كيف تم ترويض "القاعدة" للتمدد في مالي؟

عندما تفتح الجماعات الجهادية المجال "لتغيير الأولويات الاستراتيجية"

أ ف ب
أ ف ب
جنود ماليون في منطقة ميناكا التي تنتشر فيها مجموعات من تنظيم "داعش"

كيف تم ترويض "القاعدة" للتمدد في مالي؟

تكشف رسالة قديمة موقعة باسم عبد المالك درودوكال، زعيم "القاعدة" السابق في شمال أفريقيا، إلى قادة التنظيمات في مالي ودول الساحل، عام 2013، بعنوان "توجيهات عامة بخصوص المشروع الإسلامي الجهادي بأزواد"، أنه كانت هناك محاولات ناجحة لضبط التنظيمات المبايعة لـ"القاعدة" وترويضها وتطويرها من جهادية سلفية إلى أخرى سياسية، كي تصبح أكثر استجابة للواقع المحيط، بما يحقق الأهداف المتمثلة في تطبيق أحكام الشريعة، وأسلمة المجتمع، وإقامة دولة إسلامية، وهذا ما اتضح خلال الأيام الماضية في التحالف والتنسيق الميداني الذي تم بين "جبهة تحرير أزواد"، و"جماعة نصرة الإسلام والمسلمين"، في مواجهة المجلس العسكري الحاكم في باماكو.

الترويض الجديد لـ"القاعدة"

التطور الذي اعتبر مراقبون أنه إعادة رسمٍ لخريطة الصراع بمالي، حيث إن الهوة الواسعة ضاقت بين مشروعين متناقضين أيديولوجياً: مشروع قومي يسعى لإقامة دولة الأزواد، وآخر جهادي عابر للحدود يهدف إلى تأسيس إمارة إسلامية، وهذا بدأ في عام 2013، حينما صدرت وثيقة أطلق عليها "توجيهات عامة بخصوص المشروع الإسلامي الجهادي بأزواد"، عن مؤسسة "السحاب" الذراع الإعلامية لـ"القاعدة"، ضمت 17 توجيهاً منهجياً في العمل، كان أبرز ما جاء فيها أن: العمل القتالي عسكري. والثاني: دعوي. وهناك جبهات توعية وتربية طليعة تحمل عبء المواجهة. والثانية: توعية الجماهير وتحريضها والسعي في تحريكها، وتهدئة الصراع مع الحكام المحليين لاستغلال ذلك للدعوة والبيان والتحريض والتجنيد وجمع الأموال والأنصار، وعدم مقاتلة الفرق الأخرى، والامتناع عن قتل وقتال الأهالي، والامتناع عن استهداف الأعداء في المساجد والأسواق والتجمعات.

أصبحت "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" المبايعة لـ"القاعدة"، نموذجا جهاديا محليا، وليس عابرا للحدود، وتكيفت بشكل واسع مع الهياكل القبلية والاجتماعية المحلية في مالي والساحل

وقد تحدثت الرسالة عن العلاقة بين تنظيم "القاعدة"، وبين المشروع الأزوادي وتطويره، وكيف أن التنظيم لا بد وأن يحدد طبيعة النشاط الخاص به، وهل هو يدعم الجهاد العالمي؟ أم يدعم المشروع الأزوادي المحلي؟ وكيف يوازن بينهما، لأن كلا منهما سيؤثر على الآخر؟! مقترحةً: الاحتفاظ بكيان التنظيم مستقلا عن إدارة مشروع أزواد، أو أن يكون النشاط الداخلي تابعا لإدارة أزواد، ونشاط الجهاد العالمي تابعا لإدارة التنظيم، أو تفريغ قسم من التنظيم، وجعله تحت تصرف أمير أنصار الدين، وكل هذا يحتاج إلى حق التجنيس لعناصر التنظيم بجنسية أزواد، ووقف النشاط الجهادي فوق أرضها، مع الاحتفاظ بالانتماء للتنظيم، وضرورة الموازنة بين المصالح والمفاسد، ووقف العمليات على الأرض الأزوادية مطلقا.

كما طالبت الرسالةُ الحركاتِ والكتائبَ التابعة لها في أزواد بمشاركة زعماء العشائر والقبائل، وعدم إقصاء أي طرف، وعدم إثارة مسائل التكفير، وتبني خطاب ناضج خارجي يطمئن دول الإقليم، وعدم تبني نظرية فقهية معينة الآن في مشروع الدستور الإسلامي.

