يبدو سهلا أن نخطئ في قراءة أزمة هافانا. إذ قد تبدو انقطاعات الكهرباء وتوقف وسائل النقل ونقص السلع في الأسواق، وتعطل الخدمات العامة على فترات متقطعة، وكأنها إخفاقات منفصلة. غير أنها في الواقع تنبع من قيد واحد: القدرة على الحصول على الوقود المستورد، والسلسلة المالية واللوجستية التي تضمن سداد المدفوعات، وتوفر التأمين، وتؤمن وصول الشحنات.
وقد ركزت الإجراءات الأميركية الأخيرة ضغطها على هذا الشريان الحيوي للطاقة، الذي تعتمد عليه الدولة في استمرار عملها، وتستند إليه الحياة اليومية في انتظامها. وعمليا، يستهدف هذا الضغط سلسلة إمداد الوقود ذاتها، وكذلك مستوى التعرض للمساءلة والعقوبات، وهو ما يحدد مدى استعداد الأطراف الثالثة للانخراط في هذه العمليات.
الكهرباء ليست مجرد مصدر قلق منزلي، إنها عصب الحياة في القطاعين الحكومي والتجاري، فالوقود أساسي لتوزيع الغذاء، وضخ المياه، وتشغيل المستشفيات، وجمع النفايات، والحفاظ على النظام العام. وعندما يقل الإمداد، يكون الأثر الأول تقنيا، حيث تقل القدرة الكهربائية المتاحة، ويقل عدد الجولات. أما الأثر الثاني فهو سياسي، إذ تصبح الندرة معيارا للسلطة، واختبارا لمدى قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها.
تبرز القضية الجوهرية هنا في التغير الذي يطرأ عندما تستهدف العقوبات قدرة الدولة الفعلية بدلا من رمزيتها. فبمجرد أن يستخدم الوقود كأداة للضغط، تغدو السياسة واقعا ملموسا من خلال الأداء المؤسسي ومصداقية الحكم.
لمحة تاريخية عن سياسة دائمة
بدأت العقوبات الأميركية على كوبا في أوائل الستينات كجزء من سياسة الاحتواء خلال الحرب الباردة. سعت واشنطن إلى تضييق الخناق على حكومة ثورية متحالفة مع الكتلة السوفياتية وردع مشاريع مماثلة في المنطقة. ومع مرور الوقت، اتسع نطاق المبررات ليشمل مصادرة الممتلكات، والقمع السياسي، والأمن الإقليمي، والهجرة.

