مودي يحشد قاعدته الهندوسية بافتتاح معبد على أطلال مسجد تاريخي

أثار حفل تدشين المعبد اتهامات بالانتهازية السياسية من منافسي الحزب الحاكم

EPA
EPA
رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي يحضر حفل افتتاح "معبد الإله رام"، 22 يناير 2024

مودي يحشد قاعدته الهندوسية بافتتاح معبد على أطلال مسجد تاريخي

نجح حزب بهاراتيا جاناتا الهندي، الذي يحكم البلاد منذ عام 2014 والمعروف بأجندته القومية الهندوسية، في حشد مؤيديه مرة أخرى، حين افتتح رئيس الوزراء ناريندرا مودي، يوم 22 يناير/كانون الثاني الحالي، معبدا مخصصا للإله الهندوسي رام، في الموقع السابق لمسجد بابري الذي يعود تاريخه إلى القرن السادس عشر، والذي هدم قبل 31 عاما.

وأقيم حفل تدشين "معبد الإله رام" وسط أناشيد تعبدية وبحضور مجموعة متنوعة من السياسيين ورجال الأعمال ومشاهير السينما والرياضة والمسؤولين الحكوميين والمعلمين الهندوس والسادهو (الزاهدين) الذين تمت دعوتهم إلى مدينة أيوديا، التي تقع على بعد حوالي 700 كيلومتر من نيودلهي في الهند، بولاية أوتار براديش الشمالية.

وقد اختار حزب المؤتمر المعارض وبعض الحلفاء عدم الحضور، معتبرين أنه حدث يخص فقط حزب بهاراتيا جاناتا ومنظمة التطوع الوطنية (RSS) اليمينية المتطرفة. ومع اقتراب الانتخابات البرلمانية بعد ثلاثة أشهر، اعتبر غيابهم رغبة في تجنب طغيان شخصية مودي التي ستهيمن في الحفل الذي حظي بتغطية تلفزيونية واسعة النطاق وحضور رفيع المستوى.

وقدم التلفزيون الحكومي تغطية حية للحفل الذي أطلق عليه اسم "بران براتيشثا" (ضخ الحياة في المعبود، وفقًا للمعتقدات الهندوسية) ونشر تعليقات مليئة بمديح مودي.

وإزاء بلاغة رئيس الوزراء أثناء إلقاء خطابه وأدائه صلاته، بدا أصحاب المليارات ومشاهير الشاشة أقزاما مقارنة بحضور مودي الملحمي، حين أعلن مودي أن "هذا المعبد يجسد الوعي الوطني من خلال رام. وأن الرب رام هو تجسيد للإيمان والأساس والمفهوم والقانون والوعي والفكر والشرف وروعة الهند".

واستعدادا لهذا الحدث، بدأت الحكومة جهود تعبئة واسعة النطاق لضمان نجاحها الكبير وتعزيز مكانة مودي العامة. وفي بداية الحفل، أمطرت المروحيات العسكرية الهندية بتلات الزهور على الحضور. وفي جميع أنحاء الهند، اشتعل الحماس من خلال استضافة فعاليات تحت عنوان "أيوديا" في مدن وقرى مختلفة. ووصف حزب بهاراتيا جاناتا والجماعات المتحالفة معه هذا الحدث بأنه إحياء للثقافة الهندوسية. وأكد مودي أن "علينا أن نضع الأساس للهند لألف سنة قادمة".

وأعلنت الحكومة إغلاق الوزرارات والمؤسسات الحكومية لمدة نصف يوم، في حين احتفلت البنوك والمستشفيات والمدارس وبعض الشركات أيضا بنصف يوم عطلة، بما في ذلك سوق الأوراق المالية والبنك الاحتياطي الهندي (RBI). وأعلنت بعض الولايات حظرا على استهلاك اللحوم وبيعها.

حملة استمرت لعقود

وقد جرى بناء معبد رام على نفقة صندوق أنشأته الحكومة الهندية، ويقع على موقع مساحته 2.7 فدان داخل مجمع واسع يغطي مساحة 70 فدانا. وفيما يقول أنصار المعبد إن مسجد بابري بني في المكان الذي ولد فيه رام، لم يجد المؤرخون والعلماء البارزون أي دليل يدعم هذا الادعاء.

