نفط فنزويلا... من براميل الظل إلى شفافية الأسواق

لماذا لا تستطيع صادرات فنزويلا أن تحل محل إمدادات النفط الخليجي؟

Shutterstock
Shutterstock

نفط فنزويلا... من براميل الظل إلى شفافية الأسواق

أعادت الإجراءات العسكرية الأميركية الأخيرة نفط فنزويلا الخام إلى واجهة النقاش الاقتصادي في العالم عموما، وفي أسواق النفط العالمية خصوصا. وغالبا ما يتناول النقاش تطورا كهذا بلهجة جيوسياسية حادة، توحي بأن الادارة الأميركية لصادرات النفط الفنزولية ستعيد توجيه سوق النفط بسرعة، وتغيير مسارات التجارة، وربما زعزعة توازنات الإمداد عالميا.

لا شك أن هذه القراءة تختزل واقع صناعة النفط إلى حد بعيد. الحقيقة أكثر تعقيدا، إذ تخضع قصة الخام الفنزويلي لشروط تقنية واقتصادية صارمة، تمليها طبيعة النفط الخام وخصائصه الجيولوجية، واقتصادات التكرير، وسلاسل النقل، وتوافر رأس المال، وهي عوامل غالبا ما تتقدم على السياسة في رسم توجهات السوق.

ليس السؤال ما إذا كان الخام الفنزويلي مهما، فهو كذلك بلا شك، بل يتمحور حول حجم هذه الأهمية فعليا في الأسواق، والظروف التي قد تجعل أثره حاسما أو تبقيه ضمن حدود ضيقة.

الاحتياطيات في مقابل الأداء التشغيلي

تملك فنزويلا أكبر احتياطات نفط خام مثبتة في العالم، وهي حقيقة تتكرر كثيرا لكنها تُفهم على نحو مضلل في كثير من الأحيان. إذ تقيس الاحتياطيات ما يوجد من هيدروكربونات في باطن الأرض، لا ما يمكن تحويله عمليا إلى براميل تُنتج وتُكرر وتُنقل إلى السوق بصورة مستقرة وموثوق بها.

تتراوح صادرات الخام الفنزويلي عادة بين 700 ألف و900 ألف برميل يوميا في فترات استقرار التدفقات نسبيا. وهذا الرقم، لا عناوين الاحتياطيات، هو الذي يرسم وزن فنزويلا الفعلي في السوق ويحدد مقدار أثرها

يتركز معظم الإنتاج الفنزويلي على اليابسة ضمن حزام أورينوكو، حيث يغلب على الناتج خام فائق الثقل وشديد الثقل.

يعد هذا النوع من النفط الأكثر حاجة للمعالجة من الناحية الفنية ضمن منظومة النفط العالمية. فهي خامات عالية الكثافة ومرتفعة الكبريت، وغالبا ما تحتاج إلى تخفيف عبر مزجها بخامات أخف أو بإضافة مكثفات حتى تصبح قابلة للنقل والتصدير من الأساس. وخلال العقد الماضي، قيّد ضعف الاستثمار في المنشآت، وتراجع الأداء التشغيلي، وتآكل البنية التحتية، قدرة فنزويلا على تحويل قاعدة مواردها إلى إيرادات قابلة للاستدامة. لذلك، تبدو طاقتها التصديرية بعيدة عن الإمكانات التي توحي بها الجيولوجيا وحدها.

عمليا، تتراوح صادرات الخام الفنزويلي عادة بين 700 ألف و900 ألف برميل يوميا في فترات استقرار التدفقات نسبيا. وهذا الرقم، لا عناوين الاحتياطيات، هو الذي يرسم وزن فنزويلا الفعلي في السوق ويحدد مقدار أثرها.

أين الصين كسوق للخام الفنزويلي؟

برزت الصين خلال الأعوام المنصرمة بوصفها السوق الأهم للخام الفنزويلي. ولم يدفع هذا الدور توافق المواصفات، إذ لا تتعامل المصافي الصينية عادة مع النفط الفائق الثقل بوصفه خيارا أوليا، بل كمرونة تجارية أتاحت تمرير حسومات كبيرة واستيعاب عدم انتظام الشحنات مع تحمل الأخطار اللوجستية.

Shutterstock
مضخة نفط في مدنية لاغونيلاس غرب فنزويلا

أما طريقة تسديد قيمة براميل النفط، فكانت جزءا أساسيا من القصة. إذ اتبعت صفقات الخام الفنزويلي المتجه إلى الصين آليات غير تقليدية شملت مبادلات السلع، وترتيبات لتسوية الديون، وتسويات غير مباشرة، مع استخدام قنوات تمويل موازية خارج الدولار في بعض الحالات.

