فنزويلا... محاكمة مادورو بين الحصانة الرئاسية والسيادة

سابقة مادورو ومستقبل النظام الدولي

رويترز
رويترز
الرئيس الفنزويلي المعتقل نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس يُقتادان إلى محكمة دانيال باتريك موينيهان الفيدرالية، في مهبط طائرات الهليكوبتر بوسط مانهاتن، في مدينة نيويورك، الولايات المتحدة، في 5 يناير 2026

فنزويلا... محاكمة مادورو بين الحصانة الرئاسية والسيادة

أثار مثول الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو للمحاكمة أمام محكمة أميركية جدلا قانونيا حادا على الصعيد العالمي، وذلك بعد إلقاء القبض عليه واختطافه من قبل القوات الأميركية خلال عملية عسكرية خاطفة محدودة استهدفت بعض المنشآت العسكرية الحيوية ومقرات تابعة للرئاسة بالعاصمة الفنزويلية كاراكاس مطلع يناير/كانون الثاني 2026. ففي حين ينتقد أغلب فقهاء القانون الدولي ذلك التصرف باعتباره خرقا جسيما لأهم المبادئ الأساسية للقانون الدولي من قبل الولايات المتحدة، بما في ذلك حظر استخدام القوة المسلحة ضد إقليم دولة أخرى ذات سيادة، وكذا مبدأ الحصانة الشخصية لرؤساء الدول حال توليهم لمناصبهم، وحمايتهم من الاختصاص القضائي أمام المحاكم الأجنبية احتراما لمبدأ سيادة الدول، نجد في المقابل أن الولايات المتحدة تؤكد أن تصرفها له مبرر قانوني، تنفيذا لقانونها الجنائي الخاص، حيث يواجه مادورو اتهامات بارتكاب جرائم "الإرهاب المخدري" (Narcoterroism)، وتسهيل تهريب المخدرات من أميركا الجنوبية إلى الولايات المتحدة عبر كارتلات المخدرات، وغيرها من الجرائم العابرة للحدود، وفقا للائحة اتهام صادرة من المحكمة الابتدائية الأميركية للمنطقة الجنوبية من ولاية نيويورك. ويعيد هذا الاعتقال إلى الأذهان سوابق تاريخية مثل غزو بنما عام 1989 واعتقال الرئيس البنمي الأسبق الجنرال مانويل نورييجا عام 1990.

وهو ما يثير أسئلة جوهرية منها: هل يشكل الاعتقال العسكري الأميركي لمادورو داخل العاصمة كاراكاس انتهاكا صريحا للمادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة التي تحظر استخدام القوة ضد السلامة الإقليمية للدول ذات السيادة، وما هي الحجج القانونية التي يمكن أن يقدمها الجانب الأميركي لتبرير العملية؟ وإلى أي مدى يمكن مقارنة قضية مادورو بسابقة اعتقال الجنرال مانويل نورييغا عام 1990، وهل تظل العقيدة الأميركية نفسها سارية المفعول في عصر يشهد تنامي الرفض الدولي للتدخلات الأحادية؟ وفي ظل عدم اعتراف الولايات المتحدة بشرعية نيكولاس مادورو رئيسا لفنزويلا منذ عام 2019، هل يفقد فعليا حصانة رئيس الدولة الوظيفية أمام المحاكم الأجنبية، أم تبقى الحصانة قائمة طالما هو يمارس السلطة الفعلية؟ هل يمكن للقضاء الأميركي أن يمارس اختصاصه على رئيس دولة أجنبية تم اعتقاله بعملية عسكرية خارج الحدود الأميركية، حتى لو كانت العملية تنتهك القانون الدولي؟ ما هي التداعيات المحتملة على النظام القانوني الدولي نتيجة محاكمة الولايات المتحدة لرئيس دولة أجنبية تم اختطافه عسكريا دون تفويض من مجلس الأمن أو مبرر واضح للدفاع عن النفس؟ هل يمثل اعتقال مادورو بداية سابقة خطيرة تُضعف مبدأ السيادة المتساوية بين الدول، أم إن التهم المتعلقة بـ"الإرهاب المخدري" والجرائم العابرة للحدود تبرر مثل هذا التدخل– في نظر البعض– استثناء من القواعد التقليدية للحصانة والسيادة؟

انتهاك صارخ للسيادة أم عملية إنفاذ قانون دولي؟

نفذت قوات أميركية عسكرية خاصة (بما فيها وحدة "دلتا فورس" ذائعة الصيت) عملية عسكرية محدودة النطاق داخل العاصمة الفنزويلية كاراكاس فجر يوم 3 يناير/كانون الثاني 2026، أطلق عليها اسم "عملية العزم المطلق (Operation Absolute Resolve)، شملت العملية إسقاط دفاعات جوية فنزويلية، وتفجيرات في مواقع عسكرية مثل حصن تيونا، واقتحام مقر إقامة الرئيس نيكولاس مادورو، حيث تم اعتقاله مع زوجته سيليا فلوريس، وسط تبادل لإطلاق النار، قبل نقلهما جوا إلى نيويورك للمثول أمام محكمة فيدرالية بتهم "الإرهاب المخدري" والتجارة بالمخدرات.

