عدن مدينة وتاريخ... عبقرية المكان وعبث السياسة

تدفع عدن ثمنا لصراعات قبلية ومحلية وإقليمية لا دخل لها بها

رويترز
رويترز
صورة جوية لقلعة سيرا، المطلة على الميناء القديم لمدينة عدن، اليمن، 16 أكتوبر 2025

عدن مدينة وتاريخ... عبقرية المكان وعبث السياسة

لم تزدهر مدينة في تاريخ اليمن مثلما ازدهرت عدن، ولم تُبتلَ مدينة في حياة اليمن كما ابتُليت عدن، وكلاهما- الازدهار والابتلاء- كانا بسبب موقعها الاستراتيجي على مفترق طرقِ ملاحة دولية وممرات تجارية عالمية مهمة بالقرب من مضيق "باب المندب" الرابط بين البحر الأحمر وبحر العرب.

شهدت عدن أطوارا عديدة من المجد والسلام، وعانت كذلك فصولا متكررة من الألم والصراع نتيجة التكالب الشديد على احتلالها والسيطرة عليها، بدءا من الرومان والبرتغاليين والأحباش والفرس قبل الإسلام، مرورا بالعثمانيين والإنجليز وانتهاء بالسوفيات خلال القرنين الماضيين.

بفعل هذه الدورات المتتالية من الغزو والهيمنة الأجنبية، تشكلت طبيعة عدن الديموغرافية المؤلفة من أعراق وأجناس مختلفة، وتنوعت ثقافاتها بين سائر الأديان، إذ احتضنت الكثير من المساجد والقباب والمزارات والكنائس والمعابد من شتى المذاهب والديانات والطوائف كما لم تحفل به حينها أي مدينة أخرى في العالم.

هذا النوع من "التعايش" الذي وجدت عدن نفسها فيه، جرى قصدا أو تلقائيا، خصوصا عندما استقدمت الإدارة البريطانية المئات من "الكفاءات البشرية المؤهلة" من جنسيات متنوعة من رعاياها الذين قدموا من مستعمراتها السابقة، غير أن ذلك كان على حساب اليمنيين الذين عملت بريطانيا على الحد من قدومهم إلى عدن إلى أدنى حد ممكن، وأنشأت من حولها عددا من السلطنات والمحميات والمشيخات، إذ لم تكن بريطانيا تحتاج آنذاك إلا إلى عدن للاستفادة من مينائها التاريخي في تخزين وإعادة تصدير البضائع منه إلى الهند ودول أخرى في شرق أفريقيا، علاوة على ما يوفره ميناؤها من كلفة منخفضة عند إبحارها بدلا من الخط البحري القديم عبر "رأس الرجاء الصالح" وذلك إلى أوروبا ومنها، سيما بعد شق قناة السويس التي ربطت لاحقا البحر المتوسط بالبحر الأحمر.

التكوين الاجتماعي لمدينة عدن

لم تحتفظ المدينة وقتها إلا بعدد محدود من العائلات "العدنية الأصل" التي نشأ بينها وبين سكان المناطق المحيطة بها فارق ملحوظ في التعليم والثقافة والمعيشة عموما، وأبعد من ذلك أن ظهرت لدى بعض سكان عدن نزعة جهوية ترى أن عدن يجب أن تكون لـ"العدنيين" ولا ينبغي أن يكون فيها مكان لـ"الجبالية" القادمين من مناطق الجبال القبلية الأخرى حفاظا على هويتها الخاصة.

ولم تعد عدن منذ ذلك الحين مدينة لكل اليمنيين إلا في مرحلة تالية بعد جلاء بريطانيا عنها في الـ30 من نوفمبر/تشرين الثاني عام 1967 وذلك على الرغم من النزاع الذي اندلع على السلطة بين كل من "جبهة التحرير" التي دعمتها مصر الناصرية و"الجبهة القومية" ذات التوجه اليساري المدعومة من قبل السوفيات، وأسفر ذلك عن نزوح عدد غير قليل من السكان إلى مناطق الشمال وبعض بلدان الخليج العربية، وخصوصا من فئة التجار ورجال الأعمال الذين تضرروا من سياسات المصادرة والتأميم التي انتهجتها الجبهة القومية.

لكن عدن مثل شقيقتها صنعاء، لم تنج من نزاع "الإخوة الأعداء" على غرار ما جرى يوم 13 يناير 1986 عندما اصطدم جناحان في "الحزب الاشتراكي" الحاكم

ولكن بقيت هناك حقائق يصعب إنكارها، وهي أن عدن كانت في زمن الاحتلال البريطاني أول مدينة في الشرق الأوسط تنطلق منها رحلات طيران إلى وجهات متعددة، بينها أوروبا والهند الصينية، والأولى في منطقة الجزيرة العربية، على الأقل، التي كان لها تلفزيون ودور سينما ومسرح ومكتبات ومتاحف تزار، وملامح تمدن، خصوصا في ما يتعلق بمشاركة المرأة في الحياة العامة.

