مرصد الأفلام: 50 عاما على "الرسالة" وأفلام تاريخية ودينية أخرى

مرصد الأفلام: 50 عاما على "الرسالة" وأفلام تاريخية ودينية أخرى

نتعرف من خلال هذه الزاوية إلى أحدث إنتاجات السينما العربية والعالمية، ونسعى إلى أن تكون هذه الزاوية التي تطل مرتين في الشهر، دليلا يجمع بين العرض والنقد لجديد الشاشة الكبيرة، على أن تتناول الأفلام الجماهيرية والفنية، من الأنواع كافة، بالإضافة إلى إعادة تقديم فيلم من ذاكرة السينما الكلاسيكية. هذه الحلقة نخصصها لمناسبة شهر رمضان المبارك إلى مجموعة من الأفلام العربية التاريخية والدينية، في مقدمها فيلم "الرسالة" الذي تمضي هذا العام 50 عاما على إنتاجه.

الرسالة

سيناريو: عبد الحميد جودة السحار، توفيق الحكيم، عبد الرحمن الشرقاوي، محمد علي ماهر، بالاشتراك مع السيناريست العالمي هاري كريغ

إخراج: مصطفى العقاد

بلد الإنتاج: ليبيا، المغرب، المملكة المتحدة

كان مصطفى العقاد، من أوائل السينمائيين العرب الذين نجحوا في اختراق المجتمع الهوليوودي، بوصفه صانع أفلام قادرا على العمل داخل منظومته الصناعية المعقدة، كما عمل منتجا تنفيذيا لعدد من الأعمال التجارية مثل سلسلة أفلام "هالوين"، قبل أن يتجه إلى صناعة سينما مختلفة استطاع من خلالها تخليد اسمه واحدا من أهم مخرجي السينما في العالم، للمفارقة، لم يتجاوز عدد أفلامه في هذا المسار سوى فيلمين هما "عمر المختار- أسد الصحراء" 1981 و"الرسالة" 1976.

في سابقة سينمائية نادرة وشديدة الصعوبة، أنجز العقاد فيلميه بنسختين، عربية وأجنبية، وبفريق تمثيل مختلف لكل نسخة، ضمت النسخة العربية مجموعة كبيرة من نجوم السينما العربية من جنسيات متعددة، من بينهم عبد الله غيث، منى واصف، عبد البديع العربي، محمد توفيق، الطيب الصديق، في محاولة واعية لصوغ خطاب سينمائي عربي عابر للحدود.

لا يزال "الرسالة" ينفرد حتى اليوم بمكانته كأشهر وأهم فيلم سينمائي تناول ظهور الإسلام وبدايات الدعوة المحمدية

أما في الجانب الغربي، فتصدر الفنان العالمي أنطوني كوين هذه التجربة الفريدة، منفردا بالبطولة في النسخة الأجنبية من الفيلمين، ليصبح وجه العقاد الأبرز في مخاطبة الجمهور العالمي، وبخاصة بفيلمه "الرسالة… قصة الإسلام"، الذي لا يزال حتى اليوم ينفرد بمكانته كأشهر وأهم فيلم سينمائي تناول ظهور الإسلام وبدايات الدعوة المحمدية، جامعا، رغم كل الجدل المثار حوله، بين الطموح الفني، والحس التبشيري لمعنى الرسالة، رغبة منه في تصحيح صورة تاريخية كثيرا ما شوهت في السينما الغربية.

ملصق فيلم "الرسالة"

في "الرسالة"، ينسج العقاد عالمه معتمدا على بناء كاتدرائي مهيب للموسيقى التصويرية، يمزج الأوركسترا بإيقاعات ونغمات شرقية تنسجم مع الطابع التاريخي وملامح البيئة العربية للأحداث، برع المخرج في تجسيدها على نحو غير مألوف، أثار حفيظة الجماعات المتشددة التي رأت في الإشارات المستخدمة من العقاد، لاقتناص اللحظة البشرية، تجسيدا للرسول لا يليق مع مكانته، الأمر الذي تطور لاحقا ليطول حياته، حيث أصيب قبل عقدين إصابات بالغة إثر عمليات ارهابية استهدفت فنادق بالأردن كان أحد نزلائها، قبل أن يفارق الحياة في الحادي عشر من نوفمبر/تشرين الثاني 2005، عن عمر ناهز 75 عاما، تاركا مشروعا سينمائيا لا يزال قادرا على تحريك الراكد.    

