ترمب بسياسته التجارية يُعلم الشركاء أن واشنطن لا يمكن الوثوق بها

من كوريا الجنوبية إلى كندا... الحلفاء يعيدون حساباتهم

(أ.ف.ب)
(أ.ف.ب)
متظاهر يرتدي قناعا للرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال تجمع احتجاجي أمام السفارة الأميركية في سول، 27 يناير 2026

ترمب بسياسته التجارية يُعلم الشركاء أن واشنطن لا يمكن الوثوق بها

عاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإطلاق تهديدات جمركية حادة ضد حليف قديم تجمعه بالولايات المتحدة روابط اقتصادية وثيقة. فقد أعلن عبر وسائل التواصل الاجتماعي عزمه رفع الرسوم على طيف واسع من السلع الكورية الجنوبية إلى 25 في المئة، بعدما كانت 15 في المئة مفروضة بموجب قانون الصلاحيات الاقتصادية في حالات الطوارئ الدولية. وبرر خطوته بعدم تصديق الجمعية الوطنية في سول حتى الآن على الإطار الذي أعلنته الحكومتان خلال الصيف الماضي.

على الأرجح ستسارع سول، إلى إقرار التشريعات التنفيذية، لكن ذلك لا يمس لب القضية. فهذه الواقعة انعكاس جديد لنهج تجاري مرتجل تحكمه التقلبات وعدم اليقين، وهو نهج وسم أداء إدارة ترمب منذ عودته إلى البيت الأبيض. وتأتي هذه الخطوة في أعقاب مداهمة نفذتها السلطات في خريف العام الماضي على مصنع تابع لشركة "هيونداي" في ولاية جورجيا، حين أوقفت الجهات الفيدرالية مئات الموظفين الكوريين الجنوبيين الذين قدموا للمساهمة في إنشاء مصنع بطاريات للسيارات الكهربائية تملكه "هيونداي" بالشراكة مع "إل جي"، وهو من الاستثمارات التي تعلن الإدارة رغبتها في جذبها. أمام هذا المشهد، ليس مستغربا أن يخلص حلفاء واشنطن إلى أن التزاماتها التجارية قابلة للتغيير وفق المزاج السياسي، وأن الاتكال عليها محفوف بالمخاطر، ما يدفعهم إلى تنويع خياراتهم والبحث عن بدائل تحفظ مصالحهم.

وسط ضجيج الخطاب، يغيب عن الأنظار واقع بسيط، وهو أن الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية ترتبطان باتفاق شامل وملزم قانونا للتجارة الحرة. ولكن لا يبدو أن لهذا المعطى وزن كبير في حسابات الإدارة الأميركية، وهي خلاصة تستوعبها سول بسرعة. وكان اتفاق التجارة الحرة بين البلدين قد وقّع عام 2007، ودخل حيز التنفيذ في مارس/آذار 2012. ومر التشريع في الكونغرس بأغلبية ساحقة من الحزبين، وأصبح قانونا نافذا في البلاد. وبموجب الاتفاق، يدخل نحو 95 في المئة من السلع الاستهلاكية والصناعية الكورية الجنوبية إلى السوق الأميركية من دون رسوم أو برسوم متدنية للغاية.

(رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلتقي الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ على هامش قمة قادة منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ (أبيك) في غيونغجو، كوريا الجنوبية، 29 أكتوبر 2025

ولكن فرض الإدارة رسوما بنسبة 15 في المئة استنادا إلى قانون الصلاحيات الاقتصادية في حالات الطوارئ الدولية أفرغ عمليا تلك الالتزامات التي أقرها الكونغرس من مضمونها. ومع إعلان "حالة طوارئ" اقتصادية مشكوك فيها أساسا، عمد البيت الأبيض إلى فرض تعريفات واسعة النطاق على حليف تتمتع معه الولايات المتحدة بعلاقة تجارية يغلب عليها الإعفاء الجمركي منذ أكثر من عقد. لقد أثبت اتفاق كوروس نجاحه، أما "الاتفاق" الذي ينتظر اليوم المصادقة عليه في سول، فلا يشكل بديلا عنه، بل يمثل طبقة من الحماية الأحادية تضاف إلى قانون أميركي قائم.

حلفاء واشنطن يرون أن التزاماتها التجارية قابلة للتغيير وفق المزاج السياسي، ما يزيد المخاطر، وهذا يدفعهم إلى تنويع خياراتهم والبحث عن بدائل تحفظ مصالحهم

ويكتسب ضيق ترمب بالمسارات التشريعية والسياسية في كوريا الجنوبية دلالة خاصة عند استحضار تاريخ الولايات المتحدة نفسها مع اتفاق كوروس. فقد تفاوضت إدارة جورج بوش على الاتفاق ووقعته في يونيو/حزيران 2007، لكنه لم يدخل حيز التنفيذ إلا في ربيع 2012، بعد ما يقارب خمسة أعوام.

