مرصد الأفلام... جولة على أحدث عروض السينما العربية والعالمية

مرصد الأفلام... جولة على أحدث عروض السينما العربية والعالمية

نتعرف من خلال هذه الزاوية إلى أحدث إنتاجات السينما العربية والعالمية، ونسعى إلى أن تكون هذه الزاوية التي تطل شهريا، دليلا يجمع بين العرض والنقد لجديد الشاشة الكبيرة، على أن تتناول الأفلام الجماهيرية والفنية، من الأنواع كافة، بالإضافة إلى إعادة تقديم فيلم من ذاكرة السينما الكلاسيكية.

Avatar: Fire and Ash

سيناريو: أماندا سيلفر، ريك جافا بمشاركة المخرج

إخراج: جيمس كاميرون

بلد الإنتاج: الولايات المتحدة، كندا

قبل ما يقرب من ثلاث سنوات، أعلن المخرج الأميركي جيمس كاميرون، بعد عرض الجزء الثاني من مشروعه الأكبر، "أفاتار"، أنه لن يقدم على إخراج جزء تال إلا إذا حقق The Way of Water عوائد استثنائية، وهو ما كان بالفعل، إذ تخطت الإيرادات سقف توقعاته آنذاك. من جديد، يعاود الهوليوودي الشهير وضع شروطه في ما يخص مصير الأجزاء المقبلة من السلسلة، وذلك مع طرح الجزء الأحدث منها Avatar: Fire and Ash ، ويبدو أنه هذه المرة لم يجد منطقا في حجة شباك التذاكر، بعد أن تجاوزت إيرادات الجزء الثالث، "النار والرماد"، نصف مليار دولار في الأسبوع الأول من عرضه قبل أن تنفرط الحبات الأخيرة من عام 2025 بأيام، الرقم الذي ارتفع بالطبع مع بداية موسم الأعياد، مع العلم أن تكلفة ميزانية الفيلم لم تزد على 400 مليون دولار، بما في ذلك حملات الدعاية والترويج.

يلقي الجزء الثالث بالسلسلة في أتون اختبار مصيري، فإما أن تنتقل من هوس الاستعراض التقني إلى دراما وحبكة أكثر تنويعا، أو أن تظل أسيرة فلسفة "التصعيد البصري"

قبل أسابيع قليلة من العرض، صرح كاميرون بأن مستقبل الأجزاء المقبلة سيبقى مرهونا بأداء الفيلم في شباك التذاكر، المعيار الأساس لاستمرار السلسلة كما أكد في لقاء بودكاست مع الصحافي الأميركي ماثيو بيلوني، متسائلا: "هل يحقق هذا أرباحا كافية لتبرير تكراره؟". في كتابها، "جيمس كاميرون"، وصفت الباحثة ألكسندرا كيلر كاميرون بأنه أحد أكثر المخرجيين هوسا برؤيتهم إلى درجة الأنانية، مشيدة في الوقت ذاته ببراعة ابتكاره التكنولوجي "في خلق تجربة حسية للمشاهدة"، مما جعل البعض يجزم أحيانا، أن الشاشات العريضة خلقت لعرض أفلام كاميرون، حيث لا ينفصل نظام "الإيماكس" عن توليفة الفيلم. لذلك، تلعب النظارات المجسمة دورا مهما في توجيه الانفعال أثناء المشاهدة، بل والتحكم به في بعض الأحيان.

Avatar: Fire and Ash

تمتد أحداث الجزء الثالث لمواصلة المغامرة الوجودية لعائلة جيك سولي (سام ورذينغتون)، صحبة زوجته نيتيري (زوي سالدانا)، بعد فقدان ابنهما نيتيام. وذلك قبل أن يجبرا على مواجهة جديدة لقبيلة تظهر للمرة الأولى، مع تكرار ملحوظ للصراعات السابقة نفسها، أو أجزاء كبيرة منقولة من حوارات بعينها، إلى جانب عدد معتبر من المشاهد تكاد تكون منسوخة من الجزء الثاني تحديدا. وفي حين يرسخ جيمس كاميرون خلال العقدين الأخيرين"أفاتار"، كمشروعه السينمائي الأكثر طموحا وإثارة، لم يكن عالم الخيال العلمي غريبا عليه، حيث سبق وقدم أفلاما بارزة مثلThe Terminator ،Aliens ، The Abyss، كما يُعد فيلم "تايتانيك" من أهم وأميز محطاته السينمائية، قبل أن ينتقل الى مرحلة تحول ملحوظ، تنحاز إلى الصنعة بشكل أكبر، من خلال توليفة تعتمد على الابهار في المقام الأول.

