الشرق الأوسط بعد عملية فنزويلا... هل تكون إيران المحطة الثانية لترمب؟

لا يمكن استبعاد أن تكون واشنطن بصدد التفكير في تعامل مختلف مع طهران

أ ف ب
أ ف ب
يظهر جنود فنزويليون من مدينة كوكوتا الكولومبية وهم يحرسون معبرًا حدوديًا في 3 يناير 2026.

الشرق الأوسط بعد عملية فنزويلا... هل تكون إيران المحطة الثانية لترمب؟

فتح الحدث الفنزويلي باختطاف الوحدات الخاصة الأميركية للرئيس نيكولاس مادورو وزوجته سيلا فلوريس ونقلهما إلى الولايات المتحدة للمحاكمة بموجب "حكم قضائي أميركي"، فتح العالم بأسره على أسئلة جديدة وعلى بواعث قلق جديدة، حتى بدا أن أحداث العالم كله أقل وطأة وأقل إثارة للأسئلة والمخاوف من الحدث الفنزويلي المفتوح على كل الاحتمالات.

لسنا مع الهجوم الأميركي في كاراكاس أمام حدث إقليمي حتى لو حصل في مساحة جغرافية محصورة، بل أمام حدث دولي بامتياز وربما أن الدافع الرئيس لوصفه كذلك هو انخراط الولايات المتحدة المباشر فيه ولوحدها تقريبا، بخلاف النزاع المفتوح في الشرق الأوسط حيث التدخل الأميركي في مجمله غير مباشر أو أن إسرائيل الحليف التاريخي للولايات المتحدة هي من يقف في واجهة الأحداث في المنطقة، وإن كانت تنفذ سياسات أميركية، أو أن أجنداتها تتقاطع مع الأجندة الأميركية ولاسيما في ظل ولاية دونالد ترمب الثانية، ولا يعاكس ذلك التباينات "الموضعية" بين الجانبين حول ملفات محددة لا تطال جوهر التقاطع بينهما. ولم يكن قليل الدلالة في هذا السياق أن يكون بنيامين نتنياهو الزعيم الوحيد حول العالم الذي هنأ ترمب بعد الهجوم على كاراكاس، في ظل كلام داخل الأوساط الإسرائيلية عن أنه إذا كانت الولايات المتحدة شرطي العالم فإن إسرائيل هي شرطي المنطقة.

وهذا يضيء على التقاطع بين السلوك الإسرائيلي والأميركي في الاستعداد لاستخدام القوة العسكرية لتحقيق الأجندات الاستراتيجية حتى لو كان ذلك على حساب موجبات القانون الدولي الذي لم يعد من الممكن اعتبار أنه ما زال يشكل عاملا مؤثرا في العلاقات الدولية لفرط ما تم انتهاكه ولأن جميع الدول الكبرى تتبادل الاتهامات بانتهاكه، وقد بات كل ذلك يشكل غطاء سياسيا "دوليا" للمزيد من انتهاكه. ولذلك فإن المقاربات القانونية والأخلاقية للأحداث حول العالم لم تعد كافية لفهم هذه الأحداث أو تكوين تصور أو تقدير للاتجاهات الدولية أو مستقبل النظام الدولي الذي يقال الكثير عن انهياره بالشكل الذي قام عليه بعد الحرب العالمية الثانية لكن من دون القدرة على تصور ملامح أو أسس النظام الجديد الذي سيقوم على أنقاضه، واختصارا فالسؤال دائما إلى أين يتجه العالم؟

تحولت الصين إلى الشريك التجاري الرئيس للكثير من دول أميركا اللاتينية، البرازيل، البيرو، الأرجنتين وشيلي، بحيث بلغ حجم التبادل التجاري بينها وبين بكين 518 مليار دولار لعام 2024، بينما كان 10 مليارات دولار عام 2000

لكن مع ذلك فإن المقارنة بين السلوك الإسرائيلي والسلوك الأميركي أو بين الأحداث في المنطقة والحدث في فنزويلا أو الأحداث المرتقبة في أميركا اللاتينية أو في النصف الغربي من القارة والذي بات يدخل في صلب استراتيجية الأمن القومي الأميركي كما تصفها إدارة ترمب، هذه المقارنة ربما تخلق نوعا من سوء التقدير لحجم الحدث الفنزويلي بوصفه إشارة واضحة إلى استعداد واشنطن لاستخدام القوة أو لتوجيه ضربات أحادية ومن دون أي غطاء أممي أو دولي أو حتى قانوني أميركي، حيث ترى ذلك ضروريا. بمفردات أخرى فإن القوة الغربية الأكبر عسكريا واقتصاديا لا تقيم أي اعتبار للقانون الدولي عندما يكون الالتزام به ضارا بمصالحها أو معرقلا لأي خطوات تراها ضرورية لتحقيقها، وهنا الفارق بين الولايات المتحدة وبين أي دولة أخرى كما الصين أو روسيا اللتين لا تنتميان إلى منظومة "القيم الغربية" التي أعادت تشكيل النظام الدولي والقانون الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، بل هما يرفضانها ويسعيان إلى تقويضها. هنا تحديدا تكمن معضلة النظام الدولي الحالي بحيث إن أكبر دول المنظومة الغربية التي أنشأته لم تعد تلتزم به.