وبقي الاتفاق معلقا سنوات بفعل اعتراضات داخل الولايات المتحدة، خصوصا فيما يتعلق بقطاعي السيارات واللحوم. ولم يتحرك الكونغرس إلا بعدما أعادت إدارة أوباما التفاوض على بعض بنوده عام 2010، استجابة لضغوط صناعة السيارات ونقابة عمال السيارات المتحدة. ووقع التشريع في أكتوبر/تشرين الأول 2011.

بعبارة واضحة، استغرقت الولايات المتحدة نحو خمسة أعوام للمصادقة على كوروس بعد توقيعه، وتخللت تلك الفترة إعادة تفاوض. ومع ذلك، ينتظر من الجمعية الوطنية في كوريا الجنوبية أن تقر اتفاق ترمب القائم على قانون الطوارئ، الذي أعلن في بيان صحافي قبل بضعة أشهر، من دون إبطاء. إنها ازدواجية واضحة في المعايير.

(أ.ف.ب)
رافعات وحاويات شحن في ميناء بيونغتايك في كوريا الجنوبية، 31 يوليو 2025

إن طريقة تعامل الإدارة مع سول، بدءا بتهديدات الرسوم، مرورا بمداهمة مصنع "هيونداي"، ووصولا إلى إطلاق تهديدات جديدة، تندرج ضمن نمط يدفع حلفاء واشنطن دفعا نحو الصين. ويمكن رصد هذا الاتجاه في حالات اليابان وكندا والهند.

ازدواجية بالمعايير في واشنطن تدفع دولا مثل اليابان وكندا والهند إلى فتح العلاقة التجارية مع الصين

وتختزل واقعة محددة هذا المسار بوضوح لافت، إذ شكلت مداهمة سبتمبر/أيلول على مصنع "هيونداي" في ولاية جورجيا أكبر عملية تنفيذ في موقع واحد بتاريخ وزارة الأمن الداخلي، ونفذت بالتنسيق مع وكالات إنفاذ القانون الفيدرالية الأخرى ودورية من ولاية جورجيا. وقد أوقف عناصر فيدراليون 475 عاملا، بينهم أكثر من 300 كوري جنوبي قدموا لتركيب معدات متخصصة وتدريب عمال أميركيين على مهارات غير متوافرة بأعداد كافية داخل الولايات المتحدة، على حد قول الرئيس التنفيذي لـ"هيونداي".

كُبل العمال المحتجزون بالقيود، وقضوا أسبوعا رهن الاحتجاز قبل إعادتهم جوا إلى بلادهم. ويستعد نحو 200 منهم، وفق تقارير، لمقاضاة هيئة الهجرة والجمارك الأميركية بتهم التنميط العرقي وانتهاك حقوق الإنسان والاعتقال غير القانوني. وأعيد لاحقا تفعيل تأشيرات الأعمال من فئة (B-1) لعدد منهم، في إقرار صامت بأن وجودهم كان قانونيا منذ البداية.

تسببت المداهمة في أزمة دبلوماسية وأخرت افتتاح المصنع أشهرا. كما وجهت إلى الشركات الكورية الجنوبية رسالة واضحة مفادها أن استثماراتها في الولايات المتحدة غير آمنة، وأن عمالها قد يعاملون كما لو كانوا مجرمين.

(أ.ف.ب)
منشأة "هيونداي ميتابلانت" في إلابل، بولاية جورجيا الأميركية، 9 سبتمبر 2025

وليست هذه هي المرة الأولى التي تمارس فيها إدارة ترمب ضغوطا قاسية على سول في الملفات التجارية. ففي ولايته الأولى لوح بالانسحاب الكامل من اتفاق كوروس، واصفا إياه بأنه "اتفاق مروع" و"كارثة هيلاري كلينتون". تحت وطأة ذلك الضغط، وافقت سول على إعادة التفاوض. ودخلت التعديلات المحدودة حيز التنفيذ عام 2019. وفي حينه، أعلن الرئيس في أجواء احتفالية أن الاتفاق المعدل يمثل "صفقة عظيمة للعمال الأميركيين والكوريين".

