عاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإطلاق تهديدات جمركية حادة ضد حليف قديم تجمعه بالولايات المتحدة روابط اقتصادية وثيقة. فقد أعلن عبر وسائل التواصل الاجتماعي عزمه رفع الرسوم على طيف واسع من السلع الكورية الجنوبية إلى 25 في المئة، بعدما كانت 15 في المئة مفروضة بموجب قانون الصلاحيات الاقتصادية في حالات الطوارئ الدولية. وبرر خطوته بعدم تصديق الجمعية الوطنية في سول حتى الآن على الإطار الذي أعلنته الحكومتان خلال الصيف الماضي.
على الأرجح ستسارع سول، إلى إقرار التشريعات التنفيذية، لكن ذلك لا يمس لب القضية. فهذه الواقعة انعكاس جديد لنهج تجاري مرتجل تحكمه التقلبات وعدم اليقين، وهو نهج وسم أداء إدارة ترمب منذ عودته إلى البيت الأبيض. وتأتي هذه الخطوة في أعقاب مداهمة نفذتها السلطات في خريف العام الماضي على مصنع تابع لشركة "هيونداي" في ولاية جورجيا، حين أوقفت الجهات الفيدرالية مئات الموظفين الكوريين الجنوبيين الذين قدموا للمساهمة في إنشاء مصنع بطاريات للسيارات الكهربائية تملكه "هيونداي" بالشراكة مع "إل جي"، وهو من الاستثمارات التي تعلن الإدارة رغبتها في جذبها. أمام هذا المشهد، ليس مستغربا أن يخلص حلفاء واشنطن إلى أن التزاماتها التجارية قابلة للتغيير وفق المزاج السياسي، وأن الاتكال عليها محفوف بالمخاطر، ما يدفعهم إلى تنويع خياراتهم والبحث عن بدائل تحفظ مصالحهم.
وسط ضجيج الخطاب، يغيب عن الأنظار واقع بسيط، وهو أن الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية ترتبطان باتفاق شامل وملزم قانونا للتجارة الحرة. ولكن لا يبدو أن لهذا المعطى وزن كبير في حسابات الإدارة الأميركية، وهي خلاصة تستوعبها سول بسرعة. وكان اتفاق التجارة الحرة بين البلدين قد وقّع عام 2007، ودخل حيز التنفيذ في مارس/آذار 2012. ومر التشريع في الكونغرس بأغلبية ساحقة من الحزبين، وأصبح قانونا نافذا في البلاد. وبموجب الاتفاق، يدخل نحو 95 في المئة من السلع الاستهلاكية والصناعية الكورية الجنوبية إلى السوق الأميركية من دون رسوم أو برسوم متدنية للغاية.

ولكن فرض الإدارة رسوما بنسبة 15 في المئة استنادا إلى قانون الصلاحيات الاقتصادية في حالات الطوارئ الدولية أفرغ عمليا تلك الالتزامات التي أقرها الكونغرس من مضمونها. ومع إعلان "حالة طوارئ" اقتصادية مشكوك فيها أساسا، عمد البيت الأبيض إلى فرض تعريفات واسعة النطاق على حليف تتمتع معه الولايات المتحدة بعلاقة تجارية يغلب عليها الإعفاء الجمركي منذ أكثر من عقد. لقد أثبت اتفاق كوروس نجاحه، أما "الاتفاق" الذي ينتظر اليوم المصادقة عليه في سول، فلا يشكل بديلا عنه، بل يمثل طبقة من الحماية الأحادية تضاف إلى قانون أميركي قائم.