هذا سجال يحتل الآن مساحة أوسع من النقاش حول العالم وهو كان قد بدأ فعليا بعد الغزو الأميركي للعراق عام 2003، إذ إن إسقاط نظام صدام حسين من خلال القوة العسكرية الأميركية شكل سابقة على مستوى العالم منذ عام 1945 من حيث عدم شرعيته. بيد أن أحد الفوارق بين الهجومين في بغداد وكاراكاس، أن دولة غربية مثل فرنسا رفضت قطعا الغزو الأميركي للعراق، بينما لم يصدر أي موقف مشابه عن أي دولة غربية بعد العملية الأميركية في فنزويلا، وهو ما يعطي فكرة عن موازين القوى داخل المعسكر الغربي المنقسم على ضفتي الأطلسي، وعن تراجع الربط بين القانون الدولي والممارسة السياسية في الدول الغربية.

أ ف ب
جنود كولومبيون يقفون حراساً في كوكوتا، كولومبيا، لمراقبة المعبر الحدودي مع فنزويلا، في 4 يناير 2026.

غير أن للأمر جانبا أميركيا بحتا على اعتبار أن عملية كاراكاس، التي شارك فيها 200 جندي أميركي على الأرض، تضيء على وجود اتجاهين ضمن إدارة ترمب، فمن جهة يفاخر الرئيس الأميركي بأنه أوقف ثماني حروب حول العالم وأنه لذلك يستحق "نوبل للسلام" ومن ناحية أخرى لا يتردد ترمب في اختطاف رئيس دولة أخرى بغض النظر عن شرعيته في بلده وعن أساليب ممارسته للسلطة، وتهديد دول أخرى في الفناء الخلفي للولايات المتحدة، أي أميركا الجنوبية، في حال "لم تصلح أوضاعها"، ومن الواضح أن الاستراتيجية الأميركية للنصف الغربي من العالم قائمة أساسا على تطبيق ما بات يعرف بعقيدة "دونرو" لاحتواء التمدد الصيني فيه، وليس على مكافحة المخدرات والهجرة غير الشرعية كما يقول الخطاب الرسمي الأميركي. أي إننا إزاء شكل جديد من الحرب الباردة في أميركا الجنوبية، وهذه المرة بين الولايات المتحدة والصين التي تحولت إلى الشريك التجاري الرئيس للكثير من دول أميركا اللاتينية، البرازيل، البيرو، الأرجنتين وشيلي، بحيث بلغ حجم التبادل التجاري بينها وبين بكين 518 مليار دولار لعام 2024، بينما كان 10 مليارات دولار عام 2000، مع ما يعنيه ذلك من توسع النفوذ السياسي والاستخباري الصيني في هذه الدول، بما يجعلها منطقة نفوذ صيني بالدرجة الأولى.

السؤال الأبرز في ما يخص المنطقة بعد العملية الأميركية في كاراكاس يتعلق بإيران، وتحديدا ما إذا كانت واشنطن مستعدة لتكرار التجربة في طهران، من خلال عملية أمنية أو عسكرية من نوع ما تطيح بالحكم القائم

هذا ما يجعل الحدث الفنزويلي حدثا أميركيا بامتياز وبالتالي حدثا دوليا بالنظر إلى الحضور والتأثير الأميركيين حول العالم، أي إن أي تحول في سلوك الإدارة الأميركية قد ينعكس على العالم بأسره حيث للولايات المتحدة حضور وتأثير ونفوذ، وتحديدا على طبيعة خوض الصراعات أو إدارة الأزمات أو صوغ التحالفات والخصومات. وهو ما ينطبق على منطقة الشرق الأوسط التي أعادت الولايات المتحدة تعريف انخراطها فيها بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 دعما لإسرائيل ودفاعا عنها، في وقت كان يسود اعتقاد بأن واشنطن بصدد الانسحاب من المنطقة، خصوصا بعد الانسحاب من أفغانستان عام 2022، بفعل انتقال تركيزها إلى منطقة المحيط الهادئ لاحتواء "التهديد الصيني".

