنا كذلك. في هذه الرواية تحديدا، أعتقد أني كنت متأثرة بعالم جورج أورويل الذي أحب روايته "1984" كثيرا.

غلاف رواية "أنا، هي والأخريات"

روايتك الأولى "رغبات محرمة" وثانية رواياتك "أنا، هي والأخريات"، تطرقتا إلى أبعاد نفسية واجتماعية مختلفة. كيف ترين التطور في توجهاتك الأدبية بين هذه الأعمال و"أسوار عين توران"؟

أرى أني ما زلت أجرب، وأن لدي الكثير لأكتبه. لقد عشت تجارب كثيرة خلال السنوات الأخيرة وسعت أفقي ونظرتي إلى الحياة. أنا في فضول دائم ورحلة سعي مستمرة رغم ما يشوبها من تساؤلات عن جدوى الكتابة، ومن الكسل أحيانا، والابتعاد ثم العودة. هناك أسئلة مختلفة بين "أسوار عين توران" و"أنا، هي والأخريات" و"طابق 99"، ولكن أعتقد أنني مسكونة دائما بسؤال الهوية والانتماء والفرد وعلاقته مع الجماعة.

كيف تجمعين بين عملك الصحافي وكتابتك الروائية؟

ابتعدت عن العمل الصحافي منذ نحو ثلاث سنوات، لذلك لم يعد هناك تداخل يومي بين المجالين كما كان سابقا. لا أعتقد أن عملي في الصحافة أثر بشكل مباشر في الموضوعات التي اخترتها لرواياتي، لكنه بلا شك أسهم في صقل أسلوبي، ودربني على الانضباط في الكتابة، وجعلني على تماس يومي مع اللغة بأشكالها المختلفة. ربما منحتني الصحافة حساسية أكبر تجاه التفاصيل والواقع، لكن الرواية بقيت مساحة أوسع للتأمل والخيال، خارج إيقاع الخبر وحدوده.

جنى فواز الحسن توقع راويتها "طابق 99"

بين عالمين

ولدت في شمال لبنان، وطبيعة المكان غالبا ما تلهمك في كتاباتك. كيف أثرت البيئة اللبنانية في نصوصك الروائية؟

عشت معظم طفولتي في قرية صغيرة في شمال لبنان تدعى بتوراتيج، وأعتقد أن لبلدتي أثرا مباشرا في تشكيل المكان المتخيل الذي ابتكرته في "عين توران"، خصوصا من ناحية فكرة البلدة التي تسكنها عائلة واحدة، وما يرافق ذلك من انغلاق وتشابك في العلاقات. في الوقت نفسه، كانت قريتي مليئة بأشجار الزيتون والخضرة والطبيعة المفتوحة، وهي عناصر أراها ملهمة على نحو عميق.

هذا التقلب ذاته هو ما يعيشه كل لبناني في داخله، وما يتسرب إلى كتابتي، فيحمل الرواية نبض وطن أحبه وأنتقده في الوقت نفسه

 هذا التناقض بين الاتساع الطبيعي والانغلاق الاجتماعي ربما تسلل إلى كتابتي من دون وعي كامل. انتقلت من القرية إلى المدينة في بداية العشرين من عمري، ولذلك تحضر ثيمة الريف/المدينة بوضوح في نصوصي. في الواقع، تسحرني المدن بزخمها وتعددها وضجيجها، لكنني أحب القرى أيضا بسكينتها وبطء إيقاعها. أعيش بين هذين العالمين، وربما أكتب من المسافة الفاصلة بينهما.

هل ترين أن رواياتك تحمل انعكاسا أو نقدا غير مباشر للواقع اللبناني المعاصر؟

روايتي "طابق 99" حملت نقدا مباشرا للواقع اللبناني، ولتبعات الحرب الأهلية التي عشناها لسنوات طويلة وما تركته فينا من تشققات.

غلاف رواية "طابق 99"

 علاقتي بلبنان معقدة ومتناقضة، كما هي حال كثير من اللبنانيين. أحزن عليه وأغضب منه أحيانا، ومرات أتفاخر به. أنتقده، ثم أشفق عليه، ثم أشعر بالذنب، وبعدها يؤلمني فأعود لأحبه... ثم لانتقاده من جديد. ربما هذا التقلب ذاته هو ما يعيشه كل لبناني في داخله، وما يتسرب إلى كتابتي، فيحمل الرواية نبض وطن أحبه وأنتقده في الوقت نفسه.

font change

مقالات ذات صلة