في حال أُعيد توجيه النفط الخام الفنزويلي إلى الولايات المتحدة، تتغيّر طبيعة التجارة جذريا. إذ تعمل المصافي الأميركية ضمن منظومة تجارية منظمة وعالية الشفافية ومقومة بالدولار

تسمح هذه الهياكل بتحريك البراميل على الرغم من القيود والعقوبات، لكنها تقلّص شفافية التسعير وتؤخر تحول العائدات إلى سيولة فعلية. في المحصلة، أدّت الصين دور منفذ التصريف الأخير، إذ استوعبت براميل تعذر العثور لها على وجهات مماثلة في أماكن أخرى.

لماذا لا تشبه الولايات المتحدة الصين؟

إذا أُعيد توجيه النفط الخام الفنزويلي إلى الولايات المتحدة، تتغيّر طبيعة التجارة جذريا. إذ تعمل المصافي الأميركية ضمن منظومة تجارية منظمة وعالية الشفافية ومقومة بالدولار، حيث تشتري الشحنات شراء مباشرا، ويمولها نظام مصرفي ممتثل للقوانين العالمية المعتمدة، وتؤمنها جهات معترف بها، وتتحرك بعقود محكمة قابلة للإنفاذ.

رويترز
سفن ضخمة لنقل النفط الفنزويلي المفروضة عليه عقوبات أميركية، بالقرب من مدينة بويرتو كابيللو الفنزويلية، 29 ديسمبر 2025

ولا تتسق ترتيبات المقايضة غير الرسمية، أو هياكل المبادلات المبهمة، أو التسويات عبر العملات المشفرة، وهي آليات قد تُستخدم في تجارة ثنائية أو تجارة ملتفة على العقوبات، مع نظام التكرير الأميركي. فالولايات المتحدة لا "تستحوذ" على النفط الخام، بل تشتريه وفق أسعار السوق وبشروط تجارية ملزمة.

ويحدّ هذا الفارق وحده من حجم النفط الخام الفنزويلي الذي يمكن السوق الأميركية استيعابه، ويحد من جدواه الاقتصادية.

منظومات التكرير والمعالجة

من الناحية التقنية، لا يُعد الخام الفنزويلي غريبا على المصافي الأميركية. إذ يستضيف ساحل الخليج الأميركي منظومات تكرير شديدة التعقيد، مزودة وحدات التفحيم المؤجل، ووحدات التكسير الهيدروجيني، ووحدات إزالة الكبريت العميقة. وقد شُيدت هذه الأصول، جزئيا، لمعالجة النفط الثقيل المرتفع الكبريت.

لا تستطيع صادرات فنزويلا أن تحل محل إمدادات الخليج العربي. حتى لو أُعيد توجيه كل برميل فنزويلي إلى الولايات المتحدة

وتتراوح درجات خام أورينوكو عادة بين 8 و16 درجة API، مع محتوى كبريت يتجاوز في كثير من الأحيان 3 إلى 4 في المئة، مما يجعله عند الطرف الأكثر ثقلا ضمن طيف البرميل. وللمقارنة، تسجّل الخامات الثقيلة الكبريتية في الخليج العربي عادة بين 20 و28 درجة API، مع محتوى كبريت أدنى وجودة أكثر انتظاما.

ولا يُعد هذا الفارق تفصيلا ثانويا. فبالرغم من تصنيف النوعين ضمن خامات ثقيلة مرتفعة الكبريت، تبدو خامات الخليج العربي أسهل تشغيلا، وتحتاج إلى مزج أقل، وتنتج عوائد أكثر قابلية للتنبؤ. يستطيع المُكَرِّرون في الولايات المتحدة معالجة الخام الفنزويلي، لكنهم يفعلون ذلك غالبا ضمن نوافذ تشغيل أضيق وبتكلفة أعلى.

أ.ف.ب.
عامل يقف بجانب خزانات النفط التابعة لشركة النفط الفنزويلية الوطنية، في منطقة بويرتو كابيللو، فنزويلا، 27 سبتمبر 2025

لهذا، أدّت شركة "شيفرون" الأميركية تاريخيا دورا محوريا. إذ تجمع خبرتها التشغيلية في فنزويلا مع قدرتها على الوصول إلى طاقات تكريرية على ساحل الخليج الأميركي، مما يضعها في موقع فريد للتعامل مع هذه الخامات. ومع ذلك، لا يعني التوافق قابلية التوسع.