وقد أثارت هذه العملية جدلا قانونيا شديدا، فعلى الرغم من إجماع غالبية فقهاء القانون الدولي والمؤسسات المعنية بالقانون الدولي والعلاقات الدولية– بما في ذلك تقارير من الأمم المتحدة و"منظمة العفو الدولية" وخبراء في جامعة ستانفورد وتشاتام هاوس– على أن العملية تمثل انتهاكا صريحا للمادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة، التي تحظر "التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة"، خاصة أنه لم يكن هناك تفويض من مجلس الأمن، ولا موافقة من الحكومة الفنزويلية، ولا حالة دفاع شرعي عن النفس ضد هجوم مسلح وشيك، ولهذا وصف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش العملية بأنها "تثير مخاوف خطيرة"، بينما اعتبرها خبراء في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة "عدوانا غير مبرر" يهدد النظام القانوني العالمي.

يمنح الدستور الأميركي السلطة التنفيذية ممثلة في منصب الرئيس صلاحيات واسعة في السياسة الخارجية وإنفاذ القانون، ومن ثم فالعملية وفقا لهذه السردية، تستند إلى "سلطة دستورية متأصلة"

نجد في المقابل إدارة الرئيس دونالد ترمب تبرر العملية بأنها كانت "إجراء ضروريا لإنفاذ القانون" مدعوما عسكريا، فمن الناحية الدستورية الأميركية، يمنح الدستور الأميركي السلطة التنفيذية ممثلة في منصب الرئيس صلاحيات واسعة في السياسة الخارجية وإنفاذ القانون، ومن ثم فالعملية وفقا لهذه السردية، تستند إلى "سلطة دستورية متأصلة" للرئيس الأميركي في مكافحة الجرائم العابرة للحدود، مثل تهريب المخدرات و"الإرهاب المخدري" الذي يهدد الأمن القومي الأميركي، معتبرة أن هذه الضربات كانت ضرورية لحماية قوات إنفاذ القانون الأميركية من رد فعل الجيش الفنزويلي أثناء مكافحتها لنشاط كارتلات المخدرات في تهريب المخدرات من أميركا الجنوبية إلى الولايات المتحدة عبر البحر الكاريبي والمحيط الأطلنطي، ومن ثم يُنظر إليها بالتبعية لذلك، كامتداد طبيعي لسياسة "مبدأ مونرو" (Monroe Doctrine) ومبدأ "لازمة ثيودور روزفلت" (Roosevelt Corollary)، اللذين يبرران التدخل الأميركي في نصف الكرة الغربي لمواجهة ما يهدد المصالح الأميركية.

رويترز
اجتماع لأعضاء مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في مبنى الأمم المتحدة بمدينة نيويورك، لبحث الضربات الأميركية واعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس، في 5 يناير 2026

ومع ذلك، يرى معظم الخبراء القانونين أن هذه الحجج ضعيفة قانونيا، حيث لا ترتقي التهم الجنائية إلى مستوى "الهجوم المسلح" الذي يبرر الدفاع عن النفس بموجب المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة التي تمنح الدول الحق في الدفاع عن نفسها، ولا يمكن كذلك تصنيف العملية كعملية "إنفاذ قانون" تقليدية، حيث شملت قصفا جويا عسكريا خلّف خسائر بشرية.