على مدار ما يقارب ثلاث ساعات وربع الساعة، لم يكن من الصعب تبين حلم جيمس كاميرون في تحويل عمله من مجرد فيلم إلى ملحمة زمنية طويلة النفس، تتصاعد وتيرتها طوال الحكاية، مع إصرار واضح على استهلاك الزمن، مما يعكس طموحه المتزايد في توسيع نسيج السرد، بما في ذلك الشخصيات والأحداث داخل عالم "باندورا". وبذلك، يلقي الجزء الثالث بالسلسلة في أتون اختبار مصيري، فإما أن تنتقل من هوس الاستعراض التقني إلى دراما وحبكة أكثر تنويعا، أو أن تظل أسيرة فلسفة "التصعيد البصري" الذي لا ينتج بالضرورة تصعيدا جماليا موازيا. وهنا يعود سؤال كاميرون ليطرح نفسه، لا بوصفه هاجسا إنتاجيا، بل كمعيار فني وجمالي لعالم استهلك بصريا، أو يكاد، فهل ستكون انتصارات شباك التذاكر كافية لتبرير تكراره؟

Trillion

سيناريو وإخراج: فيكتور كوساكوفسكي

بلد الإنتاج: النروج، الولايات المتحدة

تُعرف الرسومات الجيدة في نقل الطبيعة الصامتة، بقدرتها على تجسيد أو استدعاء الصخب، بدرجاته المتفاوتة. ذلك الاضطراب الخفي الذي يسكن الكائنات الحية والجماد على حد سواء، بوصفه قانونا للوجود والحركة. على نحو مشابه، يمكن النظر إلى سينما المخرج الروسي فيكتور كوساكوفسكي، وإن اختلف الوسيط، باعتبارها امتدادا بصريا لهذه الحساسية. فكثيرا ما قوبلت أفلامه بترحيب واسع في المهرجانات والمحافل الدولية، رغم اشتغاله داخل حقل السينما التسجيلية والوثاقية، عادة ما يترجم إلى جوائز معتبرة في ختام المنافسات، وهو ما يبدو متوقعا لفيلمه الجديد "تريليون" Trillion، المتمم لثلاثيته عن التعاطف، لا مع البشر، بل مع الطبيعة بكل تمثلاتها. ينعكس ذلك بوضوح في موقفه المعلن من العالم المعاصر: "نحن نتصرف كوحوش، أتفق مع تولستوي حين قال: لا يهم إن قتلنا إنسانا أو حيوانا، المهم هو فعل القتل".   

يستعرض كوساكوفسكي مظاهر العنف الاستهلاكي في عالم البحار، انطلاقا من فكرة نشأت لديه أثناء زيارته فنانة تعيش في النروج وتعكف على جمع قشور الأسماك منذ سنوات

في صغره، ارتبط كوساكوفسكي عاطفيا بخنزير تربّيه أسرته، مشاعر انتهت بصدمة ذبحه، وغيرت نظرته المبكرة إلى الحيوان والعالم من حوله. وهو الشعور نفسه الذي أدهش حواء في رواية "الكون في راحة اليد"، تأليف جيوكاندا بيلي، لحظة اكتشافها أن عليها هي وآدم قتل جيرانهما من المخلوقات، من أجل البقاء. لذلك، ابتعد لاحقا عن أكل اللحوم كي ينضم إلى فريق النباتيين، الذين فاتهم، للمفارقة، أن النباتات هي الأخرى محسوبة على الكائنات الحية، ولكن كان لا بد من وسيلة للبقاء.  

في الجزء الأول "غوندا" Gunda (2020)، يخلد المخرج ذكرى صديقه القديم صانعا عالمه من داخل حظيرة لمزرعة ريفية، تضم البقرات والطيور وثمة دجاجة فقدت إحدى ساقيها. إلى جانب هذا، تنفرد الكاميرا بالخنزيرة غوندا وصغارها، لترسم عالما يبدو في ظاهره وديعا أشبه بـ"المزرعة السعيدة"، قبل أن تتسلل إليه قسوة الإنسان، وهو ما تجسد في نهاية الفيلم من خلال مشاهد صادمة. وفي الجزء الثاني Architecton  (2024)، يواصل كوساكوفسكي رصده للعنف، ولكن هذه المرة تجاه البيئة نفسها، كاشفا كيف تتحول العمارة الحديثة إلى شواهد خرسانية تشوش على المشهد.  