لكن عدن مثل شقيقتها صنعاء، لم تنج من نزاع "الإخوة الأعداء" على غرار ما جرى يوم 13 يناير/كانون الثاني 1986 عندما اصطدم جناحان في "الحزب الاشتراكي" الحاكم، وأسفر ذلك عن مقتل وإصابة آلاف الأشخاص من الجانبين، وترك جراحا وثارات وأسبابا لتكرار الصراع السياسي لا تزال قائمة حتى اليوم.

عدن بعد الوحدة

شهدت عدن بعد توحيد شطري البلاد يوم 22 مايو/أيار عام 1990 طفرة تنموية لافتة، وأعيد تأهيل بناها التحتية، بما في ذلك ميناؤها التاريخي الذي تحول إلى نواة لمنطقة اقتصادية، تجارية وصناعية،  حرة تجعل من عدن سوقا عالمية عملاقة، لكن كل هذه التطلعات تبخرت بسبب النزاعات السياسية وقضايا الفساد التي أثيرت، وتسببت في اندلاع ما عرف حينها بـ"حرب الانفصال" صيف عام 1994.

استمرت الأمور على هذا المنوال إلى حين انهيار نظام الرئيس الراحل علي عبدالله صالح، بفعل الاحتجاجات التي عمت البلاد. ومن ذلك عدن بدعوى "مظلوميات" عاناها جنوب البلاد، واندلاع الحرب مع جماعة الحوثيين التي تم دحرها منها بعد ذلك، عقب تدخل عسكري قادته السعودية.

عدن في زمن الحرب

يحز في نفوس كثيرين أن تدفع عدن ثمنا لصراعات قبلية ومحلية وإقليمية لا دخل لها بها، ولا تحمل أي معنى بالنسبة لها أو حتى لغيرها سوى العبث والفوضى.

فشل الجميع في جعل عدن تصبح بالفعل "عاصمة مؤقتة" للبلاد، بديلة عن العاصمة التاريخية لليمن صنعاء، التي استولى عليها الحوثيون الموالون لإيران بقوة السلاح، حيث كان بإمكان عدن أن تتحول إلى مدينة لجميع اليمنيين تستفيد من استثماراتهم وقدراتهم كما استفادت من ذلك مدن أخرى كـ"مأرب" مثلا التي تحولت من بلدة بدوية نائية لا يزيد عدد سكانها على 30 ألف نسمة إلى مدينة يقطنها اليوم أكثر من مليونين ونصف المليون مواطن يمني من مختلف أنحاء البلاد.

أ.ف.ب
فصائل من الجيش البريطاني تقوم بدوريات في صحراء عدن، في 23 يناير 1957

وقد ظلت عدن قبل الحرب تستفيد من نفط خام مأرب المحسن لتشغيل مصفاتها، وتعيد تدوير منتجاته في السوق المحلية، وتوفر عائدات تدعم ميزانية الحكومة، كما كانت تحصل على إمدادات الكهرباء والغاز من مأرب، وكانت عائدات مأرب مصدرا لدفع مرتبات آلاف الجنود في الكثير من المناطق العسكرية، لكن عدن أصبحت محرومة من كل ذلك بسبب مكايدات، هدفها الوحيد كان سياسيا يهدف إلى عرقلة استفادة مأرب من عائدات صادراتها من النفط والغاز والكهرباء، والتسبب في أزمة وقود وكهرباء في عدن، خصوصا خلال شهور صيف عدن القائظ.

يرى البعض في ما جري نوعا من (التخادم) مع ما تقوم به جماعة الحوثيين من اعتداءات واستفزازات لمأرب، رغم إدراك الجميع أن أمنها واستقرارها إلى جانب حضرموت المجاورة "خط سعودي أحمر" لجهة الأمن القومي للرياض بسبب الترابط الجغرافي والتداخل الاجتماعي الواسع مع هاتين المحافظتين تحديدا ناهيك عن بقية البلاد.

حضور المرأة

في تعبير عن فاعلية وحيوية دور المرأة في عدن، كانت مظاهرات النساء التي شهدتها المدينة خلال الأعوام الماضية، احتجاجا على تردي الأوضاع المعيشية، وعلى رأسها نقص إمدادات المياه والكهرباء، وهي المظاهرات التي أظهرت حالة من الإحباط واليأس عند النساء من كل الأطراف التي تتحكم بمصير وحياة المواطنين في المدينة، الحكومة الشرعية و"المجلس الانتقالي الجنوبي" على حد سواء، وكشفت عن الحاجة إلى تجاوز الانقسامات والمماحكات السياسية والمناطقية، والعمل على تأمين الاحتياجات الأساسية للسكان من أمن وغذاء ومياه وطاقة كهربائية، وضمان صرف مرتبات الموظفين العموميين، في كل الأجهزة والقطاعات، في مواعيد محددة، ودون انقطاع أو تأخير.

