ديلسي رودريغيز... عندما يعتمد البقاء على تثبيت النظام وليس على أساطير الثورة

الكفاءة المؤسسية بدلا من الاعتماد على الكاريزما الجماهيرية

أ.ف.ب
أ.ف.ب
نائبة رئيس فنزويلا، ديلسي رودريغيز، خلال مؤتمر صحفي في كاراكاس في 8 سبتمبر 2025

ديلسي رودريغيز... عندما يعتمد البقاء على تثبيت النظام وليس على أساطير الثورة

عندما شنّت القوات الأميركية غارات على أهداف فنزويلية مطلع هذا العام، امتدت الصدمة إلى أرجاء نظام سياسي كان يعاني أصلا من ضغوط هائلة. ولم يفضِ الهجوم، الذي أعقبه اعتقال نيكولاس مادورو، إلى الانهيار الذي توقعه كثيرون في واشنطن منذ زمن طويل. بل كشف عن مدى دقة هندسة بنية السلطة في فنزويلا، المصممة للتعامل مع لحظات الأزمات. وفي قلب هذه اللحظة الحرجة، برزت ديلسي رودريغيز، إذ ظهرت بهدوء واتزان وحزم، بوصفها الصوت الرئيس للحكومة، مشيرة إلى استمرارية النظام لا إلى قطيعة معه.

لم يكن بروز رودريغيز وليد الصدفة، فقد عملت لسنوات طويلة في صميم الدبلوماسية، والانضباط الداخلي، وإدارة الأزمات. وبينما جسد مادورو الإرث الرمزي لثورة شافيز، أصبحت رودريغيز، على نحو متزايد، تمثل جوهرها العملياتي. ويتيح صعودها نافذة كاشفة على كيفية صمود القيادة الفنزويلية في مواجهة الضغوط، ويفسر سبب إسهام الإكراه الخارجي، في كثير من الأحيان، في تعزيز شخصيات من طرازها بدلا من زعزعة استقرارها.

ومن المقرر أن تُؤدّي رودريغيز اليمين الدستورية في 5 يناير/كانون الثاني كرئيسة لفنزويلا، وذلك بعد ساعات من تحذير الرئيس الأميركي دونالد ترمب لها بأنها قد تدفع "ثمنا باهظا جدا" إذا "لم تفعل ما هو صائب".

وفي نبرة بدت تصالحية، دعت رودريغيز الحكومة الأميركية إلى التعاون في وضع أجندة مشتركة، في بيان نشرته على وسائل التواصل الاجتماعي.

وقالت إن فنزويلا "تتطلع إلى العيش دون تهديدات خارجية"، وإنها ترغب في إعطاء الأولوية للتحرك نحو علاقات متوازنة ومحترمة مع الولايات المتحدة.

من الكادر إلى القيادة

وُلدت ديلسي إيلوينا رودريغيز غوميز في كاراكاس عام 1969 لعائلة منخرطة سياسيا. وبعد تلقيها تدريبا في القانون، دخلت معترك السياسة عبر صفوف الحركة البوليفارية المنظمة، بدلا من الاعتماد على التعبئة الشعبية. وقد عكست بدايات مسيرتها المهنية تفضيلها للكفاءة المؤسسية على الكاريزما الجماهيرية، وهي سمة ستحدد لاحقا أسلوب قيادتها.

على عكس شافيز، الذي استندت سلطته إلى شعبيته الجارفة، تقدمت رودريغيز بفضل مصداقيتها وتوافقها الأيديولوجي. وقد شغلت سلسلة من المناصب القانونية والسياسية قبل أن تعيَّن مندوبة دائمة لفنزويلا لدى الأمم المتحدة، حيث اكتسبت سمعة بوصفها مدافعة شرسة وثابتة عن سيادة الدولة. وتسارع صعودها عام 2014 مع تعيينها وزيرة للخارجية، وهو المنصب الذي شغلته خلال بعض من أصعب سنوات العزلة الدبلوماسية التي عرفتها البلاد.

كثيرا ما يلاحظ المراقبون أن رودريغيز تفتقر إلى الشعبوية المسرحية التي ميزت المرحلة الأولى من حكم شافيز. غير أن هذا الغياب تحوّل إلى ميزة. ففي نظام بات يتشكل، على نحو متزايد، بفعل العقوبات والندرة والمواجهة، غدا الانضباط والكفاءة أكثر أهمية من الشعبية. وقد ترسخت سلطة رودريغيز في غرف المفاوضات، والملفات القضائية، والإحاطات الإعلامية المرتبطة بالأزمات، أكثر مما ترسخت في الساحات العامة.

على عكس شافيز، الذي استندت سلطته إلى شعبيته الجارفة، تقدمت رودريغيز بفضل مصداقيتها وتوافقها الأيديولوجي

الدبلوماسية في ظل العقوبات

تزامن تولي رودريغيز منصب وزيرة الخارجية مع تصاعد حدة المواجهة بين فنزويلا والولايات المتحدة وأوروبا. فقد تشددت العقوبات، وتراجع الاعتراف الدبلوماسي، وتقلصت فرص الوصول إلى الأسواق الدولية. وردا على ذلك، تحولت كاراكاس من التقارب الأيديولوجي إلى البقاء التكتيكي.