وهنا يبرز سؤال عما إذا كانت الأحداث في المنطقة منذ السابع من أكتوبر 2023 تشكل جزءا أو صدى للصراع على النفوذ الدولي، ولاسيما بين الصين والولايات المتحدة، علما أن الشرق الأوسط لم يكن ساحة تنافس عسكري أو أمني بين الجانبين، ولكن بكين كانت قد أعطت إشارات مبكرة إلى أنها مستعدة لاقتناص الفرصة وملء أي فراغ أميركي في المنطقة، ليس من الناحية الأمنية أو العسكرية بالضرورة، لكن من الناحية الاقتصادية بالدرجة الأولى، وقد شهدت المنطقة طيلة السنوات الماضية تكثيفا للحضور الاقتصادي الصيني من إسرائيل إلى إيران ناهيك بدول الخليج وفي مقدمتها السعودية.

لكن السؤال الأبرز في ما يخص المنطقة بعد العملية الأميركية في كاراكاس يتعلق بإيران، وتحديدا ما إذا كانت واشنطن مستعدة لتكرار التجربة في طهران، من خلال عملية أمنية أو عسكرية من نوع ما تطيح بالحكم القائم، أو تحدث "انقلابا" داخله على شاكلة "الانقلاب" في فنزويلا وإن كانت ملامحه لم تكتمل بعد بالنظر إلى الغموض الذي يكتنف "اليوم التالي" في كاراكاس. هذا سؤال مفتوح ولا أحد يملك الإجابة عنه الآن إلا ترمب نفسه ودائرته الضيقة، ولاسيما أن الرئيس الأميركي كان قد هدد إيران مرتين منذ الهجوم على فنزويلا، "في حال أطلقت النيران وقتلت المتظاهرين السلميين بعنف"، وهو تهديد يشكل فارقا نوعيا عن الاحتجاجات السابقة. 

وهنا ثمة عوامل مختلفة ومتناقضة أحيانا يفترض أخذها في الاعتبار لتقدير التعامل الأميركي المستقبلي مع الملف الإيراني، فمن ناحية، كشف الهجوم الأميركي في كاراكاس أن ترمب مستعد لتنفيذ ضربات محددة، مع مخاطر منخفضة لحرب شاملة، بالرغم من كل الانقسام الذي يثيره ذلك في الولايات المتحدة وداخل جمهور ترمب نفسه الذي أغراه شعار "أميركا أولا" بعد عقدين من التدخلات العسكرية الأميركية المكلفة جدا حول العالم.  

لا يمكن استبعاد أن تكون واشنطن بصدد التفكير في تعامل مختلف مع إيران بالنظر إلى تراكم نقاط ضعفها، وكان آخرها إزاحة مادورو حليف طهران من رأس السلطة في فنزويلا

وهذا في وقت تواجه فيه طهران تحديات كبيرة تزيد نظريا من استعداد واشنطن لاستهدافها، داخليا بفعل الأزمة الاقتصادية المتفاقمة، وخارجيا بفعل إضعاف "محور المقاومة"، ناهيك بتداعيات حرب الـ12 يوما الإسرائيلية-الأميركية ضدها في يونيو/حزيران الماضي، والتي خلفت أثرا معنويا وعسكريا عليها، حتى لو استطاعت إلحاق الضرر بإسرائيل، كل ذلك يجعل إيران في موقع ضعف إزاء الولايات المتحدة وإسرائيل التي تركز حاليا على محاولات طهران لإعادة بناء برنامجيها النووي والصاروخي بغية خلق أرضية سياسية لاستهدافها، ولكن ترمب نفسه بدا متحفظا أمام الاندفاعة الإسرائيلية لضرب البرنامج الصاروخي الإيراني خلال آخر لقاء بينه وبين نتنياهو في فلوريدا الأسبوع الماضي، وإن كان حاسما في إعادة توجيه ضربة عسكرية لإيران في حال حاولت إعادة بناء برنامجها النووي.

لكن يبدو أن إسرائيل، وبالرغم من التهويل الإعلامي، لا تضع الهجوم مجددا على إيران في قائمة أولوياتها الراهنة، وهو ما أشارت إليه التسريبات الإسرائيلية بشأن وساطة روسية لمنع عودة التصعيد بين إيران وإسرائيل، كذلك ثمة تسريبات جانبية في إسرائيل تشير إلى أن "إيران لم تصل بعد إلى قدرة إنتاج كاملة للصواريخ، وربما تصل إلى ذلك خلال بضعة أشهر، عندها ستعود مسألة الهجوم إلى الواجهة". ولكن هذه المعطيات يمكن أن تتبدل في أي وقت تبعا لمسار التطورات داخل إيران.

أ.ف.ب
طلاب إيرانيون يحتجون أمام جامعة أمير كبير في العاصمة طهران، 11 يناير 2020.