هل تنجح الولايات المتحدة في إرساء قاعدة جواز "اختطاف الرؤساء"؟

من المفارقات الغريبة تاريخ عملية اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، هو ذاته يوم 3 يناير/كانون الثاني 1990 الذي تم فيه اعتقال الرئيس البنمي الجنرال مانويل نورييغا الذي اعتقل خلال "عملية السبب العادل" (Operation Just Cause)، ومن المُرجح أن تحديد التاريخ نفسه لم يكن من قبيل الصدفة، ومن الملاحظ تشابه العمليتين تشابها شديدا، إذ تشترك العمليتان في عدة أوجه أساسية: فكلاهما كانا متهمين بتهريب المخدرات في محاكم أميركية قبل الاعتقال، واعتمدت الولايات المتحدة في كلتا الحالتين على الطريقة غير النظامية للتقديم للمحاكمة (غزو عسكري في بنما، وغارة خاصة في كاراكاس). كما أن الولايات المتحدة لم تعترف بشرعية كل منهما كرئيس دولة (نورييغا كديكتاتور فعلي، ومادورو منذ 2019)، مما ساعد في عدم الاعتداد بالحصانة الرئاسية، ففي عملية "السبب العادل"، غزت الولايات المتحدة بنما للإطاحة بنورييغا– الذي كان ديكتاتورا فعليا غير معترف به رسميا– بعد إعلانه "حالة حرب" ومقتل جندي أميركي على الأراضي البنمية، مستندة في ذلك إلى تبريرات حماية الأرواح الأميركية وحفظ معاهدات قناة بنما، إضافة إلى تهم المخدرات، أما في حالة مادورو، فالعملية أكثر إثارة للجدل، من حيث غياب أي "حالة حرب" معلنة أو تهديد مباشر واضح، وكذلك عدم وجود تفويض أممي، مما يجعلها تبدو انتهاكا صريحا لميثاق الأمم المتحدة. بما مؤداه أن عملية 2026 كانت غارة محدودة دون تهديد مباشر واضح، مما يجعلها أقرب إلى انتهاك صريح لميثاق الأمم المتحدة، في ظل رفض دولي متزايد للتدخلات الأحادية– كما أظهرت الإدانات من روسيا والصين ودول أميركا اللاتينية.

الولايات المتحدة لم تعترف بشرعية كل منهما كرئيس دولة (نورييغا كديكتاتور فعلي، ومادورو منذ 2019)، مما ساعد في عدم الاعتداد بالحصانة الرئاسية

هل يُسقط عدم الاعتراف الأميركي درع مادورو القانوني؟

منذ إعلان الولايات المتحدة في يناير 2019 عدم اعترافها بمادورو كرئيس شرعي لفنزويلا واعترافها بمنافسه في الانتخابات الرئاسية، خوان جوايدو، بأنه الرئيس الشرعي الوحيد لفنزويلا، تحولت قضية حصانة نيكولاس مادورو إلى واحدة من أكثر النقاط إثارة للجدل في القانون الدولي المعاصر، حيث إنه بموجب قواعد القانون الدولي وأعراف العلاقات الدولية، يتمتع رئيس الدولة الذي ما زال بالسلطة "بحصانة شخصية وظيفية مطلقة" (immunity ratione personae)، تحول دون محاكمته أمام محاكم دول أجنبية طالما يمارس سلطته فعليا، بغض النظر عن الاعتراف السياسي به.

رويترز
شخص مؤيد للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو يرفع العلم الفنزويلي، احتجاجا على الضربات الأميركية على فنزويلا واعتقال مادورو، أمام محكمة دانيال باتريك موينيهان الفيدرالية، في 5 يناير 2026

إلا أن الولايات المتحدة تتبنى موقفا مغايرا: فهي تعتبر أن عدم الاعتراف الرسمي بشرعية مادورو يحرمه من صفة "رئيس دولة" في نظر محاكمها، وبالتالي يُسقط عنه الحصانة الوظيفية. هذا التفسير يستند إلى سابقة قضائية أميركية محدودة، ويُعدّ خروجا جزئيا عن الإجماع الدولي الذي يربط الحصانة بواقع "السلطة الفعلية" (Effective Control)، وليس بالاعتراف السياسي. يرى كثير من الفقهاء أن هذا النهج يُهدد بتقويض مبدأ الحصانة كضمانة لاستقرار العلاقات الدولية، وقد يفتح الباب أمام تسييس القضاء الجنائي الدولي. ومع ذلك، تبقى المحاكم الأميركية– حتى الآن– متمسكة بهذا التفسير، مما يجعل محاكمة مادورو لها مبرر قانوني داخل الولايات المتحدة، رغم الرفض الدولي الواسع لهذا المنطق.

