فنزويلا وأميركا... الإمبريالية الحديثة في عصر "ماغا"

حروب لا تنتهي؟

رويترز
رويترز
قوات أمريكية خاصة تقتاد الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو بعد هبوط مروحية عسكرية في الولايات المتحدة، تمهيدا لتسليمه للمحاكمة، 5 يناير

فنزويلا وأميركا... الإمبريالية الحديثة في عصر "ماغا"

كثيرا ما واجهت الولايات المتحدة تهمة كونها "إمبراطورية"، سواء عبر غزو أراضي السكان الأصليين في قارتها، أو انتزاع أراض إسبانية في أواخر القرن التاسع عشر، أو التدخل المتكرر في شؤون أميركا اللاتينية. ويزخر التاريخ بأمثلة على الوجه الإمبريالي للعم سام. وحتى في العقود الأخيرة، رأى كثير من المعلقين أن مشاريع واشنطن الكبرى مثل "النظام العالمي الجديد" و"توافق واشنطن" و"الحرب على الإرهاب" إنما تنطوي على عناصر إمبريالية، وإن جاءت مغلفة بخطاب ديمقراطي وليبرالي.

لكن كثيرا من المراقبين توقعوا أن يختلف ترمب عن سابقيه. فقد أوحى شعار "أميركا أولا" بنزعة انعزالية، أو في الحد الأدنى برغبة في تقليص التدخلات الخارجية. وبدا أن ولايته الأولى عززت هذا الانطباع، حين دأب على التنديد بـ"الحروب التي لا تنتهي"، وسعى إلى تقليص تشابكات الولايات المتحدة العسكرية والدبلوماسية. غير أن أقل من عام على عودته إلى البيت الأبيض يكفي لكشف أنه ينهج نهجا مغايرا تماما. فمن التهديد بالحرب مع فنزويلا، إلى اقتراح ضم غرينلاند، والتدخل في الانتخابات في أميركا اللاتينية، ودعم الشعبويين اليمينيين في أوروبا، يبدو ترمب في نسخته الثانية أكثر الرؤساء الأميركيين ميلا إلى الإمبريالية منذ عقود. وبعد أن تخلى عن أي ادعاء بنشر الديمقراطية أو القيم الليبرالية، يبرز السؤال: هل دخلنا عصر "الإمبريالية على طريقة "ماغا" (MAGA)؟ وهي الأحرف الأولى من شعار ترمب "فلنجعل أميركا عظيمة مجددا".

الإمبريالية باعتبارها إهانة

كثيرا ما تُستخدم كلمة "إمبريالية" كإهانة توجه إلى أي دولة تنتهج سياسة خارجية لا ترضي منتقديها. والولايات المتحدة، منذ صارت القوة العالمية المهيمنة، وُصفت على الدوام بهذه الصفة. ولتفادي هذا القدر من الذاتية، طور علماء السياسة نظريات ونماذج متعددة لتحديد متى تُعد الدولة إمبريالية". ولعل من أكثر هذه النظريات قدرة على الإقناع ما قدمه مايكل ك. دويل من جامعة كولومبيا في كتابه "إمبراطوريات" الصادر عام 1986، إذ يرى أن الحكومات القوية تميل غالبا إلى فرض إرادتها على الدول الأضعف، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنها تمارس الإمبريالية. فالعبرة، كما يوضح، تكمن فيما إذا كانت هذه الدولة القوية أو تلك تسعى إلى التحكم في السياسة الداخلية للدولة الأضعف وسياستها الخارجية على حد سواء. فإن هي سعت إلى التحكم في السياسات الداخلية والخارجية معا، سواء بالقوة أو عبر التعاون السياسي أو الاعتماد الاقتصادي أو الاجتماعي أو الثقافي، فذلك هو جوهر الإمبريالية. أما إذا لم تفعل، عُد سلوكها "هيمنة" لا "إمبريالية".

أ.ف.ب
الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو أثناء محاكمته في نيويورك، 5 يناير

وبالاستناد إلى هذا التعريف، فإن كثيرا من الحالات التي وُجهت فيها إلى الولايات المتحدة تهمة الإمبريالية كانت، في الواقع، ممارسات هيمنة. فدعم الانقلابات خلال الحرب الباردة لإبعاد السوفيات عن أميركا اللاتينية، على سبيل المثال، يمكن اعتباره ممارسة هيمنة، لأن واشنطن لم تكن تعير اهتماما كبيرا لطريقة إدارة الأنظمة التي تلت الانقلاب، ما دامت معادية للشيوعية. في المقابل، شكل غزو كوبا والفلبين الإسبانيتين بين عامي 1898 و1902، أو غزو أفغانستان والعراق خلال "الحرب على الإرهاب"، أمثلة صريحة على الإمبريالية، نظرا إلى سعي واشنطن إلى إعادة تشكيل السياسات الداخلية لتلك الدول، وصياغة دساتير جديدة، وبناء هياكل حكم مختلفة.