اعتمدت الحكومة، على نحو متزايد، على المشاركة الانتقائية، والمناورات القانونية، والعلاقات الثنائية السرية للتخفيف من آثار العزلة. وقد غدت رودريغيز ركنا أساسيا في هذا المسعى، إذ انتهجت استراتيجية جمعت بين التحدي العلني والبرغماتية الهادئة، مستغلة الانقسامات الأوروبية، والغموض متعدد الأطراف، وحدود آليات الإنفاذ.

أ.ف.ب
الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، بجوار ديلسي رودريغيز في قصر ميرافلوريس الرئاسي في كاراكاس في 23 يناير 2019

كان أسلوبها الدبلوماسي تصادميا في نبرته، لكنه حذر في جوهره. فقد أدركت رودريغيز أن البقاء لا يعتمد على رفع العقوبات بقدر ما يعتمد على إدارتها. وهو ما يتطلب إلماما قانونيا، وانضباطا في الخطاب، وقدرة على استيعاب الضغوط من دون إثارة التصعيد. وفي خضم ذلك، ترسخت مكانتها داخل النظام بوصفها شخصية موثوقة قادرة على العمل في بيئات معادية.

على الرغم من شهرتها، لم تُصوّر رودريغيز قط بوصفها خليفة لمادورو، بل انحصر دورها في دور "المثبّت". وتسهم الأبحاث المتعلقة بالأنظمة الاستبدادية تحت الضغط في تفسير هذه الديناميكية فهذه الأنظمة تعطي الأولوية للتماسك على حساب التجديد، وتُعلي من شأن المقرّبين الذين يعززون الانضباط، بدلا من الشخصيات التي تعد بالتغيير.

على الرغم من شهرتها، لم تُصوّر رودريغيز قط بوصفها خليفة لمادورو، بل انحصر دورها في دور "المثبّت"

تجسّد رودريغيز هذا النمط بدقة. فسلطتها لا تستمد من جاذبيتها الانتخابية أو من أساطير الثورة، بل من قدرتها على فرض التماسك داخل دولة مجزأة. إنها تجسّر الفجوة بين القيادة المدنية والولاء العسكري والرسائل الدولية، الأمر الذي يجعلها شخصية لا غنى عنها في لحظات الأزمات.

عززت الضربة الأميركية هذا المنطق. فبدلا من إحداث انقسامات بين النخب، عمل الضغط الخارجي على تعزيز تماسك الدائرة الداخلية. وأكد الظهور السريع لرودريغيز كمتحدثة رسمية أن السلطة في فنزويلا تتدفق عبر آليات موثوقة، بدلا من الاعتماد على التسلسلات الهرمية الرسمية.

شبكات تتجاوز حدود الدولة

لا يمكن تفسير صمود فنزويلا في مواجهة العقوبات بالسياسة الداخلية وحدها، بل يستند أيضا إلى شبكة من العلاقات الدولية التي تعمل جنبا إلى جنب مع الدبلوماسية الرسمية. يعتمد المسؤولون الفنزويليون على شبكات غير رسمية عابرة للحدود، تربط بين أوروبا والشرق الأوسط وأجزاء من آسيا، للوصول إلى الموارد، ونقل رؤوس الأموال، والحفاظ على المرونة الاستراتيجية.

أ.ف.ب
ديلسي رودريغيز، خلال عرض مشروع قانون الميزانية لعام 2025 في الجمعية الوطنية في كاراكاس في 3 ديسمبر 2024

أصبحت رودريغيز حلقة وصل أساسية في هذه الشبكات، إذ تتيح لها خبرتها في المؤسسات متعددة الأطراف وكفاءتها القانونية التعامل مع الأنظمة القضائية التي لا تزال تحيط بها تحالفات سياسية غامضة. ومع تقلص فاعلية السبل الدبلوماسية التقليدية، ازدادت أهمية هذه القدرة على نحو ملحوظ.

لا تشير هذه الشبكات إلى القوة بالمعنى التقليدي، بل تعكس التكيف، إذ تستمر الدولة في البقاء بتحوّلها إلى كيان مسامي، واستغلال الغموض، والعمل في المناطق الرمادية للنظام الدولي. كما يبرز دور رودريغيز في هذا النظام كيف تُمارس السلطة عبر التنسيق أكثر من إصدار الأوامر.

لا تشير هذه الشبكات إلى القوة بالمعنى التقليدي، بل تعكس التكيف، إذ تستمر الدولة في البقاء بتحوّلها إلى كيان مسامي، واستغلال الغموض، والعمل في المناطق الرمادية للنظام الدولي

يأتي التحرك الأميركي الأخير في سياق نمط مألوف، ففشلت الإجراءات القسرية ضد فنزويلا مرارا وتكرارا في إحداث انتقال سياسي، بل عززت روايات العدوان الخارجي. وقد برعت رودريغيز على نحو خاص في تحويل هذا الضغط إلى ميزة سردية، وهو الأمر الذي عزز ادعاء النظام بأن سيادته مهددة.