انطلاقا من صدمة أخرى، يستعرض كوساكوفسكي في Trillionمظاهر العنف الاستهلاكي في عالم البحار، انطلاقا من فكرة نشأت لديه أثناء زيارته فنانة تعيش في النروج وتعكف على جمع قشور الأسماك منذ سنوات، بهدف إعادتها إلى المحيط، "كانت الشقة ممتلئة بقشور السمك من الأرض إلى السقف، تنظفها في حمامها، وتجففها يدويا، ثم تخزنها في غرفة المعيشة"، يعلق كوساكوفسكي مندهشا، وفي موضع آخر يقول، "نقتل مليار خنزير سنويا، وستين مليار دجاجة، وتريليون سمكة، وندعو هذا بالإنسانية. لقد كان تولستوي محقا".

Eleanor The Great

Eleanor The Great

سيناريو:  توري كامين

إخراج:  سكارليت جوهانسون

بلد الإنتاج: الولايات المتحدة

سبق أن التقطت عدسات الكاميرات مئات الصور للممثلة سكارليت جوهانسون على السجادة الحمراء في مختلف المهرجانات السينمائية. في هذا العام، تعاود جوهانسون الظهور مجددا في "مهرجان كان السينمائي" ولكن بصورة مختلفة كليا، من وراء الكاميرا مع فيلمها الروائي الأول كمخرجة "إليانور العظمى" Eleanor The Great، الذي شهد عرضه العالمي الأول ضمن قسم "نظرة ما"، في تجربة حظيت باهتمام النقاد والمتابعين على حد سواء.

يتقاطع سيناريو توري كامين مع الخيط العام لدراما فيلم "ستارلت" للمخرج شون بيكر، إلا أن هذا لم يقف حائلا أمام جوهانسون، في تقديم حالة سينمائية متماسكة كمخرجة

تدور أحداث الفيلم حول إليانور (جون سكويب)، مسنة تجاوزت التسعين، تنتقل للعيش في نيويورك مع ابنتها بعد فقد صديقتها الوحيدة، لتدخل في سلسلة من المغامرات الكوميدية والإنسانية في صحبة طالبة تتعرف اليها، قبل أن تقودها المصادفة لجلسة يروي فيها الناجون من مذابح هتلر حكاياتهم. حينها تتورط في سرد قصة صديقتها على لسانها، وعندما يتصاعد التعاطف الإعلامي مع الحكاية، تندمج فيها حتى يختلط الحقيقي بالخيال، فتكتسب القصة حياتها الخاصة تدريجيا. 

كما يتقاطع سيناريو توري كامين مع الخيط العام لدراما فيلم "ستارلت" للمخرج شون بيكر، وفيه تنشأ صداقة شبيهة بين فتاة مراهقة وامرأة مسنة، إلا أن هذا لم يقف حائلا أمام نجمة هوليوود الشابة، في تقديم حالة سينمائية متماسكة كمخرجة، بعد أن لفتت الأنظار لسنوات بعدد من الأدوار المميزة والمتباينة في الوقت نفسه، من بينها، "Lost in Translation، Lucy، Her، Marriage Story". في عام 2009 خاضت جوهانسون تجربة الإخراج للمرة الأولى من خلال فيلم قصير من تأليفها بعنوان These Vagabond Shoes، لم يحظ بالشهرة، ويتناول رحلة فكاهية لرجل يعبر مدينة نيويورك من أجل وجبة نقانق، في أداء مميز للممثل الأميركي كيفن بيكون.

The Love That Remains

سيناريو وإخراج: هلينور بالماسون

بلد الإنتاج: آيسلندا

رغم أن رصيده السينمائي لم يتجاوز بضعة أفلام، نجح المخرج الشاب هلينور بالماسون، بفيلمه الأخير، في لفت الانتباه بعدما اختير ممثلا آيسلندا للتنافس على جائزة الأوسكار لأفضل فيلم روائي دولي في النسخة المقبلة. عُرض الفيلم للمرة الأولى ضمن العروض المختارة خارج المسابقات الرسمية لمهرجان كان مايو/أيار الماضي، وفيه يجتمع بالميسون مع أبنائه الحقيقيين، إيدا، ثورجيلز، وغريمور، ليوثق آثار الانفصال وما يسبقها من مراحل إنسانية مفككة. 

