عندما شنّت القوات الأميركية غارات على أهداف فنزويلية مطلع هذا العام، امتدت الصدمة إلى أرجاء نظام سياسي كان يعاني أصلا من ضغوط هائلة. ولم يفضِ الهجوم، الذي أعقبه اعتقال نيكولاس مادورو، إلى الانهيار الذي توقعه كثيرون في واشنطن منذ زمن طويل. بل كشف عن مدى دقة هندسة بنية السلطة في فنزويلا، المصممة للتعامل مع لحظات الأزمات. وفي قلب هذه اللحظة الحرجة، برزت ديلسي رودريغيز، إذ ظهرت بهدوء واتزان وحزم، بوصفها الصوت الرئيس للحكومة، مشيرة إلى استمرارية النظام لا إلى قطيعة معه.
لم يكن بروز رودريغيز وليد الصدفة، فقد عملت لسنوات طويلة في صميم الدبلوماسية، والانضباط الداخلي، وإدارة الأزمات. وبينما جسد مادورو الإرث الرمزي لثورة شافيز، أصبحت رودريغيز، على نحو متزايد، تمثل جوهرها العملياتي. ويتيح صعودها نافذة كاشفة على كيفية صمود القيادة الفنزويلية في مواجهة الضغوط، ويفسر سبب إسهام الإكراه الخارجي، في كثير من الأحيان، في تعزيز شخصيات من طرازها بدلا من زعزعة استقرارها.
ومن المقرر أن تُؤدّي رودريغيز اليمين الدستورية في 5 يناير/كانون الثاني كرئيسة لفنزويلا، وذلك بعد ساعات من تحذير الرئيس الأميركي دونالد ترمب لها بأنها قد تدفع "ثمنا باهظا جدا" إذا "لم تفعل ما هو صائب".
وفي نبرة بدت تصالحية، دعت رودريغيز الحكومة الأميركية إلى التعاون في وضع أجندة مشتركة، في بيان نشرته على وسائل التواصل الاجتماعي.
وقالت إن فنزويلا "تتطلع إلى العيش دون تهديدات خارجية"، وإنها ترغب في إعطاء الأولوية للتحرك نحو علاقات متوازنة ومحترمة مع الولايات المتحدة.
من الكادر إلى القيادة
وُلدت ديلسي إيلوينا رودريغيز غوميز في كاراكاس عام 1969 لعائلة منخرطة سياسيا. وبعد تلقيها تدريبا في القانون، دخلت معترك السياسة عبر صفوف الحركة البوليفارية المنظمة، بدلا من الاعتماد على التعبئة الشعبية. وقد عكست بدايات مسيرتها المهنية تفضيلها للكفاءة المؤسسية على الكاريزما الجماهيرية، وهي سمة ستحدد لاحقا أسلوب قيادتها.
على عكس شافيز، الذي استندت سلطته إلى شعبيته الجارفة، تقدمت رودريغيز بفضل مصداقيتها وتوافقها الأيديولوجي. وقد شغلت سلسلة من المناصب القانونية والسياسية قبل أن تعيَّن مندوبة دائمة لفنزويلا لدى الأمم المتحدة، حيث اكتسبت سمعة بوصفها مدافعة شرسة وثابتة عن سيادة الدولة. وتسارع صعودها عام 2014 مع تعيينها وزيرة للخارجية، وهو المنصب الذي شغلته خلال بعض من أصعب سنوات العزلة الدبلوماسية التي عرفتها البلاد.
كثيرا ما يلاحظ المراقبون أن رودريغيز تفتقر إلى الشعبوية المسرحية التي ميزت المرحلة الأولى من حكم شافيز. غير أن هذا الغياب تحوّل إلى ميزة. ففي نظام بات يتشكل، على نحو متزايد، بفعل العقوبات والندرة والمواجهة، غدا الانضباط والكفاءة أكثر أهمية من الشعبية. وقد ترسخت سلطة رودريغيز في غرف المفاوضات، والملفات القضائية، والإحاطات الإعلامية المرتبطة بالأزمات، أكثر مما ترسخت في الساحات العامة.


