راهول غاندي: شوكة في خاصرة رئيس الوزراء مودي

يهاجم بانتظام "رأسمالية المحسوبية" ويحاول جذب القطاعات المهمشة في المجتمع

ماكرو لورانس/المجلة
ماكرو لورانس/المجلة

راهول غاندي: شوكة في خاصرة رئيس الوزراء مودي

شكّل راهول غاندي، البالغ من العمر 53 عاما، على مدى السنوات العشر الأخيرة شوكة في خاصرة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي.

ولم يألُ غاندي جهدا، باعتباره الزعيم الأهم في "حزب المؤتمر"، المعارض الرئيس في الهند، في شن هجمات حادة على حزب "بهاراتيا جاناتا" الحاكم وأجندة "هندوتفا" المسببة للانقسام بين الهنود، منددا بسياسات مودي داخل البرلمان وخارجه.

الأصول السياسية لراهول ضاربة في تاريخ الهند، فجده الأكبر هو جواهر لال نهرو، أول رئيس وزراء للهند، وجدته أنديرا غاندي كانت رئيسة الوزراء الرابعة، أما أبوه فهو راجيف غاندي، رئيس الوزراء السابع للبلاد. ومع المجد السياسي، تأتي المأساة، فقد قضى كل من أبيه وجدته اغتيالا في حادثتين تركا أثرا كبيرا على الأسرة. قُتلت أنديرا بالرصاص على يد حراسها الشخصيين السيخ الغاضبين من "عملية النجم الأزرق" التي قام بها الجيش الهندي عام 1984 في المعبد الذهبي في أمريتسار، أقدس ضريح للديانة السيخية، فيما استهدف راجيف في انفجار نفذته امرأة انتحارية مرتبطة بجماعة "نمور تحرير تاميل إيلام" المتمردة في سريلانكا في تجمع انتخابي في تاميل نادو عام 1991.

حكم "المؤتمر الوطني" الهند 54 عاما، لكنه ضعف خلال رئاسة مودي للوزراء منذ 2014

كان لهذه الأحداث التاريخية أثر عميق على تعليم راهول وشقيقته الصغرى بريانكا غاندي وتربيتهما على يد والدتهما سونيا غاندي. كان على سونيا المولودة في إيطاليا أن تخطو بحذر في السياسة، لكنها عملت ببراعة مع الموالين لنهرو وغاندي داخل "حزب المؤتمر" للحفاظ على استقرار الحزب ووحدته. ولا تنشط السياسية المترددة سونيا (77 عاما) كثيرا هذه الأيام بسبب مشاكل صحية.

تولت سونيا رئاسة "حزب المؤتمر" في 1998 وقد ضربت الرقم القياسي لكونها رئيسة الحزب الأطول خدمة، فهي لم تتنح إلا بعد 19 عاما، لكي تمهد الطريق أمام راهول ليصبح رئيسا للحزب عام 2017.

ولدى تسلمه منصب الرئاسة، قال راهول: "يجب أن تكون السياسة ملكا للشعب، وهي سلاحه الأعظم في تفكيك الهياكل التي تضطهده وتسكته وتحد من انطلاقته. سوى أنها اليوم ليست كذلك، فهي لا تُستخدم في خدمة الشعب، بل تُستخدم لسحقه، وليس لرفعته". وبقي مبدأ "السياسة في خدمة الشعب" موضوعا رئيسا يظهر بانتظام في خطاباته.

تأسس "المؤتمر الوطني" الهندي عام 1885، وحكم الهند لمدة 54 عاما من أصل 76 عاما منذ نهاية الحكم الاستعماري البريطاني عام 1947، لكنه ضعف إلى حد كبير في تنظيمه وتمويله وقدرته على تعبئة الجماهير خلال رئاسة مودي للوزراء منذ عام 2014.