The Love That Remains

يرصد الفيلم، المحطة الأخيرة في حياة أسرة مكونة من ثلاثة أبناء ووالدين، يرافقهم كلبهم. حين يقرر الزوجان ماغنوس (سفيرير غودناسون) وآنا (ساغا غاردارسدوتير) الانفصال، تنحرف مسارات الجميع في اتجاهات غير متوقعة، قبل أن يلتقي من جديد، الفنانة التشكيلية والصياد الجنوبي، في لحظة تأمل هادئة قبل الانحدار في ما تبقى من الحب، فهو قد لا يختفي تماما، لكن شكله يتغير أحيانا.  

نجح المخرج في نسج دراما بصرية موازية لا تظهر فيها سهول أيسلندا التي تعصف بها الرياح مجرد خلفية، بل تشترك في البطولة تقريبا

من خلال سيناريو يمزج الحزن الواقعي بالأحلام، تتداخل الحكايات الخاصة مع المشهد العام، وفواصل سردية سوريالية يتخللها صوت بيانو لم ينقطع تقريبا، ينحو إلى المرح أحيانا، ولكن يغلب على نغماته الطابع الجنائزي. إلى جانب الدراما النفسية بين الشخصيات، نجح المخرج في نسج دراما بصرية موازية لا تظهر فيها سهول أيسلندا التي تعصف بها الرياح مجرد خلفية، بل تشترك في البطولة تقريبا، خصوصا في اللقطات الرئيسة التي تصور ماغنوس وآنا في حجم ضئيل أمام فراغ شاسع، مما يعكس حجم الاضطرابات الشخصية بينهما وحقيقتها في الواقع، وربما حقيقتهما معا.

آخر المعجزات   

سيناريو وإخراج: عبد الوهاب شوقي

بلد الإنتاج: مصر، السودان، ألمانيا

أثناء عرضه الأول في المسرح الكبير بدار الأوبرا في القاهرة، بدا أن فيلم "آخر المعجزات" يستدعي قبسا من عالم خفي يليق بعنوانه، فقبل أن يكتمل التتر سُمع صوت طنين حاد ملأ القاعة، تزامن معه انبعاث ضوء قوي من ناحية الشاشة، مما دفع بعض الحضور إلى الاستعاذة أو التندر الممزوج بتوجس من "بركات" الفيلم، فيما استقبل فريق آخر ما حدث بوصفه امتدادا لموقف الرقابة من العمل، على خلفية منعه من العرض بعد أن كان مقررا له افتتاح دورة "مهرجان الجونة" في 2024. موقف أثار استغراب قطاع واسع من المتابعين حينها، تجدد مع هذه الواقعة، ليعزز لدى كثيرين، الاعتقاد بأن حتى مشاركته في مسابقة الفيلم القصير ضمن الدورة الأخيرة لـ"مهرجان القاهرة السينمائي"، لم تشفع له.  

لم تستغرق هذه الحالة أكثر من دقيقة تقريبا، قبل أن يخرج أحد أعضاء فريق التنظيم معلنا عطلا طارئا، يجري العمل على إصلاحه خلال الدقائق المقبلة. غير أن هذه الواقعة العابرة بدت، على نحو مفارق، تجسيدا حيا للخيط الدرامي للفيلم نفسه، ومن قبله قصة "معجزة" لنجيب محفوظ، التي استند إليها السيناريو، في أولى تجارب عبد الوهاب شوقي كتابة وإخراجا. لم يلتحق عبد الوهاب شوقي بمعهد السينما، لذلك، اختار العمل مساعد مخرج نحو عشر سنوات، لتقدم هذه الأعمال التي عمل بها نموذجا عمليا مكنه من دراسة آليات الفن السابع، بالتوازي مع تأمل المدارس العالمية.

إلا أن اللعبة لم ترق لبطلنا، ورحل قبل أن يعي بأن التوحد المطلوب كان يجب أن يكون مع الذات، وليس مع القوى الغيبية

في لقاء سابق مع موقع "فاصلة" السعودي، أشار شوقي إلى تأثره بفيلمين، "مرسيدس" و"أرض الخوف"، مما صبغ عالمه بمساحات توازن بين التجريب عند يسري نصر الله والعالم الروحاني الوجودي لدى داود عبد السيد. يكتمل المشهد بدخول الفكرة الفلسفية لأديب نوبل، نتابع من خلالها حكاية موجزة عن محرر بصفحة الوفيات، يحيى (خالد كمال) الذي يخطئ في نشر خبر وفاة شيخ صوفي. يزداد الأمر تعقيدا حين يتلقى اتصالا من الراحل نفسه أثناء جلوسه في بار شعبي، مما يقوده كالمجذوب إلى حلقات الذكر، قبل أن يكتشف الحقيقة في النهاية.