لماذا لا يحل الخام الفنزويلي محل النفط الخليجي؟

يبقى الحجم هو القيد الحاسم. إذ تستورد الولايات المتحدة أكثر من مليوني برميل يوميا من النفط الخام من الشرق الأوسط، ويشكل منتجو الخليج العربي جزءا كبيرا من هذا الرقم الإجمالي. أمام هذا الحجم، لا تستطيع صادرات فنزويلا التي تراوح عادة بين 700 ألف و900 ألف برميل يوميا أن تحل محل إمدادات الخليج العربي. وحتى لو أُعيد توجيه كل برميل فنزويلي إلى الولايات المتحدة، وهو افتراض غير واقعي، لا يتجاوز الأثر دعم واردات الولايات المتحدة من النفط الثقيل المرتفع الكبريت، لا إعادة هيكلة مسارات التجارة أو تغيير التوازنات العالمية على نحو ملموس.

يتفاقم هذا القيد بسبب واقع قطاع الاستكشاف والإنتاج. إذ يتطلب إنتاج النفط الثقيل في فنزويلا رأسمالا كبيرا واستثمارات مستمرة للحفاظ على مستويات الإنتاج. وقد قادت سنوات نقص الاستثمار إلى تراجع الحقول وتعثر مرافق الترقية، مما يعني أن أي انتعاش حقيقي لا يتحقق إلا بتوافر مئات المليارات من الدولارات وإطار استثماري مستقر. في النتيجة، يبقى الخام الفنزويلي مساهما هامشيا في المنظومة العالمية، لا قوة تعيد هيكلتها، وتُقاس أي استجابة في الإمدادات بالسنوات لا بالأشهر.

يُساء فهم حجم احتياطيات فنزويلا من النفط الخام كثيرا. فعلى الرغم من أن البلاد تمتلك أكبر ثروة نفطية جيولوجية في العالم، لا يمكن تحويل تلك الاحتياطيات إلى إمدادات متاحة تجاريا بسرعة

يظل الخام الفنزويلي مؤثرا بوصفه سردية سوقية تحركها المعنويات أكثر مما هو صدمة حقيقية في الأحجام. قد تحرك العناوين المتعلقة بإجراءات الإنفاذ أو مصادرة الأصول أسعار العقود الآجلة لفترة وجيزة، لكن الأثر على السعر المستدام يحتاج إلى انتاج مستقر للبراميل وقابلية للتسليم، وهو ما افتقرت إليه فنزويلا باستمرار. ويدرك المتعاملون في السوق هذا الواقع، لذلك تأتي ردود الفعل الأولية المرتبطة بفنزويلا قصيرة الأجل غالبا، ثم تتبعها مراجعة سريعة عندما يتضح أن الإمدادات الفعلية لم تتغير على نحو جوهري.

تقع فنزويلا عند تقاطع إمكانات جيولوجية هائلة وقيود عملية شديدة، لكن لا تستطيع الولايات المتحدة تكرار نموذج الاستيعاب الصيني للخام الفنزويلي وفق آليات تجارة غير تقليدية، ولا ترغب فيه. لذلك، فإن أي إعادة توجيه للخام الفنزويلي غربا، تغيّر المسارات والتسعير على الهامش، من دون إعادة كتابة توازنات النفط العالمية. البراميل موجودة، لكن نفوذها مقيد بالجودة والحجم واللوجستيات ومتطلبات الاستثمارات.

رأس المال، لا مجرد صدمة للسوق

يُساء فهم حجم احتياطيات فنزويلا من النفط الخام، فعلى الرغم من أن البلاد تمتلك أكبر ثروة نفطية جيولوجية في العالم، لا يحدث تحويل تلك الاحتياطيات إلى إمدادات متاحة تجاريا بسرعة، ولا بتكلفة محدودة. إذ يتطلب الخام الفائق الثقل في فنزويلا استثمارات بمئات المليارات من الدولارات، تمتد من المنبع، ومرافق التحسين، الى اللوجستيات، والبنية التحتية للتصدير. حتى وفق أكثر الافتراضات تفاؤلا، تستغرق استعادة الإنتاج إلى مستوياته التاريخية سنوات، لا أشهرا. ويعود ذلك إلى أن الخام الفنزويلي لا يلائم معظم المصافي بطبيعتها من دون مزج أو طاقة تحويل عميق.