وبالنظر إلى رسالة التوجيهات السابقة، والتي تم نشرها على أوسع نطاق، بل وتم تداولها من قبل الفصائل التابعة لـ"القاعدة"، سنرى أنها تدعو إلى: حل التنظيمات القطرية نفسها طالما تتعارض مع الحكم المحلي. والقبول بفصائل قومية أو عرقية أو علمانية التوجه والتحالف معها ما دام هذا في المصلحة العامة، كما حصل في التحالف الأخير مع "حركة تحرير أزواد" في مالي.

أ.ف.ب
نصب تذكاري للجيش في عاصمة مالي باماكو، في 26 أبريل 2026

تقول الرسالة: "يجب أن لا نبالغ في اعتبار أن المشروع في مالي دولة مستقرة، وأن نمد الجسور لمختلف شرائح المجتمع العربي بأزواد، وهذا سيمكننا من تخفيف الضغوط الدولية، ومن المهم أن ننظر إلى المشروع الأزوادي على أنه مولود صغير أمامه مراحل كثيرة، كما أن هذا سيجعلنا نقوم بتحييد الخصوم، والموازنة بين المصالح والمفاسد، والسياسات المثلى مع المجتمع المحلي، مثل: حشد القبائل، وعدم إثارة مسائل التكفير، وعمل مجلس إسلامي يشمل جميع المكونات، ويجمع بين التمثيل القبلي والولاء للإسلام".

"نصرة الإسلام" إلى الجهاد المحلي

رغم التعارض التام بين أفكار الجهاديين، المتمثلة في مفهومهم حول الدولة، والممارسة الديمقراطية والحزبية والدستور والقوانين الوضعية، وعملا برسالة توجيهات العمل الجهادي، أصبحت "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" (JNIM) المبايعة لـ"القاعدة"، نموذجا جهاديا محليا، وليس عابرا للحدود، وتكيفت بشكل واسع مع الهياكل القبلية والاجتماعية المحلية في مالي والساحل، تحت قيادة إياد أغ غالي (طوارقي من كيدال) وأمادو كوفا (فولاني من وسط مالي).

المهم في توجيهات المشروع الإسلامي الجهادي بأزواد كان دعم السكان المحليين والمواطنين المهمشين البعيدين عن العواصم، لتتم حمايتهم وتوفير فرص عمل لهم من خلال دعوتهم للقتال

كان التطبيق الأول الذي قامت "نصرة الإسلام" بتنفيذه على الأرض، هو التوغل في قبيلة الطوارق، ومجتمعات العرب والفولاني والسونغاي والبمبارا، وشملت جاذبيتها مجموعات عرقية أخرى مثل الدوجون، وسهل سينو جوندو، ومينيانكا في منطقة سيكاسو، ومور وبيسا في أجزاء مختلفة من بوركينا فاسو، وانعكست هذه المجموعات العرقية على خطابها الإعلامي. ومن أجل أن تتجاوز الجماعة مكوناتها المختلفة، قامت بين منتصف عام 2020 وحتى نهاية عام 2023 بمجموعة من الإصلاحات وإعادة الهيكلة استجابة لنمو التوترات بينها وبين "إمارة الصحراء الكبرى"، وكان اندلع قبلها بسنوات الصراع بين المجموعتين.

أما ثانيا فقد تمكنت الجماعة من النجاح وتوحيد صفوفها وأخرجت "داعش" من معاقلها، وطورت نظاما يحافظ على المستوى الداخلي والتماسك من خلال تحقيق توازن أكثر فعالية بين الاستقلال والاعتماد المتبادل بين مختلف فصائلها، ويسمح هذا الهيكل الجديد للفصائل الفردية بالحفاظ على درجة الاستقلال مع الاستمرار في التعاون والتنسيق في جهودهم مع الفصائل الأخرى داخل التنظيم.

ووفق "مركز أفريقيا للدراسات"، فقد قسّمت الجماعةُ المستوى المحلي للقيادة في تسلسل هرمي، على نطاق واسع، إلى ثلاث طبقات: مجموعة القيادة المركزية (مجلس الشورى)، والقادة الإقليميون (أمراء المناطق) المشرفون على العمليات في مناطقهم المحددة، وقادة المناطق (أمراء المركز) على المستوى المحلي، وضمنت القيادة التوجه الاستراتيجي العام، والتماسك بين مختلف الأطراف والفصائل، والتنسيق مع المنظمات الأم والشريكة، مثل تنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" وغيره من الجماعات، ومن أجل زيادة نفوذها على المجتمعات المعزولة، تحاول هي والجماعات المنضوية تحتها استغلال حدود النيجر مع مالي وبوركينا فاسو ومناطق تيليا وأولام وبانيبانغو.