بلال

سيناريو: ياسين كمال

إخراج: أيمن جمال

بلد الإنتاج: السعودية

منذ عرضه الأول قبل نحو عشر سنوات، نجح فيلم التحريك السعودي، "بلال: جيل جديد من الأبطال" A New Breed of Hero :Bilal، في لفت الانتباه، قبل أن ينطلق في جولة واسعة من العروض الدولية العربية والأجنبية. الفيلم من إنتاج وإخراج أيمن جمال، أحد أبرز الأسماء الشابة في مجال أفلام التحريك، وقد أنجز بالكامل داخل استديو شركة  "باراغون" السعودية، الذي أسس خصيصا لتنفيذ المشروع، ليصبح واحدا من أوائل الأستوديوهات العربية المتخصصة في الرسوم المتحركة والمؤثرات البصرية. ضم الفريق التقني والفني للعمل مجموعة من الخبرات المتنوعة بلغ عددها 22 متخصصا من جنسيات عربية وأجنبية، من بينهم فنانون عملوا سابقا في أستوديوهات عالمية مثل "دريموركس"، و"بيكسار"، أو شاركوا في مشروعات سينمائية كبرى مثل "هاري بوتر" و"سيد الخواتم".

تنحاز الحكاية إلى فكرة التحرر الفردي داخل عالم تحكمه العبودية والعنف الطبقي، باعتبارها جوهرا دراميا يتجاوز السياق الديني والتاريخي المحدد

يتناول الفيلم قصة كفاح وصعود الصحابي بلال بن رباح، وفق الرواية التاريخية، منذ اختطافه في الحبشة وبيعه عبدا لأمية بن خلف، أحد سادة قريش آنذاك، قبل أن يدخل الإسلام ويشق طريقه في رفقة الرسول. وقد استغرق التحضير للمشروع ما يقارب ثماني سنوات، خصصت الثلاث الأخيرة منها لمرحلة إنتاج طموحة، سعت إلى توطين صناعة التحريك الثلاثي الأبعاد عربيا، مع الاستفادة من الخبرات الأوروبية، وهو ما يمكن ملاحظته على أكثر من مستوى، بدءا من تصميم وتنفيذ المؤثرات وانسيابية حركة الكاميرا الافتراضية في إظهار أدق التفاصيل، إلى جانب الجمالية البصرية والإيقاع وبناء الشخصيات، وصولا إلى الموسيقى التصويرية، التي استحوذت وحدها على ما يقارب نصف ميزانية الفيلم، بحسب ما صرح به المخرج أيمن جمال في حوار سابق.

ملصق فيلم "بلال"

أما عن المعالجة الدرامية التي صاغها كاتب السيناريو الشاب ياسين كمال، فجاءت متخففة إلى حد كبير من موتيفات الطرح الديني التقليدية، المتبعة في مثل هذه الأفلام من السير، لصالح مساحة إنسانية أرحب، بعيدا من الإشارات الوعظية المباشرة، فيما تنحاز الحكاية إلى فكرة التحرر الفردي داخل عالم تحكمه العبودية والعنف الطبقي، باعتبارها جوهرا دراميا يتجاوز السياق الديني والتاريخي المحدد، وفي امتداد رمزي لتاريخ طويل من النضال ضد القهر، يبدأ من سبارتاكوس، محرر العبيد، ولا ينتهي عند أسماء مثل مارتن لوثر كينغ ومالكوم إكس أو غاندي، خاصة في النسخة الإنكليزية الموجهة في الأساس إلى الثقافة الغربية والدول غير المسلمة، فحين يسأل بلال أخته، وهما سجينان، "هل تعتقدين أن التغيير سيأتي؟"، لا تأتي الإجابة في صيغة نبوءة أو خلاص غيبي، بل في مقولة الشيخ الحكيم، "أنت وحدك من يستطيع استعباد نفسك يا بلال".