من خلال تصوير العقوبات والضربات العسكرية على أنها اعتداءات على الاستقلال الوطني، تعيد رودريغيز وضع الحكومة في موقع المدافع لا الظالم. ويلقى هذا الخطاب صدى ليس لأنه يقنع جميع الفنزويليين، بل لأنه يستند إلى ذاكرة إقليمية طويلة من التدخلات، فقد ارتبطت القوة الخارجية تاريخيا بعدم الاستقرار وليس بالإصلاح.

ترسيخ السلطة تحت التهديد

يصف محللو السياسات الاستبدادية هذه العملية بأنها ترسيخ للسلطة من خلال إدراك التهديد. فالضغط الخارجي يضيّق الحيز السياسي، ويهمّش المعارضة، ويشدد الانضباط الداخلي. وقد عكست رسائل رودريغيز بعد الضربة الأميركية هذا المنطق، إذ شددت على الوحدة والشرعية والمقاومة بدلا من التصعيد. وبذلك، ساهمت في تحويل الضعف إلى رصيد سياسي.

أ.ف.ب
نائبة الرئيس الفنزويلي ديلسي رودريغيز تتحدث بجوار رئيس الجمعية الوطنية خورخي رودريغيز، في 11 ديسمبر 2023

كما أن مكانة رودريغيز البارزة تعقّد الافتراضات المتعلقة بالجندرة والسلطة في الأنظمة الاستبدادية، فسلطتها ليست رمزية فحسب، بل بيروقراطية ومؤسسية. فهي تتحدث بدقة، وتتجنب المبالغة في الخطاب، وتُظهر السيطرة بدلا من التعاطف.

أثار هذا الأسلوب إعجابا وعداء في آن معا، يصفها النقاد بالصلابة والمواجهة، بينما يرى فيها المؤيدون انضباطا وعزيمة. ومع ذلك، من الواضح أن وجودها يتحدى الصور النمطية للقيادة الفنزويلية، التي تُصوّر حصريا على أنها ذكورية أو عسكرية.

تجسد رودريغيز شكلا من أشكال السلطة التكنوقراطية التي أصبحت أساسية لبقاء النظام. ففي بيئة سياسية فقدت فيها الكاريزما قوتها المحركة، أصبحت السيطرة العملة السائدة.

من الواضح أن وجودها يتحدى الصور النمطية للقيادة الفنزويلية، التي تُصوّر حصريا على أنها ذكورية أو عسكرية

على الرغم من نفوذها، لا تملك رودريغيز حلا لأزمة فنزويلا، فالتحديات الهيكلية لا تزال شديدة، والتعافي الاقتصادي هش، والمؤسسات متآكلة، وثقة الجمهور متزعزعة بشدة. وفي حين قد تحمي التحالفات الدولية كاراكاس دبلوماسيا، فإنها لا تقدم الكثير فيما يخص التعافي المستدام.

صمود الأنظمة الاستبدادية يعكس قدرتها على البقاء لا استقرارها. وتندرج رودريغيز ضمن هذا المنطق، لا كمصلح، بل كمديرة للتدهور. وقد عززت الضربة الأميركية الأخيرة هذا الدور، فبدلا من إضعاف النظام، كثفت ردود فعله الدفاعية، وهو الأمر الذي رفع من شأن مديري الأزمات الذين تتمثل مهمتهم في امتصاص الضغوط، واحتواء الاضطرابات، والحفاظ على استمرارية النظام.

يجسد صعود ديلسي رودريغيز تحولا أوسع نطاقا في السياسة الفنزويلية، فالثورة التي وعدت سابقا بالمشاركة وإعادة توزيع الثروة باتت اليوم قائمة على السيطرة والتكيف. تبقى الأيديولوجيا مجرد لغة، بينما تكمن السلطة في يد الإدارة.

ليست رودريغيز وجها لفنزويلا في المستقبل، بل راعية لحاضرها. تعكس سلطتها نظاما يعمل دون موافقة شعبية واسعة، معتمدا بدلا من ذلك على الانضباط والشبكات وإدارة التهديدات.

بينما يتناقش الفاعلون الخارجيون حول خطواتهم التالية، يقدم مسار رودريغيز درسا تحذيريا: فالضغط وحده نادرا ما يُحدث تغييرا، بل غالبا ما يصقل مهارات أولئك الأكثر قدرة على تحمله.

الأمر الذي يبقى غير مؤكد ليس قدرة رودريغيز على الصمود، بل ما إذا كان النظام السياسي، الذي يعتمد على الصمود وحده، قادرا على تجاوز مرحلة البقاء.

font change

مقالات ذات صلة