المهم في توجيهات المشروع الإسلامي الجهادي بأزواد كان دعم السكان المحليين والمواطنين المهمشين البعيدين عن العواصم، لتتم حمايتهم وتوفير فرص عمل لهم من خلال دعوتهم للقتال في صفوف الجماعة المنتمية لـ"القاعدة"، وهكذا بإضفاء الشكل الديني على الصراعات العرقية والقبلية في مالي، تمددت "نصرة الإسلام" التي تضم أربع جماعات رئيسة، وهي: "أنصار الدين"،  و"جبهة تحرير ماسينا"، و"المرابطون"، و"التوحيد والجهاد"، وتضم بعض الكتائب أهمها "كتيبة سرما".

تسبب انتشار ميليشيات الدفاع عن النفس العرقية (الفولاني، وبامبارا، ودوجون، وموسي) في صعوبة تحديد الجماعات المسلحة العاملة ومسؤوليتها عن العمليات الإرهابية والمجازر

يقول الدكتور أحمد عسكر: "نجحت (نصرة الإسلام) في تبني القضايا المحلية كما ورد في التوجيهات، مثل الصراعات على الأراضي والمعارك بين المجتمعات الرعوية، على سبيل المثال، مما أعطى جاذبية لهم وقوة مكنت عناصر (القاعدة) من إجبار السكان المحليين على قطع علاقاتهم مع قوات الأمن الموجودة وإلا تعرضوا لعمليات انتقامية مميتة، وأدى هذا أيضاً إلى أن الجماعة دفعت السكان المحليين إلى عصيان الحظر الذي فرضته السلطات فيما يتعلق بالصيد في المناطق المحمية، ونقل الماشية، واستخراج الذهب، وهذه الإيرادات جذبت الكثير من الأشخاص إليها".

ويؤكد "المركز العالمي لمكافحة التطرف"، في بحث حول مخاطر الأوضاع الهشة في دول الساحل الأفريقي، أن "نصرة الإسلام" وفّرت للعصابات الإجرامية شرعية دينية لممارساتهم، بل والحماية لكثير من الهاربين منهم، الذين فروا إليها، وحصل تبادل بينهم في الأموال والحماية والانتقال بين الطرق الوعرة، وعداء المجلس العسكري المالي".

وبسبب السيطرة على أجزاء كبيرة من الأراضي كانت الجماعة تقدم نموذجا لإدارة تلك المناطق، وحل النزاعات حول المراعي والأراضي والموارد، واكتسبت هي وزعيمها إياد أغ غالي نفوذاً من خلال دعمها ميليشيات الدفاع عن النفس، وانحيازها إلى المجتمعات الرعوية التي تسعى إلى الدفاع عن أراضيها أو استعادتها، وكانت لها بشكل منتظم دوريات بالقرى من أجل حماية من استعانوا بهم، أو من أجل شراء الإمدادات، وهذا خلق لهم حاضنة كبيرة بين القرويين.

أ.ف.ب
جنود ماليون يقفون بجانب مبنى مدمر، في غاو، بعد تفجير سيارة مفخخة ليلا، أسفرت عن مقتل ثلاثة أشخاص في 13 نوفمبر 2018

وقد أوضح "المركز الأفريقي للدراسات"، أن جماعات "القاعدة" اخترقت المجتمعات عن طريق تأليب الطوائف، ثم قدمت الحلول بديلاً عن قوات الأمن من أجل حماية السكان، ما وفر لهم استغلال الضحايا وتجنيدهم في صفوفهم، ومع القوانين التي فرضتها الحكومة حول المراعي وحظر دخول الماشية الأجنبية عبر الحدود، دخلت التنظيمات والكتائب من أجل تقويض المؤسسات الأمنية والسماح بنقل الماشية وحماية مناطق الرعي وتشغيل المهمشين، الذين كانوا يكافحون من أجل إبقاء حيواناتهم على قيد الحياة خلال موسم الجفاف، والانحياز إلى المجتمعات الرعوية التي تسعى إلى الدفاع عن أراضيها أو استعادتها.

