ميزان الدولار يتأرجح على وقع عدم اليقين العالمي

سعي أميركي لإضعاف العملة الخضراء يدعمه إندفاع محموم لاكتناز الذهب

"المجلة"
"المجلة"

ميزان الدولار يتأرجح على وقع عدم اليقين العالمي

تعيش الأسواق العالمية منذ بداية العام تقلبات حادة في المؤشرات، تعكس حالة من عدم اليقين النقدي والمالي والاقتصادي، في مشهد عالمي مضطرب جيوسياسيا ومهدد عسكريا، وسط تنافس حاد على حيازة المعادن الحيوية، واكتناز الثمينة منها. وتمثل المضاربات على الذهب والفضة، وعدم استقرار أسعار المواد الأولية والطاقة، وتقلبات سعر صرف الدولار، قلقا إضافيا لواضعي السياسات المالية، وللمصارف المركزية.

وتجاوز سعر الذهب 5,500 دولار للأونصة في نهاية الشهر الماضي، في وقت تراجع الدولار أمام جل العملات الدولية. وانتعش الدولار مجددا بعدما فقد الذهب جزءا من قيمته بسبب جني الأرباح، مدفوعا بترشيح كيفن وارش لرئاسة الاحتياطي الفيديرالي، في انتظار إجراءات تصحيحية منتظرة، تطال أسعار الفائدة والمديونية الأميركية.

واعتبرت صحيفة "وول ستريت جورنال"، "أن العلاقة تقنية بين الذهب والدولار، تخدم غالبا المعدن الثمين الذي يقوّم بالدولار، ويجني الأرباح من تراجعه".

ومعروف أن الطلب على الذهب يتعاظم في زمن الأزمات، كما أن فرض العقوبات الاقتصادية والتجارية والمالية، تدفع الدول نحو المعادن الثمينة باعتبارها ملاذات آمنة، في مواجهة أخطار شح العملات النقدية.

يحظى الدولار حاليا بحماية الأسواق، أكثر مما يحظى بدعم الإدارة الأميركية، التي تريده ضعيفا نسبيا لتحفيز الصادرات والاستثمارات

وكان الذهب ارتفع أكثر من 60 في المئة العام المنصرم، وسجل ارتفاعا بنسبة 11 في المئة في يناير/كانون الثاني الماضي، قبل أن يعود وينخفض 9 في المئة مطلع شباط/فبراير. كذلك، تجاوز سعر الفضة 110 دولارات الشهر الماضي، على وقع اندفاعة محمومة نحو المعادن الثمينة.

مؤشرات أميركية تنعش الدولار

الدولار الى أين في ظل عدم اليقين الاقتصادي والنقدي والعالمي؟

في تحليل لصحيفة "ذي إكونوميك تايمز" الهندية، "أن جني الأرباح، واستعادة الدولار بعضا من قوته، جاء في ظل مخاوف جيوسياسة ونقدية، وأخطار عودة التضخم، ضغطت على الأسواق في الأيام الأخيرة"، معتبرة أن "المعدلات المسجلة في أسعار الذهب تبقى تاريخية على الرغم من تراجعها".

رويترز
سبائك ذهب معروضة بمتجر وسط ميونيخ، ألمانيا، 28 يناير 2026

وتعد الهند من أكبر أسواق الذهب في جنوب آسيا والشرق الأدنى. وكان الرئيس دونالد ترمب أعلن خفض الرسوم الجمركية على الهند من 50 إلى 18 في المئة فقط، متراجعا عن تهديدات سابقة في شأن عقوبات على خلفية مشترياتها من النفط الروسي. وهذه الخطوة هي أيضا من الرسائل "المشفرة" بين الرئيس والأسواق، مما عزز الطلب على الدولار، الذي يحظى حاليا بحماية الأسواق، أكثر مما يحظى بدعم الإدارة الأميركية، التي تريده ضعيفا نسبيا لتحفيز الصادرات والاستثمارات.

ويراهن ترمب على جذب نحو 18 تريليون دولار من الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى الولايات المتحدة، خصوصا من الاتحاد الأوروبي ودول الخليج واليابان والصين وكوريا الجنوبية، وفق تصريحاته في البيت الأبيض. غير أن محللين يشككون في هذه الأرقام، ويعتبرون أنها تنطوي على قدر من المبالغة، ويتوقعون ألا تتجاوز الاستثمارات الإجمالية 9,5 تريليونات دولار خلال ولاية ترمب، وفق صحيفة "ليزيكو" (les Echos) الفرنسية المتخصصة في الشؤون الاقتصادية.

يتوجس الاقتصاد العالمي من حدوث فقاعات تكنولوجية ومالية أو نقدية، مماثلة لأزمة الرهن العقاري الأميركية، في حال تفاقم المضاربات على المعادن الثمينة وسعر صرف الدولار

كما اعتبر محللون أن تحسن أداء الاقتصاد الأميركي العام المنصرم، وتراجع التضخم، وترشيح كيفن وارش، الذي سبق أن توقع حدوث الأزمة المالية العالمية عام 2008، لخلافة جيروم باول على رأس الفيديرالي الأمريكي، قد "تمنح بعض الضمانات للأسواق في ظل مناخ عالمي مضطرب". ومن المتوقع أن يلعب الاحتياطي الفيديرالي دورا محوريا في السياسة النقدية الأميركية، بحيث يعمل على خفض أسعار الفائدة، ويبعث الثقة بين الشركاء والمتعاملين، بعدما تزايدت الانتقادات ضد سياسة الرئيس المالية والنقدية والتجارية.