متاهة سياسية أخرى

أضاع بعض "الانعزاليين" على عدن فرصة أن تكون ساحة تعمل عليها كل القوى والأحزاب السياسية الوطنية من أجل استعادة الدولة اليمنية لا أن يحتكرها فصيل معين جرى اتهامه بابتزاز الحكومة "الشرعية" وذلك من أجل فرض رؤيته ومشروعه الأحاديّ الانفصالي في ظل الحرب التي تمزق البلاد، وفي ظروف محلية وإقليمية ودولية غير مواتية.

أ.ف.ب
حطام سيارة بعد تفجير في عدن 21 يناير 2026

نعلم اليوم أنه لا يمكن بالقوة فرض أي أمر واقع إلى ما لا نهاية، لا الحرب ولا السلام، ولا الوحدة أو الانفصال، وأن ثمة أولويات لا بد من أخذها بعين الاعتبار، وترتيبات معينة لا بد من التوافق عليها، حيث قال رئيس الوزراء الأسبق، حيدر أبو بكر العطاس، إنه إذا أراد الجنوبيون الانفصال، وهذا ليس محل إجماع، فإنه "يجب الخروج من الوحدة باتفاق مثلما تم الدخول فيها باتفاق". وما عدا ذلك هو المزيد من التناحر والخصومات التي لا طائل منها، ولا من أحد مستعد لتحمل استمرارها دون هدف أو أفق واضح.

أضاع بعض "الانعزاليين" على عدن فرصة أن تكون ساحة تعمل عليها كل القوى والأحزاب السياسية الوطنية من أجل استعادة الدولة اليمنية لا أن يحتكرها فصيل معين جرى اتهامه بابتزاز الحكومة "الشرعية"

كم يبدو مؤلما لدى غالبية اليمنيين أن "مدينة" عرفت "المدنية" قبل معظم المدن في المنطقة تحولت خلال السنوات العشر الماضية إلى ما يشبه "قرية كبيرة" وليس هذا فحسب بل إلى قرية بلا كهرباء ولا خدمات أساسية، قرية مختطفة بيد مسلحين منفلتين يقتلك البعض منهم بالهوية، وبمجرد أن يكون في جيبك كمسافر بضعة دولارات، على شاكلة أعمال القتل والاعتداء والإهانة التي تعرض لها عابرون من مطار عدن إلى مناطقهم في مدن الشمال.

شهادات وإفادات

وصف ثقاة، مثقفون سياسيون وعسكريون وصحافيون، ممن التقيتهم في عواصم عربية وشرق أوسطية وأوروبية عدة، قادمون من عدن، أحوال المدينة بأنها "لم تكن في كل تاريخها أسوأ مما هي عليه" خلال تلك السنوات، وشكوا من "تعدد وتنازع الأطراف السياسية والميليشيات" التي لا تحكم السيطرة على الأوضاع في عدن وإدارة شؤونها، لا مجتمعة ولا منفردة، وتحافظ على اعتبارها كمدينة جامعة كالتي كانت عليه شقيقاتها كالقاهرة وبغداد ودمشق وبيروت، وبأن "عدن تموت كل يوم، ونحتاج إلى عودة، في أفضل الأحوال، للمساواة في الظلم" كما يرون، ففي رأيهم أن المساواة في ذلك نوع من العدل.

كانت الأرض، في رأي هؤلاء، "مشطرة بين دولتين قبل الوحدة، لكن اليمنيين كانوا موحدين في مشاعرهم وعلاقاتهم ببعضهم" غير أن العكس بات هو الواقع، بين "أرض ممزقة إلى أكثر من شطر، وشعب يعاني الكثير من الفرقة في الداخل والشتات في الخارج".

إعادة إنتاج الماضي

ظل هناك ولا يزال من يحاول فرض واقع في عدن لا تحتمله المدينة، بل وسعى إلى إعادة رسم خريطة اليمن إلى ما كانت عليه قبل وحدة عام 1990 التي جرى إعلان قيامها من عدن، ووصلت المبالغة لدى البعض حد نفْي صلة جنوب البلاد بشمالها، وإنكار أن كان هناك يمن واحد، قال عنه إمرؤ القيس قبل الإسلام في ما يشبه حاله اليوم:

تَطَاوَلَ اللَّيل عَلَينا دَمّونْ

دَمّون إِنَّا مَعْشَر يَمَانونْ

وَإِنَّنَا لأَهْلِنا محِبّونْ

تقع منطقة (دمون) التاريخية في وادي "دوعن" وسط حضرموت، أي موطن قبيلة كندة التي ينتمي إليها امرؤ القيس، وهي واحدة من بطون مملكة حِميَر.