يقول الدكتور حمدي عبد الرحمن: "تسبب انتشار ميليشيات الدفاع عن النفس العرقية (الفولاني، وبامبارا، ودوجون، وموسي) في صعوبة تحديد الجماعات المسلحة العاملة ومسؤوليتها عن العمليات الإرهابية والمجازر، بسبب الانتشار الكثيف للميليشيات التي قامت الحكومات المتعاقبة بتسليح ودعم بعضها، مثل الصيادين التقليديين، المعروفين باسم دوزو، ومجموعة دان نا أمباساغو، الذين شكّلوا قوات كانت تدافع عن القبائل، بل في تأمين الانتخابات، عندما استدعاهم الجيش المالي لمعرفتهم الجيدة بالتضاريس خلال المهام العملياتية، واستفادت (جماعة نصرة الإسلام) من عسكرة المجتمع في دول الساحل، ونشوء مجموعات للدفاع عن النفس، في غياب تام للدولة، التي عجزت عن حماية المزارعين والصيادين والرعاة وتدخلت هي وتقاطعت هجماتهم مع تصفية الحسابات الجارية بين أفراد المجتمع، وأدى ذلك إلى تعقيد التمييز بين المنظمات المتطرفة العنيفة والعصابات الإجرامية".

كانت أبرز تحولات الجماعة المبايعة لـ"القاعدة" على "نصرة الإسلام"، ومبايعة التنظيمات والكتائب الحليفة والشريكة لها... أنهم سلفيون بالمعنى التعبدي، وجهاديون بالمعنى المحلي، وإخوانيون بالمعنى السياسي

ويضيف دكتور أحمد أمل، في حديثه عن أثر القيود البنيوية على أداء المؤسسة العسكرية في مكافحة الإرهاب بدول الساحل، بمجلة الدراسات الأفريقية: إنه "كان للجماعة اهتمام رئيس في الجهاد المحلي، وفي تنظيم الإتجار، وفي أغلب الأحيان كسبت المال عن طريق تأمين القوافل، وفرض الضرائب على تداول بعض المنتجات، وهذا جعلها تتفاعل اجتماعيا بين أفراد المجتمع الذين تقوم بتشغيلهم وتوظيفهم كمقاتلين أو معاونين لها، وهنا تكمن المشكلة في مهاجمين جدد يتوالدون ويفلتون من أي مراقبة تقليدية، ويقومون بعمليات إرهابية يستهدفون فيها المدنيين، لترهيب المجتمعات المحلية، من أجل السيطرة على عائدات الذهب وشبكات الإتجار. وهكذا حدث ارتباط بين الإتجار غير المشروع بالأسلحة النارية والعصابات والجماعات الرعوية، وأصبح الإتجار غير المشروع بالأسلحة ظاهرة واسعة الانتشار في أجزاء من المناطق الريفية، حيث أنشأت تلك العصابات طرق توريد أسلحة غير مشروعة، وأصبحت كقنوات مهمة للتنظيمات وللإتجار غير المشروع بين مناطق الصراع في دول الساحل ومنطقة البحيرات الكبرى وأفريقيا الوسطى".

لقد كانت رسالة "توجيهات العمل الجهادي" كاشفة عن تحولات التنظيمات الموجودة في مالي ناحية ضبط علاقاتها بالآخرين، وكشفت عن مسارات الجماعات الجهادية عموماً بفتح المجال "لتغيير الأولويات الاستراتيجية". وإمكانية التحول في الأفكار، وجعل الجهاد وطنياً لا أممياً، والاكتفاء بالقتال محلياً، والتوقف عن عولمة الجهاد، وعدم استعداء المجتمعات ببعض التصرفات مثل هدم الأضرحة، وتحديد النشاط الداخلي والخارجي، والموازنة بين كل الأطراف.

وكانت أبرز تحولات الجماعة المبايعة لـ"القاعدة" على "نصرة الإسلام"، ومبايعة التنظيمات والكتائب الحليفة والشريكة لها... أنهم سلفيون بالمعنى التعبدي، وجهاديون بالمعنى المحلي، وإخوانيون بالمعنى السياسي، يستغلون المظالم المحلية، وفي المناطق الخاضعة لسيطرتهم (شمال ووسط مالي)، سمحوا بدرجة من الاستقلالية المحلية، وابتعدوا عن عالمية الجهاد، وحافظوا على الهياكل القبلية التقليدية قدر الإمكان (مثل الزعماء والتقاليد)، مقابل الولاء أو عدم المعارضة، كما استخدموا في دعايتهم الإعلامية لغات محلية (تاماشيق، فولفولدي)، وكان هذا التطور جزءاً من استراتيجية "القاعدة" التي وردت في توجيهات المشروع الجهادي الأزوادي وهو: الاندماج في المجتمعات بدلاً من مواجهتها، والتحالف مع جماعات أخرى تشاركهم الهدف نفسه.

font change