تُعد مرحلة التوحد أكثر المراحل علوا عند المتصوفة، على اختلاف الطرق والمذاهب، وفي ذلك، وضع منهم معادلات من قبيل (1+1=1)، وهو ما لم يفهمه بطل القصة في البداية، قبل أن يقابل سيدة (غادة عادل)، ترغب في الإنجاب عند ضريح شيخ الطريقة، فتخبره بالحل البسيط للمعادلة. شيء آخر لم يستوعبه يحيى خلال رحلته التي انتهت بموته، أثناء شجار نشب بينه وبين زميل كأس (أحمد صيام) كما يدعوه رواد المكان، رغب في اللعب معه وايهامه بالخدعة حتى صدقها، إلا أن اللعبة لم ترق لبطلنا، ورحل قبل أن يعي بأن التوحد المطلوب كان يجب أن يكون مع الذات، وليس مع القوى الغيبية، وهنا تبرز معجزته الأخيرة.

ملصق "آخر المعجزات"

من ذاكرة السينما

The Death of Mr. Lazarescu

سيناريو: رازفان رادوليسكو بمشاركة المخرج

إخراج: كريستي بويو

بلد الإنتاج: رومانيا

قبل نحو عقدين، شهدت الموجة الرومانية الجديدة ميلاد الفيلم الروائي الثاني للمخرج كريستي بويو، The Death of Mr. Lazarescu، الذي أصبح لاحقا من ركائز هذه الحركة الحديثة نسبيا مقارنة بالموجات السابقة. على الرغم من الكوميديا المسيطرة على الأحداث، يكشف الفيلم بعين واقعية، عن عالم تحكمه قسوة البيروقراطية، حيث يُعامل الإنسان كملف طبي لا كجسد على شفير الموت، تشخص حالته في عجالة، قبل انتهاء الوردية، هنا يتجسد دانتي، بطلا للجحيم السريرية على خطى الشاعر الإيطالي الشهير. 

لا تكتفي الدراما بإدانة المنظومة، بل تنحاز إلى فكرة خلاص جماعي بديل ينبع من الهامش، فكثيرا لا يجد الفقراء والبسطاء سندا إلا بعضهم في بعض

يصوغ المخرج عالما لا يشبه الدراما التقليدية في تعاملها مع المرض أو الروايات الإنسانية، من خلال رحلة ليلية لا تخلو من العبث، يخوضها أرمل ستيني يدعى لازاريسكو (إيون فيسكوتيانو)، بين عدد من المستشفيات بحثا عن مكان للعلاج، وفي أثناء تنقله المحموم بين سيارات الإسعاف والممرات البيضاء الباردة، يرتسم أمامه مصيره شبه المحتوم، في ظل غياب مظلة تأمينية تساعده في المواجهة، أمام جسد يتداعى. رغم هذا، كان من اللافت حرص السيد لازاريسكو، في جميع المراحل، على التمسك بكرامته، الإنسانية على الأقل، حتى وهو ينزلق ببطء في أحد المشاهد إلي غيبوبة طارئة.

في فيلمه، يعري المخرج نظاما متآكلا، في وسعه رسم حيوات مرضاه. يتجلى هذا بوضوح في سخرية الممارسين، فأحدهم يبحث عن شاحن لهاتفه، وآخر يأمرهم ساخرا، "أجروا له العملية ليموت في المنزل". كذلك لا تكتفي الدراما بإدانة المنظومة، بل تنحاز إلى فكرة خلاص جماعي بديل ينبع من الهامش، فكثيرا لا يجد الفقراء والبسطاء سندا إلا بعضهم في بعض، في مواجهة تخلي الأنظمة الحاكمة عن أبسط واجباتها. يكتشف لازاريسكو حاجته الحقيقية إلى العزاء الإنساني أكثر من أي تدخل طبي. إدراكه الحتمي لهلاكه، يجعله يتشبث بالحضور الإنساني حتى وإن من طريق الغرباء، وهذا ما يجده في ماريانا (مونيكا بارلاديانو)، التي لا تحاول إنقاذه فحسب بقدر ما ترافقه، وتمنحه في ساعاته الأخيرة ذلك الإحساس الطبيعي، والنادر لدى البعض، بأن هناك من يهتم لأمره.

font change