القادسية

سيناريو: محفوظ عبد الرحمن، بمشاركة المخرج

إخراج: صلاح أبو سيف

بلد الإنتاج: العراق

قد يكون "القادسية" 1981، واحدا من أشهر الأفلام المنسية في تاريخ السينما العربية، رغم أن بطلته سعاد حسني ومخرجه صلاح أبو سيف، في تجربته التاريخية الثانية بعد نحو عشر سنوات من خوضه تجربة مماثلة في فيلم "فجر الإسلام" 1971، فيما يمثل هذان الفيلمان، التجربتين التاريخيتين الأبرز، بل الوحيدتين تقريبا، في مسيرة أبو سيف الذي ارتبط اسمه بتيار الواقعية في السينما المصرية. تدور أحداث سيناريو الفيلم حول واحدة من المعارك التاريخية الشهيرة في الإسلام، عرفت بالقادسية، خاضها سعد بن ابي وقاص ضد الفرس، وقام بتجسيد شخصيته عزت العلايلي مما أثار جدلا واسعا آنذاك، ودفع الأزهر إلى معارضة العرض التجاري للفيلم، باعتبار الصحابي أحد العشرة المبشرين بالجنة، الأمر الذي حال دون عرضه في دور السينما أو على شاشات التلفزيون المصري حتى اليوم.

يكشف الخط الدرامي للفيلم بوضوح ابتعاد مخرجه عن مقارباته الواقعية المعتادة، متجها نحو بناء ملحمي يتماشى مع الطابع التاريخي للأحداث

استعان السيناريو في مادته التاريخية بكتابات كل من عبد الحميد جودة السحار وعلي أحمد باكثير، وكان من اللافت ظهور اسم الناقد السينمائي التونسي خميس الخياطي في تتر الفيلم مديرا للدعاية، في زمن كان فيه صناع السينما يستعينون بالنقاد بوصفهم مستشارين للعمل.

ملصق فيلم "القادسية"

غير أن الخط الدرامي للفيلم يكشف بوضوح ابتعاد مخرجه عن مقارباته الواقعية المعتادة، متجها نحو بناء ملحمي يتماشى مع الطابع التاريخي للأحداث، لكنه في المقابل يميل إلى رؤية أحادية تستعيد خطاب القومية العربية في صيغة حماسية لا تخلو من المباشرة، حيث ترسم صورة الخصم في إطار كاريكاتوري يكاد يختزل الصراع. يتعزز هذا التوجه أيضا، من خلال طاقم التمثيل الذي ضم عددا كبيرا من ممثلين من دول عربية مختلفة، من بينهم شذى سالم، محمد حسن الجندي، هالة شوكت، عمر خلفه، وبذلك، صنع المخرج من فريق عمله نموذجا رمزيا من جامعة للدول العربية، ولكن، سينمائية.

رابعة العدوية

سيناريو: سنية قراعة بمشاركة المخرج

إخراج: نيازي مصطفي

بلد الإنتاج: مصر

تعد رابعة العدوية واحدة من أبرز الأسماء النسائية في تاريخ التصوف والزهد الإسلامي، تم تناول حياتها في عدد من الأعمال المقروءة والمرئية، من بينها فيلم المخرج نيازي مصطفي المعروض سنة 1963، والذي لم يحتو سوى على أربع أغنيات فحسب. رغم هذا، يعتبر واحدا من أشهر الأفلام الغنائية في تاريخ السينما المصرية. ربما لتجميعه كتيبة موسيقية في مقدمها سيدة الغناء العربي أم كلثوم، وفيه شدت عددا من أروع أغنياتها القصيرة مثل "عرفت الهوى"، "سألت عن الحب"، و"أوقدوا الشموس". 

أحد أشهر الأفلام الغنائية في تاريخ السينما المصرية، ربما لتجميعه كتيبة موسيقية في مقدمها سيدة الغناء العربي أم كلثوم

اشترك في وضع ألحانها كل من رياض السنباطي ومحمد الموجي، فيما تولى الشاعر طاهر أبو فاشة كتابتها. في المقابل، كان هناك فريق آخر مكون من سيد اسماعيل وفؤاد الظاهري. اختص الأول بتأليف موسيقى الذكر وحلقات الصوفية، فيما وضع الثاني الموسيقى التصويرية.

ملصق فيلم "رابعة العدوية"

الفيلم مأخوذ عن كتاب "عروس الزهد" للكاتبة سنية قراعة التي شاركت المخرج في كتابة السيناريو والحوار، فيما شاركت في البطولة مجموعة كبيرة من بينهم فريد شوقي، عماد حمدي، زوزو نبيل، وحسين رياض، وجسدت شخصية رابعة الوجه الجديد، آنذاك، نبيلة، قبل أن تعرف لاحقا بنبيلة عبيد.