بيد أن حسابات واشنطن أكثر تعقيدا ولا تقتصر على الهواجس الأمنية والسيطرة الإقليمية كما هي حال إسرائيل. فالولايات المتحدة التي لا تزال تلاحقها تبعات تدخلها العسكري في أفغانستان والعراق ولاسيما لجهة أعداد القتلى من الجنود الأميركيين، ربما لا تكون متحمسة لأن تكرر التجربة في إيران، التي لا تزال تمتلك نقاط قوة تستطيع من خلالها إيذاء واشنطن ولاسيما من خلال استهداف القواعد والمصالح الأميركية في المنطقة، هذا إذا افترضنا أن إسقاط الحكم في إيران يمكن أن يتم من الجوّ فقط من دون جنود على الأرض. لكن في المحصلة فإن السؤال الأبرز هو ما إذا كانت واشنطن مستعدة لتحمل الفوضى في إيران والتي قد تنعكس على سائر المنطقة التي حاولت إدارة ترمب خلال الأشهر الماضية تثبيت مسار للتهدئة فيها؟ فهنا أيضا يطرح على واشنطن سؤال "اليوم التالي" في وقت لم يغلف في غزة بعد، ولا في كاراكاس حتما!

لكن في المقابل فإنه لا يمكن استبعاد أن تكون واشنطن بصدد التفكير في تعامل مختلف مع إيران بالنظر إلى تراكم نقاط ضعفها، وكان آخرها إزاحة مادورو حليف طهران من رأس السلطة في فنزويلا، في وقت لا يعرف بعد كيف ستتصرف نخب النظام الذي أسسه هوغو شافيز بعد اختطاف رأسه. في حين أن كثيرا من الخبراء يرجح أن تكون عملية اختطاف مادورو قد تمت بالتنسيق مع جهات داخل النظام، أي إن "الانقلاب" حصل من خلال اختراق جسم النظام، كما يرجح أن يعيد التدخل الأميركي في فنزويلا إنتاج منظومة المصالح داخل النظام الفنزويلي على قاعدة القبول بالتعاون مع واشنطن.

في الأمد القصير ربما تحقق إسرائيل بعض أهدافها بالتنصل من استراتيجية التهدئة الأميركية، لكن هذه الاستراتيجية هي أيضا مطاطة وتحتمل التصعيد

بيد أن ترمب الذي أعرب عن إعجابه بعملية كاراكاس قد لا يتحمس لتكرار التجربة مع إيران للأسباب المذكورة أعلاه، خصوصا أن الوضع الإيراني أكثر تعقيدا ولاسيما أن قاعدة الحكم لا تزال صلبة وأن أي عملية ضده قد توحد الشعب ضدها كما حصل خلال الحرب الأخيرة، إلا إذا كانت واشنطن بصدد تنظيم "انقلاب" من الداخل. لكن أيضا فإن إفراط الولايات المتحدة في استخدام القوة لفرض وقائع سياسية مغايرة في بيئات معادية من دون ضمان "اليوم التالي" قد يستنزفها طويلا بما يجعل الصين على المدى البعيد في موقع توفق استراتيجي في ظل مواصلتها التقدم الصناعي والتكنولوجي وهو الحقل الذي يشكل قاعدة المنافسة الرئيسة للولايات المتحدة. وهذا سبب إضافي وجوهري للتأني في توقع أن تتبنى واشنطن استراتيجية مفتوحة لاستخدام القوة، في حين أن الصين تمارس حتى الآن ضبط النفس وتعزز مكاسبها على مستوى الصناعات الدقيقة والتكنولوجية والتي ستحدد بشكل أساسي موازين القوى في العالم الجديد.

والسؤال الذي يطرح نفسه أيضا هو هل يؤدي تركيز واشنطن على فنائها الخلفي إلى تراجع تركيزها في الشرق الأوسط، ولصالح من؟ في الأمد القصير ربما توسع إسرائيل هامشها ضمن استراتيجية التهدئة الأميركية، لكن هذه الاستراتيجية هي أيضا مطاطة وتحتمل التصعيد، والمثال توسع القصف الإسرائيلي في لبنان ليشمل جنوب الليطاني وشماله وصولا إلى البقاع الغربي، على الرغم من الوساطة الأميركية المتواصلة بين لبنان وإسرائيل. لكن المزيد من إضعاف "حزب الله" هو في هدفه الأقصى مزيد من إضعاف إيران تحضيرا ربما للحظة "انقضاض" مناسبة، وهذا كله لا يضير ترمب وفريقه، لكن الأهم أنه بعد الحدث الفنزويلي أصبح من الضروري رؤية المشهد الإقليمي بعين أوسع.

font change

مقالات ذات صلة