كان المسجد قد بُني في الفترة من 1528 إلى 1529 تقريبا على يد مير باقي، وهو قائد خدم في عهد الإمبراطور المغولي بابور

جاء افتتاح المعبد استكمالا لحملة قومية هندوسية استمرت عقودا من الزمن، كان من ضحاياها مسجد بابري في 6 ديسمبر/كانون الأول عام 1992 على يد حشد من عشرات الآلاف من "الكارسيفاك" (العمال الدينيين) الذين نزلوا إلى أيوديا تلبية للدعوات التي وجهتها منظمة التطوع الوطنية، التي تشكل المنبع الآيديولوجي لحزب بهاراتيا جاناتا، والقوى التابعة له مثل باجرانغ دال، وفيشوا هندو باريشاد (VHP). ولقي أكثر من 2000 شخص، معظمهم من المسلمين، حتفهم في أعمال العنف التي شهدتها الهند في أعقاب هدم المسجد.

ومع استمرار المعارك القانونية والسياسية حول الموقع، سلمت المحكمة العليا الهندية في نوفمبر/تشرين الثاني 2019 المكان للهندوس لبناء المعبد على الرغم من أن القضاة خلصوا أيضا إلى أن هدم المسجد كان غير قانوني.

وكان المسجد قد بُني في الفترة من 1528 إلى 1529 تقريبا على يد مير باقي، وهو قائد خدم في عهد الإمبراطور المغولي بابور.

AP
زُين المعبد الجديد بالزهور في اليوم السابق للافتتاح الكبير في 21 يناير 2024

وخصصت المحكمة خمسة أفدنة من الأرض للمسلمين لبناء مسجد جديد على بعد 25 كيلومترا من معبد رام، ولكن البناء تأخر كثيرا، وحتى لو أنجز بناء المسجد الجديد فلن يحمل اسم بابور ولن يشبه المسجد التاريخي في تصميمه.

وبعد تسلقه على أكتاف حركة معبد رام، تحول حزب بهاراتيا جاناتا إلى قوة سياسية ضخمة بعد أن كان حزبا هامشيا في الثمانينات.

وكان المسلمون قد اتهموا حزب المؤتمر بالسماح للنزاع بالتفاقم والتحول إلى قضية مثيرة للانقسام الوطني من خلال الترويج لـ"الهندوتفا الناعمة"؛ فقد وُضعت التماثيل في المسجد من قبل الهندوس في منتصف الليل عام 1949 عندما كان زعيم حزب المؤتمر جواهر لال نهرو رئيسا للوزراء. وبدلا من الأمر بإزالتها، أغلِقَت أبواب المسجد عقب هذه الحادثة. وفُتِحت البوابات في عام 1986 وفُتح المكان للمصلين الهندوس عندما كان حزب المؤتمر في السلطة وكان راجيف غاندي، حفيد نهرو، رئيسا للوزراء.

أثار حفل تدشين المعبد اتهامات بالانتهازية السياسية من منافسي حزب بهاراتيا جاناتا، لكن المعارضة لا تستطيع مواجهة الدعاية التي حظيت بها حملة إعادة انتخاب مودي في أيوديا

واتهم المسلمون حكومة حزب المؤتمر ورئيس الوزراء آنذاك، بي في ناراسيمها راو، بالتقاعس عن العمل، بل والتواطؤ أيضا، عندما هدم المسجد عام 1992 على يد حشود جُلبت إلى أيوديا من مختلف أنحاء الهند.

وقد حرص حزب بهاراتيا جاناتا على امتلاك عملية بناء المعبد بشكل سياسي. ووضع مودي حجر الأساس في الخامس من أغسطس/آب 2020. وعلى الرغم من عدم جاهزيته بالكامل، إلا أن الهيكل الأساسي للمعبد كان كافيا لإقامة مراسم تكريس تمثال الحجر الأسود الذي يبلغ طوله 51 بوصة (129.54 سم).