الشيماء

سيناريو: عبد السلام موسى، موسى صبري

إخراج: حسام الدين مصطفى

بلد الإنتاج: مصر

ظهر الفنان توفيق الدقن ضيف شرف في فيلم "الشيماء" 1972 للمخرج حسام الدين مصطفى، مجسدا شخصية الشاعر، دريد بن الصمة، أحد أشهر معمري الجاهلية. لم يتجاوز حضور الدقن على الشاشة ثلاث دقائق تقريبا، لكنها كانت كافية لترسيخ صورة الشخصية تاريخيا ودراميا، بأداء نادر، على كلا المستويين، الصوتي والجسدي، لمسن قعيد تجاوز عمره 160عاما، يحمل صوته المبحوح صدى الأزمنة الغابرة، فيما لا يزال جسده المنهك لم يفقد كبرياءه.        

يحسب لبطلة الفيلم ذلك التطابق اللافت بين أدائها الشفاهي والصوت الغنائي المصاحب لسعاد محمد

اشترك في كتابة سيناريو الشيماء كل من عبد السلام موسى والروائي موسى صبري عن قصة علي أحمد باكثير، "شادية الإسلام"، التي تتناول حياة أخت الرسول في الرضاعة، تجسدها سميرة أحمد، فيما يشاركها البطولة أحمد مظهر وأمينة رزق، وتؤدي المطربة سعاد محمد مجموعة من الأغنيات تخللت الأحداث، كتب كلماتها عبد الفتاح مصطفى، ولحنها كل من بليغ حمدي ومحمد الموجي وعبد العظيم محمد.

ملصق فيلم "الشيماء"

ويحسب لبطلة الفيلم ذلك التطابق اللافت بين أدائها الشفاهي والصوت الغنائي المصاحب لسعاد محمد، إذ بدا الانسجام مقنعا من حيث الملاءمة الشكلية والروحية للشخصية، فخرج الغناء امتدادا دراميا للصورة. كما يلفت الانتباه أن معظم الأغنيات تنتهي بذروة تصاعدية، سواء عبر انطلاق صوت المطربة أو الكورال، أو من خلال تصعيد أوركسترالي تسبقه مقدمة هادئة.

في بيتنا رجل

سيناريو: يوسف عيسى، بمشاركة المخرج

إخراج: هنري بركات

بلد الإنتاج: مصر

على مدار نصف قرن، تناول المخرج هنري بركات مجموعة كبيرة من الموضوعات عبر أكثر من 100 فيلم، قام بالكتابة أو المشاركة لنصفها تقريبا. آخرها فيلم "تحقيق مع مواطنة" 1993 قبل أن يجبره المرض على الابتعاد حتى رحيله في مايو/ أيار 1997، تاركا إرثا مهما ومحفورا في ذاكرة السينما العربية، إذ تميزت غالبية أفلامه بصور شعرية مختلفة، توظف دراميا وفق دلالات متباينة.

برع بركات في تقديم واحد من أكثر المشاهد رسوخا في ذاكرة السينما المصرية، مشهد هروب إبراهيم من منزل صديقه وقت الإفطار في أحد أيام رمضان

 لعل فيلم مثل "في بيتنا رجل" 1961، يعد مثلا جيدا على ذلك، وفيه يتحرر بركات من سطوة الكاميرا لخلق فضاءات درامية بصرية مغايرة، لا تخلو من تجريبية تحسب له.

ملصق فيلم "في بيتنا رجل"

وفيه برع بركات في تقديم واحد من أكثر المشاهد رسوخا في ذاكرة السينما المصرية، مشهد هروب إبراهيم من منزل صديقه وقت الإفطار في أحد أيام رمضان، متنقلا من العمارة إلى شوارع القاهرة، وفي الخلفية يسمع صوت رفع الآذان كاملا، إذ لم يتوان هنري بركات عن استغلال هذه الدقائق القليلة في خلق تعبير بصري نجح في نقل الحالة النفسية للشخصيات برهافة لافتة، من خلال عدد من اللقطات المتتالية بدأت بوداع صامت تتخلله جمل قليلة بين إبراهيم وأهل البيت، فيما أطباق الطعام مرتصة على المائدة بإهمال. فاليوم، لحظة انطلاق مدفع الإفطار لا تمثل لهم سوى فقد عزيز، لذلك، تمر الثواني ثقيلة لا يحركها سوى القلق والخوف.

font change