عدم الاعتراف الرسمي بشرعية مادورو يحرمه من صفة "رئيس دولة" في نظر محاكمها، وبالتالي يُسقط عنه الحصانة الوظيفية. هذا التفسير يستند إلى سابقة قضائية أميركية محدودة، ويُعدّ خروجا جزئيا عن الإجماع الدولي

الآثار والاختصاص العابر للحدود

تستند الولايات المتحدة في ملاحقتها القانونية ومحاكمة مادورو إلى مبدأين أساسيين، الأول "عقيدة الآثار" (The Doctrine of Effects)، ووفقا لهذا المبدأ، يمتلك القضاء الأميركي الحق في ممارسة اختصاصه على أفعال ارتُكبت خارج حدود الولايات المتحدة إذا كانت تلك الأفعال تهدف إلى إحداث، أو أحدثت بالفعل، آثارا ضارة جوهرية داخل الأراضي الأميركية أو تأثر بها مواطنون أميركيون، وهي تشبه إلى حد ما مع مبدأ "الاختصاص القضائي العالمي" (Universal Jurisdiction)، والذي يسمح  للدول أو المنظمات والمحاكم الدولية بمقاضاة شخص متهم بصرف النظر عن مكان ارتكاب الجريمة المزعومة أو عن جنسية المتهم أو بلد الإقامة أو أي علاقة أخرى مع جهاز الادعاء العام الذي يحرك الدعوى الجنائية أمام المحكمة.

رويترز
سفير فنزويلا لدى الأمم المتحدة، صامويل رينالدو مونكادا أكوستا، يتحدث خلال اجتماع لمجلس الأمن الدولي حول الضربات الأميركية واعتقال مادورو وزوجته، في مقر الأمم المتحدة بنيويورك، في 5 يناير 2026

أما المبدأ الثاني فهو "عقيدة كير-فريسبي" (Ker-Frisbie Doctrine)، وهو مبدأ قانوني أميركي راسخ، أرسته المحكمة العليا الأميركية لأول مرة في قضية "كير" ضد ولاية إلينوي عام 1866، ثم أيدت المحكمة ذات الاتجاه وأصبح مبدأ مستقرا في قضية "فريسبي ضد كولينز عام 1952"، ومن ثم تواترت عليه أحكام المحكمة العليا من بعد ذلك، مؤدى ذلك المبدأ أن المحاكم الأميركية يمكنها ممارسة الاختصاص القضائي على المتهم بغض النظر عن الطريقة التي تم بها إحضاره أمامها، حتى لو كانت غير قانونية أو تشمل الاختطاف أو عدم اتباع إجراءات التسليم القانوني للمطلوبين قضائيا، وقد أكدت المحكمة العليا أن هذا لا يبطل الاختصاص، مشددة على أن الإجراءات الدستورية تكفي لضمان محاكمة عادلة، معتبرة أنه "لا شيء في الدستور يمنع محاكمة شخص تم إحضاره بالقوة"، وعادة ما تطبق المحاكم الأميركية ذلك المبدأ في القضايا ذات الاختصاص ذات الطبيعة الدولية، حيث طبقت المحكمة العليا ذلك المبدأ على الاعتقالات الخارجية، منها على سبيل المثال اختطاف متهم مكسيكي دون احترام معاهدة تسليم المطلوبين قضائيا بين الولايات المتحدة والمكسيك، رغم احتجاج المكسيك على ذلك، وأكدت المحكمة أن انتهاك القانون الدولي لا يؤثر على الاختصاص إلا في حالات استثنائية مثل التعذيب الشديد. وفي حالة قضية مادورو، يعتمد الجانب الأميركي على هذه العقيدة لتبرير المحاكمة قانونا.

المحاكم الأميركية يمكنها ممارسة الاختصاص القضائي على المتهم بغض النظر عن الطريقة التي تم بها إحضاره أمامها، حتى لو كانت غير قانونية أو تشمل الاختطاف

يرى البعض أن قضية مادورو تشكل سابقة خطيرة إذا شعرت الدول القوية بحرية التصرف بشكل أحادي ضد مسؤولي دول أخرى، حيث إن السماح بالاستيلاء العسكري على قادة أجانب دون تفويض دولي قد يُضعف النظام القانوني العالمي القائم على حظر استخدام القوة وقواعد السيادة الدولية اللتين تشكلان أساس السلام والأمن الدوليين.

ومن المتوقع خلال الأشهر القادمة أن يطعن فريق مادورو القانوني في جوانب مختلفة إجرائية وموضوعية بشأن الملاحقة القضائية والمحاكمة، أبرزها بطلان طريقة اعتقاله ومسألة الحصانة، إلا أنه بموجب العقائد القانونية الأميركية الحالية، قد تسمح المحاكم بمتابعة نظر القضية رغم الاعتراضات المستندة إلى قواعد القانون الدولي.

font change

مقالات ذات صلة