مخاوف من فقاعات في الأفق

يتوجس الاقتصاد العالمي من حدوث فقاعات تكنولوجية مالية أو نقدية، مماثلة لأزمة الرهن العقاري الأميركية، في حال تفاقم المضاربات على المعادن الثمينة وسعر صرف الدولار. ويعتقد محللون أن فك الارتباط بينهما عام 1971 لا يعني نهاية العلاقة بين الورقة الخضراء والذهب، إذ لا تزال الولايات المتحدة تحمل مسؤولية الحفاظ على توازن دقيق بين العملة الأميركية والمعدن الأصفر.

رويترز
لوحة عند مدخل وزارة الخزانة في واشنطن، 20 يناير 2023

وعندما سئل ترمب عن رأيه في تراجع الدولار إلى أدنى مستوى له منذ أربع سنوات، أجاب "إنه شيء رائع"، فهو يعتقد أن عملة أميركية ضعيفة من شأنها تعزيز القدرة التنافسية الخارجية، وزيادة الصادرات، ومعالجة بعض من عجز الميزان التجاري الذي وصل إلى تريليون دولار عام 2024، إذ كلما ارتفعت قيمة تكلفة الواردات، عجز الأميركيون عن شراء سلع أجنبية. وكأن خيار إضعاف الدولار يشكل امتدادا لحرب الرسوم الجمركية، التي  يبدو أنها لم تحقق تحولا جوهريا في أزمة المدفوعات الخارجية الأميركية.

ووفقا لمحللين، يعتبر "مستوى الصناعة الاستهلاكية الأميركية الحالية ضعيفا، ولا يسمح بهذه التجربة". فمعظم الواردات تكاد تكون صينية، أو باستثمارات أميركية في الصين، لا سيما لشركات التكنولوجيا، "آبل" و"إنتل"، والرقائق الميكروية، والسيارات الكهربائية.

المغرب وتونس في مقدمة الدول العربية المستفيدة من عملة أميركية ضعيفة، كونها تصدر باليورو وتستورد بالدولار، ولها مديونية مرتفعة، وانكشاف على الأسواق الدولية

ويرى هؤلاء أن "إضعاف الدولار قد يؤدي إلى تراجع القوة الشرائية للمستهلك الأميركي في الداخل والخارج، في ظل عجز مالي فيديرالي، وتراكم الدين العام الذي ناهز 130 في المئة" من الناتج المحلي، مما يدفع المستثمرين، أفردا ومؤسسات، نحو الاحتماء بالملاذات الآمنة، في مقدمها الذهب، بغض النظر عن توقعات التضخم.

رويترز
مبنى الاحتياطي الفيديرالي الأميركي، واشنطن

وامتد هذا السلوك إلى معظم البورصات العالمية، ورافقه صعود سعر الذهب، وهو يعكس في جوهره تراجع الثقة في قدرة الولايات المتحدة على الاضطلاع بدورها كمسؤول عن استقرار النظام الاقتصادي والمالي العالمي، منذ أربعينات القرن الماضي.

يلتقي هذا الرأي مع الفهم  الكلاسيكي لحركة الذهب، بوصفه مقياسا معكوسا للثقة في العملة أو العقار، لا مجرد أداة مالية للتحوط من المستقبل أو لتحقيق مكاسب من مضاربات آنية. من جهتها تميل مصارف التسويات الدولية إلى اعتبار الصعود المفاجئ للذهب والفضة ثم انخفاضهما، كأدوات مضاربة، أكثر منها ملاذات آمنة تقليدية، وهو ما يفسر حدة تحرك الأسعار وسرعتها.

الدولار الضعيف رافعة للاقتصادات الصاعدة

يعتبر اليورو الأوروبي، والجنيه الإسترليني، والفرنك السويسري، والين الياباني، من العملات التي تستفيد من ضعف قيمة الدولار. وهناك احتمال أن يتراجع الدولار في الأسابيع المقبلة، بتوقع انخفاض مرتقب لسعر الفائدة في الربع الثاني، كما أن تجديد عقود التجارة الدولية، يضغط بدوره في اتجاه خفض التكلفة، لتعويض خسائر الرسوم الجمركية، وكبح التضخم. وفي حال استقرار الأسعار أو انخفاضها، تنتعش اقتصادات دول الاتحاد الأوروبي المستوردة للطاقة، كما تستفيد الأسواق الصاعدة من دول الجنوب في أميركا اللاتينية وأفريقيا.

بدورها، تستفيد اقتصادات دول شمال أفريقيا المستوردة للطاقة من انخفاض قيمة الدولار. والمغرب وتونس في مقدمة الدول العربية المستفيدة من عملة أميركية ضعيفة، كونها تصدر باليورو وتستورد بالدولار، ولها مديونية مرتفعة، وانكشاف على الأسواق الدولية، مما يجعل كل تراجع في الدولار مكسبا للنمو الاقتصادي، ولتقليص العجز المالي، ولتخفيف خدمة الدين الخارجي المقوم بالدولار. فضلا عن استقرار وتحسن سعر صرف عملات هذه الدول، لا سيما الجنيه المصري، الذي عانى من أزمة ندرة العملة الصعبة.

font change