خسارة مقعد مرموق

في الانتخابات العامة لعام 2019، خسر راهول المقعد البرلماني التقليدي الآمن والمرموق لحزب المؤتمر في منطقة أميثي، بولاية أوتار براديش في قلب الهند (المعروفة أيضا باسم "حزام الأبقار"). ويبلغ عدد سكان الولاية 240 مليون نسمة، ويمثلها في مجلس النواب (لوك سابها) أحد مجلسي البرلمان الهندي 80 من أصل 543 عضوا.

وجاء انتصار راجيف أول مرة في أميثي عام 1984 وكان أول مقعد برلماني لسونيا عام 1999 بينما انتخب راهول لأول مرة للبرلمان من هناك أيضا عام 2004، ثم جدد فوزه بالمقعد مرة أخرى عامي 2009 و2014. ثم نجح في في دخول البرلمان عام 2019 ولكن هذه المرة بعد فوزه بمقعد واياناد في ولاية كيرالا الجنوبية. وسيقدمه الحزب مرة أخرى من واياناد في الانتخابات البرلمانية التي ستجرى على سبع مراحل بين 19 أبريل/نيسان والأول من يونيو/حزيران.

انتقد راهول رئيسَ الوزراء مودي، واتهمه بالتلاعب بآلات التصويت الإلكترونية

وكان عام 2019 مفصليا، فقد شهد تقدم حزب "بهاراتيا جاناتا" بـ303 مقاعد عام 2019، مقابل 52 مقعدا فقط لـ"حزب المؤتمر"، أي أقل من نسبة الـ10 في المئة اللازمة للمطالبة بلقب زعيم المعارضة.

تحمل راهول مسؤولية الهزيمة في الانتخابات، واستقال من منصب رئيس الحزب في يوليو/تموز 2019، قائلا، في أعقاب الهزيمة في الانتخابات: "لم نقاتل حزبا سياسيا في انتخابات 2019، بل كنا نواجه جهاز الدولة الهندية بأكمله، حيث تم حشد كل مؤسساتها ضد المعارضة".

فإذا كان الحال كذلك في الانتخابات السابقة، فمن نافل القول أن الانتخابات العتيدة لن تكون نزهة بالنسبة لراهول والمعارضة. وزاد مودي (73 عاما) من سلطته بشكل كبير منذ ذلك الحين.

ومع كل هذا وذاك، وعلى الرغم من حصيلته الضعيفة، لا يزال "حزب المؤتمر" يتمتع بحصة كبيرة من الأصوات تبلغ 19.5 في المئة مقارنة بحصة حزب "بهاراتيا جاناتا" البالغة 37.4 في المئة. ويأمل راهول والتحالف الذي يقوده "حزب المؤتمر" والذي يضم نحو عشرين حزبا ويطلق عليه اسم التحالف الوطني التنموي الهندي الشامل (إنديا- INDIA) في الاستفادة من فشل الحزب الحاكم في الوفاء بوعوده وبوادر خيبة الأمل لدى قطاعات معينة من السكان، كما يقولون.

جولات للتواصل مع الجماهير

انتخب ماليكارغون كارج (81 عاما) الذي يتمتع بخبرة واسعة في الانتخابات وتنظيم الحزب والشؤون الإدارية، رئيسا لـ"حزب المؤتمر" في أكتوبر/تشرين الأول 2022، ليحل محل سونيا، التي عادت لتولي المسؤولية مؤقتا بعد استقالة راهول. ويعطي انتخاب كارج بتسيير دفة الحزب، بينما يتفرغ راهول لللتركيز على برامج الدعاية والتوعية الجماهيرية.

وبالفعل، نفذ راهول مسيرة "بهارات جودو ياترا" (مسيرة توحيد الهند)، من كانياكوماري في جنوب الهند إلى سريناغار، المدينة الرئيسة في منطقة كشمير، في الفترة بين سبتمبر/أيلول 2022 ويناير/كانون الثاني 2023. وقد عبر عشرات الولايات خلال الرحلة التي بلغ طولها 3500 كيلومتر والتي طالب فيها بإعادة توحيد الصفوف بين الهنود وانتقد حزب بهاراتيا جاناتا بسبب الاستقطاب الديني والعنف.