مداهمة مصنع "هيونداي" للسيارات واعتقال عمال من كوريا الجنوبية يدربون الأميركيين على معدات متخصصة تسببت بأزمة دبلوماسية وأخرت افتتاح المصنع أشهرا

وفي الفترة نفسها تقريبا، فرضت إدارة ترمب رسوما صارمة بدعوى "الأمن القومي" على منتجات الصلب من معظم دول العالم، بما فيها كوريا الجنوبية. ولتفادي تلك الرسوم، تفاوضت سول على حصة لا تتجاوز 70 في المئة من حجم صادراتها السابقة من الصلب، وهو قيد لا يزال قائما حتى اليوم.

أدخلت تلك التغييرات حيز التنفيذ عام 2019 من دون تصويت في الكونغرس. وعندما اقتضت المصلحة، لم تتردد الإدارة في تجاوز السلطة التشريعية. أما اليوم، فيطالب ترمب برلمانا أجنبيا بأن يتحرك بسرعة استجابة لإنذاره الأخير، في وقت يتآكل فيه رصيد الثقة بين سول وواشنطن.

تكشف هذه الحلقة عن إشكالية عميقة في مقاربة إدارة ترمب للسياسة التجارية. وواقع الحال أن "الاتفاقات" التي أعلنتها الإدارة مع كوريا الجنوبية والاتحاد الأوروبي وغيرهما لا ترقى إلى اتفاقات تجارية مكتملة الأركان. وكما أفادت صحيفة "وول ستريت جورنال"، أبرمت الإدارة أكثر من اثني عشر ترتيبا من هذا النوع. وذكرت أن "معظمها غير ملزم قانونا" و"لا يتجاوز صفحة أو صفحتين". هذه الترتيبات تبقى في إطار السلطة التنفيذية وحدها، من دون مشاركة الكونغرس، بينما يتطلب تنفيذها في الخارج غالبا تشريعات وتعديلات قانونية. ويزيد الأمر تعقيدا أن الرئيس يواجه قدرا كبيرا من عدم الثقة في الخارج، ما يجعل تثبيت تلك الترتيبات في قوانين وطنية خطوة مكلفة سياسيا للمشرعين الأجانب.

(رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتسلم وسام "غراند أوردر أوف موغونغهوا" وتاجا ذهبيا مقلدا خلال لقائه الرئيس الكوري الجنوبي على هامش قمة قادة منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ (أبيك) في غيونغجو، كوريا الجنوبية، 29 أكتوبر 2025

ويكمن في أساس الاضطراب التجاري بين الولايات المتحدة وكوريا أن إدارة ترمب قادرة على فرض رسوم جمركية بقرار أحادي، مستندة إلى صلاحيات واسعة تزعم أنها مستمدة من قانون الطوارئ الاقتصادية، وهي صلاحيات لم يكن الكونغرس فيما يبدو يقصد منحها بهذا الاتساع. في المقابل، يعمل الشركاء التجاريون للولايات المتحدة ضمن أنظمة دستورية تمنح البرلمانات دورا فعليا في السياسات المالية والتجارية.

ترمب يطالب برلمان كوريا الجنوبية بالتحرك سريعا استجابة لإنذاره الأخير، في وقت يتآكل فيه رصيد الثقة بين سول وواشنطن

وقد يعود هذا الخلل إلى هشاشة الأساس القانوني لتلك الرسوم المفروضة بموجب قانون الطوارئ. فقد استمعت المحكمة العليا في نوفمبر/تشرين الثاني إلى المرافعات الشفوية بشأن قانونية هذه الرسوم، وأبدى عدد من القضاة تشككا في أن يكون الكونغرس قد فوض، أو حتى استطاع أن يفوض، مثل هذه السلطة الواسعة في فرض الرسوم للرئيس. ومن المنتظر صدور قرار قريبا، وقد يفضي إلى إسقاط الإطار برمته.

على مدى سنوات، أثارت إدارات متعاقبة وقطاعات واسعة من الحزبين في الكونغرس مخاوف مشروعة إزاء ممارسات الصين التجارية والاستثمارية، بما في ذلك توجيه الدولة لعمليات نقل التكنولوجيا عبر قيود الاستثمار الأجنبي والهجمات الإلكترونية. غير أن إدارة ترمب، بدلا من توثيق الروابط الاقتصادية مع الحلفاء الذين يشاطرون واشنطن هذه الهواجس، اختارت نهجا يصطدم بهم، وكوريا الجنوبية في طليعتهم. وبهذا السلوك، ترسل الولايات المتحدة رسالة مفادها أن اتفاقاتها التجارية تفتقر إلى الاستقرار، وأن من الحكمة البحث عن بدائل. وتبعات هذا المسار على المستوى الاستراتيجي ثقيلة.

