لم تزدهر مدينة في تاريخ اليمن مثلما ازدهرت عدن، ولم تُبتلَ مدينة في حياة اليمن كما ابتُليت عدن، وكلاهما- الازدهار والابتلاء- كانا بسبب موقعها الاستراتيجي على مفترق طرقِ ملاحة دولية وممرات تجارية عالمية مهمة بالقرب من مضيق "باب المندب" الرابط بين البحر الأحمر وبحر العرب.
شهدت عدن أطوارا عديدة من المجد والسلام، وعانت كذلك فصولا متكررة من الألم والصراع نتيجة التكالب الشديد على احتلالها والسيطرة عليها، بدءا من الرومان والبرتغاليين والأحباش والفرس قبل الإسلام، مرورا بالعثمانيين والإنجليز وانتهاء بالسوفيات خلال القرنين الماضيين.
بفعل هذه الدورات المتتالية من الغزو والهيمنة الأجنبية، تشكلت طبيعة عدن الديموغرافية المؤلفة من أعراق وأجناس مختلفة، وتنوعت ثقافاتها بين سائر الأديان، إذ احتضنت الكثير من المساجد والقباب والمزارات والكنائس والمعابد من شتى المذاهب والديانات والطوائف كما لم تحفل به حينها أي مدينة أخرى في العالم.
هذا النوع من "التعايش" الذي وجدت عدن نفسها فيه، جرى قصدا أو تلقائيا، خصوصا عندما استقدمت الإدارة البريطانية المئات من "الكفاءات البشرية المؤهلة" من جنسيات متنوعة من رعاياها الذين قدموا من مستعمراتها السابقة، غير أن ذلك كان على حساب اليمنيين الذين عملت بريطانيا على الحد من قدومهم إلى عدن إلى أدنى حد ممكن، وأنشأت من حولها عددا من السلطنات والمحميات والمشيخات، إذ لم تكن بريطانيا تحتاج آنذاك إلا إلى عدن للاستفادة من مينائها التاريخي في تخزين وإعادة تصدير البضائع منه إلى الهند ودول أخرى في شرق أفريقيا، علاوة على ما يوفره ميناؤها من كلفة منخفضة عند إبحارها بدلا من الخط البحري القديم عبر "رأس الرجاء الصالح" وذلك إلى أوروبا ومنها، سيما بعد شق قناة السويس التي ربطت لاحقا البحر المتوسط بالبحر الأحمر.
التكوين الاجتماعي لمدينة عدن
لم تحتفظ المدينة وقتها إلا بعدد محدود من العائلات "العدنية الأصل" التي نشأ بينها وبين سكان المناطق المحيطة بها فارق ملحوظ في التعليم والثقافة والمعيشة عموما، وأبعد من ذلك أن ظهرت لدى بعض سكان عدن نزعة جهوية ترى أن عدن يجب أن تكون لـ"العدنيين" ولا ينبغي أن يكون فيها مكان لـ"الجبالية" القادمين من مناطق الجبال القبلية الأخرى حفاظا على هويتها الخاصة.
ولم تعد عدن منذ ذلك الحين مدينة لكل اليمنيين إلا في مرحلة تالية بعد جلاء بريطانيا عنها في الـ30 من نوفمبر/تشرين الثاني عام 1967 وذلك على الرغم من النزاع الذي اندلع على السلطة بين كل من "جبهة التحرير" التي دعمتها مصر الناصرية و"الجبهة القومية" ذات التوجه اليساري المدعومة من قبل السوفيات، وأسفر ذلك عن نزوح عدد غير قليل من السكان إلى مناطق الشمال وبعض بلدان الخليج العربية، وخصوصا من فئة التجار ورجال الأعمال الذين تضرروا من سياسات المصادرة والتأميم التي انتهجتها الجبهة القومية.