رويترز
رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي

وبين يناير/كانون الثاني، ومارس/آذار من هذا العام، سافر راهول بالحافلة عبر 14 ولاية لمسافة 6700 كيلومتر. بدأت "مسيرة العدالة الهندية الموحدة" في مانيبور، الولاية الشمالية الشرقية النائية التي مزقتها أعمال عنف عرقية في مايو/أيار 2023، وبلغت ذروتها في مومباي، العاصمة المالية للهند.

وفي كلمته أمام حشد كبير حضره قادة تحالف "إنديا"، انتقد راهول رئيس الوزراء مودي، واتهمه بالتلاعب بآلات التصويت الإلكترونية (EVMs)، مؤكدا أن مودي "لا يستطيع الفوز في الانتخابات دون أجهزة التصويت الإلكترونية،" وأضاف: "طلبنا من مفوضية الانتخابات أن تعرض لنا أجهزة التصويت الإلكترونية وأن تسمح لخبرائنا بفحصها، لكنهم رفضوا".

كان للاغتيالين المأساويين لجدته ووالده تأثير عميق على تعليمه وتربيته

راهول يحاول جذب الشباب والنساء والقطاعات المهمشة في المجتمع. وكثيرا ما يتحدث عن عدم المساواة الصارخة في الثروة في الهند، قائلا إن 73 في المئة من سكان الهند– 50 في المئة ينتمون إلى الطبقات الفقيرة، و15 في المئة من الداليت، و8 في المئة من السكان القبليين– ليس لديهم حصة كافية في الاقتصاد والوظائف والسلطة السياسية.

وهو يهاجم بانتظام "رأسمالية المحسوبية" ويتهم مودي بخدمة الأغنياء، ولا سيما الترويج لكبار المليارديرات غوتام أداني، وموكيش أمباني. وشن راهول هجمات شديدة على شركات مجموعة "آداني".

وخلال حملات الانتقاد ضد مودي، واجه راهول مشاكل قانونية أيضا، حيث أدانته محكمة في ولاية غوجارات الهندية في قضية تشهير العام الماضي. وكانت القضية تتعلق بتصريحاته بشأن لقب رئيس الوزراء في تجمع انتخابي بولاية كارناتاكا عام 2019. وتساءل في كلمته: "لماذا يحمل كل اللصوص كنية مودي؟"، وكان يشير بذلك إلى حوت تجارة الماس نيراف مودي، الفار من وجه العدالة، ورئيس حدث الكريكت السنوي السابق في الدوري الهندي الممتاز لاليت مودي، وهما يحملان كنية مودي نفسها.

ونتيجة لحكم المحكمة، خسر راهول مقعده في البرلمان، حيث قضت عليه المحكمة بالسجن لمدة عامين، لكنه استعاد عضويته بعد أن علقت المحكمة العليا حكم الإدانة. وكانت هذه القضية واحدة من أكثر الحلقات التي حظيت بتغطية إعلامية في ملحمة راهول ضد مودي.

ويرفض أنصار مودي، ومسؤولو حزب "بهاراتيا جاناتا"، والوزراء الفيدراليون، يرفضون راهول، وينتقدونه كسياسي، ويلومون قيادته على الأداء الانتخابي الضعيف لـ"حزب المؤتمر". لكن مثل هذا النوع من النقد اللاذع الذي يوجهه حزب "بهاراتيا جاناتا" لراهول يكشف أيضا عن مخاوفه من أنه شخص قادر على مواجهة مودي بشكل فعال.

كما وجه راهول بعضا من أشد انتقاداته إلى المؤسسات الإعلامية، متهما إياها بأنها "كلاب تتبع الحزب الحاكم".