وتهدف الهند إلى تطوير أيوديا لتصبح مركزا رئيسا للهندوس المتدينين ليس فقط من الهند ولكن أيضا من الجالية الهندوسية في الشتات.

وتبلغ الكلفة التقديرية لمعبد رام 217 مليون دولار أميركي، في حين تُنفَق مئات الملايين على البنية التحتية للمدينة. وهناك أيضا خطط للاستثمارات الخاصة في الفنادق والمرافق الأخرى المرتبطة عادة بمعالم الجذب السياحي.

AFP
جمع من الهندوس في أمسية للاحتفال بتدشين المعبد الجديد

وقال إس إن سوبرامانيان، رئيس مجلس إدارة شركة لارسن آند توبرو: "إن هذه الأعجوبة الهندسية تمثل رمزا للقدرة على التحمل، وقد صُممت وشُيدت لتدوم ألف عام".

واستخدم حزب بهاراتيا جاناتا ولايتيه في السلطة لضمان توافق أصحاب المليارات في الهند (والمجموعات الإعلامية التي يملكونها) مع سياساته وآيديولوجية "هندوتفا".

ولا يبدو أن الأمور تسير في صالح أحزاب المعارضة الهندية؛ إذ ليس من المتوقع فوز حزب بهاراتيا جاناتا بولاية ثالثة هذا العام فحسب، بل يبدو أنه يهدف إلى تمديد حكمه إلى ما بعد عام 2029 من خلال استغلال انقسام المعارضة.

وأثار حفل تدشين المعبد اتهامات بالانتهازية السياسية من منافسي حزب بهاراتيا جاناتا، لكن المعارضة لا تستطيع مواجهة الدعاية التي حظيت بها حملة إعادة انتخاب مودي في أيوديا.

لا يزال المسلمون، الذين يشكلون نحو 15 في المئة من السكان ويمكنهم لعب دور مهم خلال الانتخابات، لا يزالون حذرين من حزب المؤتمر، لأنه لم يبذل أي جهود لاستعادة ثقة المجتمع التي فقدها بعد هدم مسجد بابري

وفي خطاباتهم، قام يوغي أديتياناث رئيس وزراء ولاية أوتار براديش، وموهان باجوات رئيس منظمة التطوع الوطنية (راشتريا سوايامسيفك سانغ) بتمجيد شخصية مودي.

وضمت قائمة الضيوف المدعوين 7000 شخص، من بينهم كابتن الكريكيت السابق ساشين تيندولكار، ونجوم السينما أميتاب باتشان، وكاترينا كايف، وراجنيكانت، وعليا بهات، ورانبير كابور، بالإضافة إلى بعض كبار رجال الأعمال في الهند، بما في ذلك موكيش أمباني، رئيس شركة ريلاينس إندستريز. ومع أن حضور مودي طغى عليهم، فإن حضورهم ساهم في توليد المزيد من الدعاية.

وشُجِع الهندوس في الشتات في أماكن مثل الولايات المتحدة وأستراليا والمملكة المتحدة وموريشيوس وفيجي على إقامة فعاليات واحتفالات تتزامن مع حفل أيوديا.

ولا تملك المعارضة القدرة على مواجهة النفوذ المالي الهائل لحزب بهاراتيا جاناتا وأدواته الخاصة للتعبئة الجماهيرية، إضافة إلى سيطرته الواسعة على وسائل الإعلام.

وفشل حزب المؤتمر وحلفاؤه في استغلال وعود حزب بهاراتيا جاناتا التي لم يفِ بها، في حين يواصل مودي الحفاظ على شعبيته بفضل وعود المستقبل؛ على سبيل المثال، هدفه المتمثل في جعل الهند "دولة متقدمة" بحلول عام 2047.

ولا يزال المسلمون، الذين يشكلون نحو 15 في المئة من السكان ويمكنهم لعب دور مهم خلال الانتخابات، لا يزالون حذرين من حزب المؤتمر لأن الحزب الحاكم السابق لم يبذل أي جهود لاستعادة ثقة المجتمع التي فقدها بعد هدم مسجد بابري.

font change

مقالات ذات صلة