التحكم في السياسات الداخلية والخارجية معا، سواء بالقوة أو عبر التعاون السياسي أو الاعتماد الاقتصادي أو الاجتماعي أو الثقافي، هو جوهر الإمبريالية

إمبريالية على الطريقة الترمبية؟

عند قراءة سياسات ترمب الأخيرة من خلال إطار دويل، تتبدى نزعات إمبريالية واضحة، وإن كانت لا تخلو من قدر من التعقيد. فخطاب الإدارة بشأن "ضم" غرينلاند وكندا وبنما، بل وحتى غزة، يوحي بطموح إلى إعادة تشكيل مخرجات السياسة الخارجية والداخلية معا في تلك البلدان والمناطق. ففي ديسمبر/كانون الأول، على سبيل المثال، وبعد أن عيّن ترمب حاكم لويزيانا جيف لاندري مبعوثا خاصا إلى غرينلاند، قال لاندري بصراحة إن مهمته تتلخص في "جعل غرينلاند جزءا من الولايات المتحدة". وفي الوقت نفسه، كرر ترمب تعهده "باستعادة" قناة بنما، وأبلغ كندا أنها ينبغي أن "تصبح الولاية الحادية والخمسين". وقد ترافقت هذه التصريحات مع تهديدات باستخدام القوة العسكرية لضم غرينلاند، ومع فرض رسوم جمركية مرتفعة على كندا.

رويترز
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوقع أمرا تنفيذيا، المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض، واشنطن العاصمة، الولايات المتحدة

ومع أن هذا يبدو أقرب إلى تعريف دويل للإمبريالية، فإن الحذر واجب. فبالرغم من الخطاب والتهديدات، لم يقدم ترمب حتى الآن على أي خطوة جدية لضم هذه الأراضي، ومن المبكر وصف ذلك بأنه فعل إمبريالي. كثيرا ما يستخدم ترمب تهديدات مبالغا فيها لانتزاع تنازلات من خصومه. ومن المحتمل أنه يوظف التلويح بضم غرينلاند لإجبار الدنمارك على منح واشنطن حقوقا واسعة في القواعد والمعادن، ويستخدم الأسلوب ذاته مع كندا وبنما للحصول على "صفقة أفضل" للولايات المتحدة.

بل إن هذا قد تحقق بالفعل في حالة غزة. ففي فبراير/شباط، أطلق ترمب ادعاء مثيرا بأن الولايات المتحدة ستقوم "بالسيطرة" على القطاع المدمر، لكنه في النهاية ساهم في التوصل إلى وقف إطلاق نار يُفترض أن يؤدي إلى إدارة دولية لتثبيت الاستقرار. ويقول أنصاره إن تهديده بالاستحواذ الأميركي ساعد على دفع الأطراف المختلفة إلى قبول تسوية وسطية.

وربما ينطبق الأمر ذاته على غرينلاند وبنما وكندا، فيكون هدفه النهائي إذن هو الهيمنة، أي تعزيز سيطرة الولايات المتحدة على السياسات الخارجية، أكثر من كونه إمبريالية صريحة.

كرر ترمب تعهده "باستعادة" قناة بنما، وأبلغ كندا أنها ينبغي أن "تصبح الولاية الحادية والخمسين"

الإمبريالية في أميركا اللاتينية

في المقابل، تبدو خطوات البيت الأبيض في أميركا اللاتينية أكثر تدخلا ووضوحا في نزعتها. ويقترب التدخل الأميركي الأخير في فنزويلا، وفقا لتعريف دويل، من إمبريالية صريحة لا لبس فيها. ولعلّ إزاحة نيكولاس مادورو، ثم تهديد خليفته لحملها على الانصياع لمطالب واشنطن، من الدلالات التي توحي بأن ترمب يسعى إلى الإمساك بزمام السياسات الخارجية والداخلية لكاراكاس على حد سواء.

فإلى جانب العقوبات، فرضت الولايات المتحدة حصارا بحريا، ونشرت نحو 15 ألف جندي قبالة السواحل الفنزويلية.