مؤهلات دراسية والنضج السياسي

كان للاغتيالين المأساويين لجدته أنديرا غاندي ووالده راجيف غاندي تأثير عميق على تعليم راهول غاندي وتربيته. بعد وفاة أنديرا غاندي، ولأسباب أمنية، تلقى راهول وشقيقته بريانكا تعليمهما في المنزل. في وقت لاحق، التحق راهول بالمدارس في نيودلهي ودهرادون، في منطقة أوتارانتشال. بدأ تعليمه العالي في كلية سانت ستيفن، في دلهي، قبل أن ينتقل إلى جامعة هارفارد. ومع ذلك، بعد اغتيال والده عام 1991، انتقل إلى كلية رولينز في فلوريدا لأسباب تتعلق بالسلامة، حيث أكمل درجة البكالوريوس عام 1994.

خلال الحملة الانتخابية لعام 2019، شكك بعض خصوم راهول السياسيين في شرعية حصوله على درجة الماستر في الفلسفة من المملكة المتحدة. ومع ذلك، فإن هذه المخاوف لا أساس لها من الصحة، وجاء الرد صريحا من جامعة كامبريدج، التي أكدت خلال الانتخابات الهندية عام 2009، مؤهلاته الأكاديمية، قائلة: "كان السيد راهول غاندي طالبا في كلية ترينيتي جامعة كامبريدج من أكتوبر/تشرين الأول 1994 إلى يوليو/تموز 1995، وحصل على شهادة ماستر في دراسات التنمية عام 1995".

جعلته رحلاته المكثفة عبر الهند أقرب إلى التحديات اليومية التي تواجه المواطنين

وكانت حياة راهول غاندي الشخصية، وخاصة قراره بالبقاء أعزبا، موضوعا مثيرا لفضول الناس وتكهناتهم.  

وفي بلد حيث الساسة مشبعون بالأيديولوجيا أو ينغمسون في مطاردة الثروة والمكانة دون وازع، لا يستطيع راهول مقاومة الحديث بشكل متكرر عن السياسة المبدئية. كما أنه لا يخجل من الاستمتاع بالأنشطة الترفيهية مثل العطلات الخارجية أو ركوب الدراجات النارية أو الرياضة.

وتُطرح مسألة حالته الاجتماعية أحيانا في الخطاب العام. على سبيل المثال، تناول رئيس وزراء ولاية بيهار السابق، لالو براساد ياداف، بطريقة فكاهية حالة راهول الأعزب في تجمع لزعماء المعارضة، مشيرا إلى أن الوقت "لم يفت بعد" بالنسبة له للزواج ووعد بالاحتفال بهذه المناسبة.

على مر السنين، أظهر راهول غاندي نضجا كبيرا كسياسي. في البداية، اعتقد البعض أن شقيقته بريانكا، بما تتمتع به من كاريزما وفطنة سياسية، كانت أكثر ملاءمة لمواجهة تحديات السياسة الهندية. وبينما لا تزال بريانكا شخصية مؤثرة في الحملة الانتخابية، برز راهول كشخصية مركزية في سياسة المعارضة على مدى العقد الماضي. لقد تعمقت رؤيته السياسية وخطبه وفهمه للقضايا الوطنية الرئيسة مثل الفساد والتضخم والبطالة والعدالة الاجتماعية. وقد جعلته رحلاته المكثفة عبر الهند أقرب إلى التحديات اليومية التي تواجه شعبها، بما في ذلك الفقر والتوترات الطبقية والطائفية، والفجوة بين الريف والحضر. وهذه التجربة تضعه كمرشح محتمل لرئاسة الوزراء إذا زاد الحضور البرلماني لحزبه بشكل كبير. ولكن حتى لو فاز حزب "بهاراتيا جاناتا"، فإن راهول غاندي سيظل خصما عنيدا لرئيس الوزراء مودي.

font change

مقالات ذات صلة