رويترز
مؤتمر صحافي الرئيس الأميركي دونالد ترمب غب حضور وزيري الدفاع والخارجية ورئيس هيئة الأركان المشتركة، عقب الضربة الأميركية التي استهدفت فنزويلا وأسفرت عن اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته، فلوريدا، 3 يناير 2026

ومن منظور التكرير، لا تظهر السوق الأكثر كفاءة للخام الفنزويلي الشديد الثقل بوصفه لقيما منفردا، بل بوصفه مكونا للخلط. فعندما يمتزج بنفط الصخر الزيتي الأميركي، وهو خفيف ومنخفض الكبريت، يتكون مزيج قابل للتشغيل لدى المصافي المعقدة على ساحل الخليج الأميركي. في هذا المعنى، يُكمل الخام الفنزويلي الإنتاج المحلي الأميركي ولا يستبدله.

ومع ذلك، تبقى الأحجام محدودة حتى ضمن هذا النمط القائم على المزج. فلا تستطيع صادرات في حدود 700 ألف برميل يوميا أن تحل محل واردات الولايات المتحدة من النفط الخام من الشرق الأوسط. والأهم أن منتجي الشرق الأوسط يرسلون بالفعل حصة متزايدة من خامهم إلى آسيا لا إلى الولايات المتحدة، لأن الأسواق الآسيوية تحقق سعرا أعلى وهوامش أقوى ونموا طويل الأجل في الطلب. لذلك، لا ينتج أي تراجع في واردات الولايات المتحدة من الشرق الأوسط من إمدادات فنزويلية، بل ينتج من تحسين عالمي لمسارات التجارة.

تبقى فنزويلا عضوا في "أوبك"، وكانت أحد الأعضاء الخمسة المؤسسين للمنظمة عام 1960 إلى جانب السعودية، وإيران، والعراق، والكويت

إذا تولت الولايات المتحدة السيطرة على صادرات الخام الفنزويلي، وأُعيد توجيه التدفقات، فستحتاج الصين إلى استبدال الخام الفنزويلي الثقيل بإمدادات بديلة، ويرجّح أن تأتي من منتجي الخليج العربي. لا يؤدي ذلك إلى سحب براميل من السوق العالمية، بل يعيد توجيه التدفقات التجارية فحسب، إذ يتجه خام الشرق الأوسط لتغطية احتياجات الصين، بينما تستوعب الولايات المتحدة أحجاما فنزويلية محدودة. في الجوهر، تتبدل الدورة، لكن لا يتغير التوازن العالمي. وتزداد أهمية هذا الاستنتاج لأن ليس كل مصفاة قادرة على معالجة الخام الفنزويلي الفائق الثقل على نحو اقتصادي.

رويترز
ناقلة نفط من فنزويلا وسط البحر بالقرب من سنغافورة، بعد ملاحقتها من السلطات الأميركية، 18 مارس 2025

يبقى الاستنتاج الأوسع واضحا. لا يشكل الخام الفنزويلي قوة تقلب السوق، بل يُعد مصدرا للإمداد كثيف رأس المال، بالغ المتطلبات التقنية، ومقيّدا بالوقت. لن يؤدي أي تحول في السيطرة إلى إغراق السوق أو الإضرار بالتوازنات العالمية، بل يعيد ترتيب مسارات التجارة. تتكيّف سوق النفط، ولا تنكسر.

من براميل الظل إلى الشفافية

تبقى فنزويلا عضوا في "أوبك"، وكانت أحد الأعضاء الخمسة المؤسسين للمنظمة عام 1960 إلى جانب السعودية، وإيران، والعراق، والكويت. لذلك، يأتي أي نفط فنزويلي يدخل السوق من داخل "أوبك"، لا من خارجها. وإذا اضطلعت الولايات المتحدة بدور في هيكلة صادرات الخام الفنزويلي أو الإشراف عليها، فلن يُمثّل ذلك تدفقا خارج السيطرة من الإمدادات، بل تحولا نحو شفافية أعلى وامتثال أكبر وانضباط أوضح في السوق. تستمر البراميل الفنزويلية عبر قنوات رسمية، وتجد وجهاتها الطبيعية في التكرير وفق جودة النفط الخام، ويجري تسعيرها بكفاءة أعلى، بدلا من بيعها بحسومات كبيرة عبر مسارات مظلمة تقودها العقوبات.

في هذا المعنى، ما يجري لا يُعتبر، في لغة السوق، تهديدا لـ"أوبك" أو لمنتجي الخليج العربي، بل عملية تطبيع تدعم استقرار الأسعار، وتُعزز دور "أوبك"، وترسخ تنافسية منتج الخليج العربي، وتُحسن الشفافية، وهي نتائج تخدم سوق النفط العالمية.

font change

مقالات ذات صلة