ومع ذلك، لا تصوغ الإدارة هدفها حتى الآن على أنه تغيير للنظام، حتى بعد إزاحة رأس النظام،  بل تقدم حجتها ضد حكومة الرئيس المخلوع عنوة نيكولاس مادورو في إطار السياسة الخارجية، مستندة إلى مزاعم عن شحن كميات كبيرة من الفنتانيل والكوكايين، ناهيك عن سيل المهاجرين الذي يتدفق نحو الولايات المتحدة، وأخيرا وليس آخرا نقل النفط الإيراني الخاضع للعقوبات.

أ ف ب
قطعة حربية بحرية دنماركية قرب مدينة نووك عاصمة غرينلاند في 8 مارس

ورغم أن الإدارة استخدمت القوة، بما في ذلك احتجاز ناقلات نفط وتنفيذ ضربات قاتلة أودت بحياة أكثر من 80 شخصا، فإنها لم تتبن رسميا هدفا بتغيير أو السيطرة على السياسة الداخلية لفنزويلا. وبهذا المنظور، تبدو المقاربة أقرب إلى الهيمنة منها إلى الإمبريالية.

أما في أماكن أخرى من أميركا اللاتينية، فقد أبدى ترمب استعدادا أكبر للتدخل المباشر في السياسة الداخلية. ففي الانتخابات الأخيرة في هندوراس، دعم علنا ناصري "تيتو" عصفورا، مرشح "الحزب الوطني" اليميني المتشدد، ولوّح بإمكانية قطع المساعدات المالية الأميركية إذا لم يفز عصفورا. وقد قلب هذا التدخل مسار الحملة، فيما اتهمه خصومه بالتدخل.

وتكرر المشهد ذاته في الأرجنتين، حيث يُعتبر دعم ترمب العلني للرئيس خافيير ميلي عاملا رئيسا ساعد في نجاحه الانتخابي، مدعوما بتهديدات بخفض الدعم المالي لبوينس أيريس إذا خسر حليفه. أما في البرازيل، فقد كان الضغط أقل نجاحا، إذ هدد ترمب بفرض رسوم جمركية بنسبة 50 في المئة إذا واصلت برازيليا محاكمة حليفه الرئيس السابق جايير بولسونارو. لكن التهديد لم يغير النتيجة، إذ حُكم على بولسونارو بالسجن 27 عاما لمحاولته تنفيذ انقلاب. وفي كل حالة من هذه الحالات، ظل النمط في "إمبريالية" ترمب اللاتينية واضحا، وهو التدخل في السياسة الداخلية عبر استخدام النفوذ المالي لدفع الناخبين أو الحكومات نحو مرشحين يمينيين موالين لمشروع "ماغا".

لم تتبن رسميا هدفا بتغيير أو السيطرة على السياسة الداخلية لفنزويلا. وبهذا المنظور، تبدو المقاربة أقرب إلى الهيمنة منها إلى الإمبريالية

عين على أوروبا

ويبدو الآن أن الإدارة تسعى إلى اتباع نهج مشابه في أوروبا. إذ نجد أن استراتيجية الأمن القومي الجديدة تنصّ صراحة على ضرورة دعم القوى الشعبوية القومية لمنع ما تسميه "طمس الهوية الحضارية" لأوروبا. وقد أبدى نائب الرئيس جيه دي فانس بالفعل دعمه للتيار المتشدد في حزب "البديل من أجل ألمانيا"، فيما ينشط مؤيدو "ماغا" في بناء روابط مع حزب "الإصلاح" في بريطانيا و"التجمع الوطني" في فرنسا.

وحتى الآن، لم يظهر تدخل مباشر على غرار ما حدث في أميركا اللاتينية، لكن وثيقة الاستراتيجية توحي بنية مماثلة.

وقد يتبين أن خطاب الضم ليس سوى أداة تفاوضية لابتزاز تنازلات أكبر، ولكن الشكل الأبرز والأكثر خصوصية للإمبريالية الترمبية قد يتجلى في مكان آخر: تصدير مشروع "ماغا" إلى أميركا اللاتينية وأوروبا. وفيما قد لا تكون هذه هي الإمبريالية العسكرية التي التصقت بـ"الحرب على الإرهاب"، فإنها- من خلال السعي إلى تمكين حركات متماهية مع "ماغا" من بلوغ السلطة في دول أخرى- تبدو أكثر اتساعا في طموحها وربما أشد أثرا على المدى البعيد.

font change

مقالات ذات صلة