أ.ف.ب
سفينة شحن راسية في مدينة عدن الساحلية الجنوبية، في 31 ديسمبر 2025

كما يحاول البعض اليوم أن يتناسى كل ما رسخ في تاريخ ووجدان وذاكرة اليمنيين والعرب عن رمزية ومكانة عدن، ابتداء من قصيدة عمرو بن أبي ربيعة خلال رحلته لزيارة لأخواله:

"تقول عِيْسِـي وقد وافيْــت مبتهـلا

"لَحْجا" وبانت ذرَى الأعلامِ من "عدنِ"

أَمنْتَهى الأَرْضِ يا هـذا تريــد بِنَـا؟

فَقلت كَـلَّا، ولكـنْ منْتَهَـى "اليَمَــنِ".

وليس انتهاء بقول محمود درويش:

ذَهَبْنَا إِلَى عَدَن قَبْلَ تَارِيخنَا، فَوَجَدْنَا اليَمَنْ

حَزِينا عَلَى امْرئِ القَيْسِ، يَمْضَغ قاتا، وَيَمْحو الصّوَرْ

أَمَا كنْتَ تدْرِك، يَا صَاحِبِي، أَنَّنَا لاَحِقَانِ بِقَيْصَرِ هَذَا الزَّمَنْ؟".

ما الذي يحدث اليوم؟

منذ أن أعاد التحالف الذي تقوده السعودية الإمساك بزمام الأمور في محافظات جنوب اليمن "المحررة" تنفس سكان هذه المحافظات الصعداء، فقد ساعد التدخل السعودي سكان حضرموت والمهرة على إجبار  ميليشيات المجلس الانتقالي الجنوبي على الانسحاب صاغرة من المحافظتين، حضرموت والمهرة، شرق البلاد بعد أسابيع من غزوهما والانتهاكات الجسيمة التي جرت خلال هذه المغامرة، ونتج عن ذلك هروب زعيم المجلس عيدروس الزبيدي خارج البلاد وإعلان المجلس من الرياض عن حل نفسه.

أ.ف.ب
مقاتلون من فصيل زعيم قبيلة بيدان، يدعمون القوات البريطانية، ويحرسون حدود المحمية البريطانية في عدن، جنوب اليمن، في 17 يناير 1957

اليوم تعود عدن إلى عدن وتستعيد المدينة اليقين والثقة بذاتها ومستقبلها بعد ما يزيد على عشر سنوات من الحرب والخوف والضياع والتيه والعبث، وقد تابعت مثل غيري من المراقبين بهجة سكان عدن بخروج التشكيلات والقوى العسكرية المتنافسة إلى خارج المدينة، وبعودة معظم الخدمات العامة الأساسية للعمل، كالكهرباء والمياه والصحة والتعليم وغيرها، ولاحظت امتنانهم العالي للدعم السخي واللامحدود الذي تقدمه المملكة الجارة لإعادة تأهيل ميناء المدينة التاريخي ومطارها الدولي ومنافذها البرية والبحرية من وإلى كل أخواتها من المحافظات اليمنية المحيطة بها التي تشهد هي الأخرى تفاؤلا واضحا بإمكانية زوال مظاهر البؤس التي عاشتها خلال الأعوام الماضية وبإعادة تطبيع مختلف أشكال الحياة فيها بصرف النظر عن التباينات الموضوعة على طاولة الحوار الجنوبي-الجنوبي المتوقع أن ينطلق قريبا في العاصمة السعودية الرياض.

منذ أن أعاد التحالف الذي تقوده السعودية الإمساك بزمام الأمور في محافظات جنوب اليمن "المحررة" تنفس سكان هذه المحافظات الصعداء

مع كل الاحترام لخيارات سكان عدن والجنوبيين واليمنيين كافة، فإنه ينبغي مصارحة الجميع بأنه يستحيل تجاوز حقائق الجغرافيا ووقائع التاريخ أو التلاعب والعبث بجغرافيا عدن السياسية والاجتماعية، وأن عدن يجب أن تظل "عاصمة مؤقتة" تعمل فيها الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا، وأن تستغل ميناءها للتجارة بين شرق العالم وغربه، وتبقى سوق عمل لأفضل الكفاءات والمؤهلين والباحثين عن فرص عمل لائقة ولقمة عيش كريمة لأبناء اليمن أجمع.

font change

مقالات ذات صلة