كثيرا ما واجهت الولايات المتحدة تهمة كونها "إمبراطورية"، سواء عبر غزو أراضي السكان الأصليين في قارتها، أو انتزاع أراض إسبانية في أواخر القرن التاسع عشر، أو التدخل المتكرر في شؤون أميركا اللاتينية. ويزخر التاريخ بأمثلة على الوجه الإمبريالي للعم سام. وحتى في العقود الأخيرة، رأى كثير من المعلقين أن مشاريع واشنطن الكبرى مثل "النظام العالمي الجديد" و"توافق واشنطن" و"الحرب على الإرهاب" إنما تنطوي على عناصر إمبريالية، وإن جاءت مغلفة بخطاب ديمقراطي وليبرالي.
لكن كثيرا من المراقبين توقعوا أن يختلف ترمب عن سابقيه. فقد أوحى شعار "أميركا أولا" بنزعة انعزالية، أو في الحد الأدنى برغبة في تقليص التدخلات الخارجية. وبدا أن ولايته الأولى عززت هذا الانطباع، حين دأب على التنديد بـ"الحروب التي لا تنتهي"، وسعى إلى تقليص تشابكات الولايات المتحدة العسكرية والدبلوماسية. غير أن أقل من عام على عودته إلى البيت الأبيض يكفي لكشف أنه ينهج نهجا مغايرا تماما. فمن التهديد بالحرب مع فنزويلا، إلى اقتراح ضم غرينلاند، والتدخل في الانتخابات في أميركا اللاتينية، ودعم الشعبويين اليمينيين في أوروبا، يبدو ترمب في نسخته الثانية أكثر الرؤساء الأميركيين ميلا إلى الإمبريالية منذ عقود. وبعد أن تخلى عن أي ادعاء بنشر الديمقراطية أو القيم الليبرالية، يبرز السؤال: هل دخلنا عصر "الإمبريالية على طريقة "ماغا" (MAGA)؟ وهي الأحرف الأولى من شعار ترمب "فلنجعل أميركا عظيمة مجددا".
الإمبريالية باعتبارها إهانة
كثيرا ما تُستخدم كلمة "إمبريالية" كإهانة توجه إلى أي دولة تنتهج سياسة خارجية لا ترضي منتقديها. والولايات المتحدة، منذ صارت القوة العالمية المهيمنة، وُصفت على الدوام بهذه الصفة. ولتفادي هذا القدر من الذاتية، طور علماء السياسة نظريات ونماذج متعددة لتحديد متى تُعد الدولة إمبريالية". ولعل من أكثر هذه النظريات قدرة على الإقناع ما قدمه مايكل ك. دويل من جامعة كولومبيا في كتابه "إمبراطوريات" الصادر عام 1986، إذ يرى أن الحكومات القوية تميل غالبا إلى فرض إرادتها على الدول الأضعف، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنها تمارس الإمبريالية. فالعبرة، كما يوضح، تكمن فيما إذا كانت هذه الدولة القوية أو تلك تسعى إلى التحكم في السياسة الداخلية للدولة الأضعف وسياستها الخارجية على حد سواء. فإن هي سعت إلى التحكم في السياسات الداخلية والخارجية معا، سواء بالقوة أو عبر التعاون السياسي أو الاعتماد الاقتصادي أو الاجتماعي أو الثقافي، فذلك هو جوهر الإمبريالية. أما إذا لم تفعل، عُد سلوكها "هيمنة" لا "إمبريالية".

وبالاستناد إلى هذا التعريف، فإن كثيرا من الحالات التي وُجهت فيها إلى الولايات المتحدة تهمة الإمبريالية كانت، في الواقع، ممارسات هيمنة. فدعم الانقلابات خلال الحرب الباردة لإبعاد السوفيات عن أميركا اللاتينية، على سبيل المثال، يمكن اعتباره ممارسة هيمنة، لأن واشنطن لم تكن تعير اهتماما كبيرا لطريقة إدارة الأنظمة التي تلت الانقلاب، ما دامت معادية للشيوعية. في المقابل، شكل غزو كوبا والفلبين الإسبانيتين بين عامي 1898 و1902، أو غزو أفغانستان والعراق خلال "الحرب على الإرهاب"، أمثلة صريحة على الإمبريالية، نظرا إلى سعي واشنطن إلى إعادة تشكيل السياسات الداخلية لتلك الدول، وصياغة دساتير جديدة، وبناء هياكل حكم مختلفة.