وقال الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ أخيرا إنه يتطلع إلى "استعادة كاملة" للعلاقات مع الصين، فيما أعلن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن "شراكة استراتيجية" جديدة مع بكين، تضمنت، في جملة ما تضمنت، خفض الرسوم على السيارات الكهربائية الصينية، وهي مسألة يعدها صانعو السياسات في واشنطن مصدر قلق أمني جدي. وسعيا إلى تعزيز الروابط الاقتصادية الثنائية، توجه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، برفقة عدد من قادة الأعمال، إلى بكين الشهر الماضي في أول زيارة لزعيم بريطاني منذ ثمانية أعوام.

(رويترز)
الزعيم الصيني شي جينبينغ يصافح الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ في قاعة الشعب الكبرى في بكين، الصين، 5 يناير 2026

حلفاء الولايات المتحدة لم يقعوا فجأة في هوى بكين. إنهم يعيدون تموضعهم لأن واشنطن باتت شريكا يفتقر إلى الثبات ويعامل حلفاءه كما لو كانوا خصوما. وكما قال أحد المحللين لصحيفة "وول ستريت جورنال": "ليست الصين أكثر جاذبية، لكنها أصبحت أكثر ضرورة".

على مدى عقود كان الكونغرس وإدارات متعاقبة يتخوفون من ممارسات الصين، غير أن إدارة ترمب، بدلا من توثيق الروابط الاقتصادية بالحلفاء الذين يشاطرون واشنطن هواجسها، اختارت نهجا يصطدم بهم

ما نشهده هو استخدام تعسفي لأدوات الإكراه الاقتصادي الأميركي بحق شريك اقتصادي مهم في منطقة حيوية من العالم. فقد استثمرت شركات كورية جنوبية مليارات الدولارات في قطاعات التصنيع المتقدم في الولايات المتحدة، وهو بالضبط نوع الاستثمار الذي تقول إدارة ترمب إنها تسعى إلى استقطابه عبر سياساتها الجمركية ومفاوضاتها التجارية.

ولعل أكثر ما يثير الدهشة أن سول لا تتلقى إشارات حول أهداف السياسة التجارية الأميركية عبر القنوات الدبلوماسية المعتادة، وإنما عبر منصة "تروث سوشيال". وعادة لا تدار السياسات التجارية في الدول الجادة على هذه الطريقة، ولا يتعامل الحلفاء مع بعضهم على هذا الغرار. ومع ذلك، تتعامل الإدارة مع سول بقدر من الاستخفاف الواضح.

تكمن المشكلة الأعمق في تراجع الكونغرس عن أداء دوره الدستوري. فبينما يمنحه الدستور سلطة تنظيم التجارة مع الدول الأجنبية، نجده يسمح للسلطة التنفيذية بأن تستأثر بصلاحيات أحادية واسعة.

(أ.ف.ب)
مركبات مخصصة للتصدير في ميناء بيونغتايك في كوريا الجنوبية، 8 يوليو 2025

لم يكن المقصود من قانون الطوارئ الاقتصادي أن يجيز إعادة صياغة جدول الرسوم الأميركي بقرار منفرد، أو إبطال اتفاقات تجارية أقرها الكونغرس وثبتها في التشريع. وقد تقضي المحكمة العليا بإسقاط هذه الرسوم. لكن أيا كان حكم القضاة، يظل لزاما على الكونغرس أن يستعيد قدرا من سلطته.

ما نشهده هو استخدام تعسفي لأدوات الإكراه الاقتصادي الأميركي بحق شريك اقتصادي مهم في منطقة حيوية من العالم

من المرجح أن تقر الجمعية الوطنية في كوريا الجنوبية التشريعات التنفيذية قريبا. غير أن الخلل الأعمق، والمتمثل في سياسة تجارية أحادية مضطربة ومزاجية، سيبقى ما دام ترمب في منصبه. وفي غياب تحرك من الكونغرس، ستدار السياسة الاقتصادية الدولية للولايات المتحدة عبر منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، قابلة للتراجع تبعا لتقلبات الرئيس. وسيكون لذلك أثر في كبح النمو الاقتصادي، ورفع الأسعار على المستهلكين الأميركيين، وإضعاف الروابط الاقتصادية مع شركاء تجاريين مهمين.

مع كل تعهد يُنقض وكل تهديد جمركي يعلن عبر وسائل التواصل الاجتماعي يترسخ لدى الشركاء الاقتصاديين البارزين قناعة بأن الاتفاقات التجارية الأميركية لا تعادل قيمة الورق الذي كتبت عليه. وهم يستوعبون ذلك بسرعة.

font change

مقالات ذات صلة