ترمب لا يملك خطة حقيقية لفنزويلا

يركز الرئيس الأميركي على مكاسب سريعة والاستعراض والأمل في حكومة فنزويلية تلبي مطالبه، فيما يجد الفنزويليون أنفسهم عالقين، مرة أخرى، بين فوضى دكتاتورية وتذبذب سياسة واشنطن.

أ.ف.ب
أ.ف.ب
تظاهرة لمعارضي الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في دورال، فلوريدا، في 4 يناير 2026

ترمب لا يملك خطة حقيقية لفنزويلا

استيقظ العالم صباح السبت على خبر يفيد بأن الجيش الأميركي- بعد أشهر من الحشد- قصف مواقع في أنحاء من فنزويلا، وأنه في مهمة لقوات العمليات الخاصة لا تزال تفاصيلها غامضة، ألقي القبض على الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس. وسُلما إلى القضاء الأميركي لمواجهة تهم تتعلق بالإتجار بالمخدرات وحيازة أسلحة.

لكن أكبر مفاجأة ربما جاءت في المؤتمر الصحافي الذي عقده الرئيس الأميركي دونالد ترمب لاحقا من مقره في مارالاغو. ففي خضم التفاخر المتوقع، أعلن ترمب على نحو غير متوقع أن الولايات المتحدة ستبقى مسيطرة على فنزويلا إلى أن ينتقل الحكم.

كان ذلك تصريحا غريبا. فبحسب روايات من فنزويلا، لا تزال قوات الأمن الموالية لمادورو في شوارع العاصمة كاراكاس وفي أماكن أخرى، ولا توجد تقارير عن أي بوادر لانتفاضة تقودها المعارضة. كما لا تحتل القوات الأميركية ذلك البلد الشاسع الذي يبلغ عدد سكانه نحو 30 مليون نسمة.

ومنذ المحاولة الفاشلة في عام 2019 لتنصيب رئيس الجمعية الوطنية السابق خوان غوايدو رئيسا ديمقراطيا انتقاليا لفنزويلا، جعل ترمب إزاحة مادورو مشروعا شخصيا له. لكن الأمر هذه المرة، في الوقت الراهن على الأقل، لا يتعلق بإعادة الديمقراطية.

وتبرر إدارة ترمب إلقاء القبض على مادورو وزوجته بوصفه عملية موجهة لإنفاذ القانون، وتعد الضربات مرافقة ضرورية لذلك. وغادرت تلك العملية الخاصة بسرعة ومعها غنائمها، ولا وجود معترفا به رسميا لقوات أميركية على الأرض في البلد المثقل بالأزمات.

بدت خطوات ترمب المفاجئة في 3 يناير أقل شبها بالدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، وأكثر شبها بمسعى برغماتي محدود لإزالة مصدر إزعاج في نصف الكرة الغربي

ونفذ القصف الموجّه داخل فنزويلا عن بعد، واستهدف مواقع متعددة، منها مدارج طيران وثكنات وحصون عسكرية وميناء. ولم يترك الجيش الأميركي أي حضور مادي معروف داخل البلاد. فكيف يتوقع ترمب والولايات المتحدة أن يسيطرا على أي انتقال مقبل؟

هنا تظهر المفاجأة الترمبية الحقيقية. فقد كان هناك بديل، وحكومة فنزويلية شرعية، تنتظر في الأجنحة، لكن ترمب تجاهلها فورا. وبحسب كل الروايات الدولية المحايدة، فازت المعارضة في الانتخابات الرئاسية لعام 2024، إذ ترشح إدموندو غونزاليس بديلا عن زعيمة المعارضة المحظورة ماريا كورينا ماتشادو.

أ.ف.ب
تظاهرة لمعارضي الرئيس الفنزويلي المخلوع نيكولاس مادورو في دورال، فلوريدا، في 4 يناير 2026.

لكن بدل أن يلتفت الرئيس الأميركي إلى حركة المعارضة، أعلن أن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يتفاوض مع نائبة الرئيس مادورو، دلسي رودريغيز، وهي نفسها خاضعة لعقوبات أميركية. وقال إن رودريغيز كانت ودودة على نحو لافت ومستعدة لأن تجعل فنزويلا "عظيمة من جديد"، مع أنها لا تملك خيارا. وبعد ساعات قليلة، ألقت رودريغيز خطابا متلفزا، وإلى جانبها وزير دفاع البلاد ورئيس الشرطة، نفت فيه مزاعم الولايات المتحدة. وأكّدت، متحدية، دعمها لمادورو.

وكانت رسالة ترمب توحي بأن ما يجري ليس سوى مسار انتقال للسلطة أكثر برغماتية، يقوم على الواقعية السياسية وعلى دعم عناصر من داخل المنظومة القائمة. غير أن هذا المسار لا يعكس ما يريده معظم الفنزويليين، سواء داخل البلاد أو من بين نحو ثمانية ملايين غادروا فنزويلا خلال العقد الماضي. فقد رفض الناخبون مادورو ومحيطه في يوليو/تموز 2024، إذ حصد غونزاليس قرابة 70 في المئة من الأصوات، ومعه بصورة غير مباشرة ماتشادو. وكان ذلك تعبيراً واضحاً عن رغبة في التغيير والديمقراطية، وتعزز ذلك عندما منحت لجنة نوبل ماتشادو جائزة نوبل للسلام أواخر العام الماضي.

وكان الأكثر صدمة، إذن، تجاهل ترمب في مارالاغو شرعية ماتشادو الشعبية. ففي الإحاطة نفسها، قال الرئيس الأميركي: أعتقد أنه سيكون من الصعب جدا عليها أن تكون القائدة. فهي لا تملك الدعم داخل البلاد ولا تحظى بالاحترام داخلها. وربما لم يكن من قبيل المصادفة أن ترمب مارس ضغطا شديدا كي يفوز هو نفسه بجائزة نوبل.

بدت خطوات ترمب المفاجئة في 3 يناير/كانون الثاني أقل شبها بالدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، وأكثر شبها بمسعى برغماتي محدود لإزالة مصدر إزعاج في نصف الكرة الغربي، تحدى بصورة علنية ومحبطة الأعراف الديمقراطية، وتقرب من حكومات مارقة في كوبا وإيران وروسيا.

إن إزاحة رئيس بغيض ووحشي وفاسد من دون خطة انتقال واضحة، والاعتماد على بقايا نظامه كي يحقق ذلك، لا يعني دعم الديمقراطية. بل هو وصفة للفوضى.

في عام 2016، تعهد ترمب بالتخلي عن "الحروب التي لا تنتهي" وبوقف استنزاف الدماء والأموال الأميركية في تغيير الأنظمة

كانت الخطة الأميركية غير متماسكة منذ البداية. فعندما بدأ الحشد البحري الأميركي في أغسطس/آب، كان الهدف المعلن كبح تدفق المخدرات من فنزويلا إلى الولايات المتحدة. لكن الوقائع روت قصة أخرى، إذ إن فنزويلا نقطة عبور وليست مصدرا رئيسا للكوكايين لدى مستهلكي الولايات المتحدة، كما أنها لا تنتج الفنتانيل، على الرغم من مزاعم إدارة ترمب المتكررة ومساعيها لتصنيف حكومة مادورو نظاما إرهابيا مرتبطا بالمخدرات. ورغم أن الإدارة سعت سابقا إلى ربط مادورو بأزمة الفنتانيل الأميركية، لم يذكر الاتهام النهائي سوى الكوكايين.

أ.ف.ب
نائبة الرئيس الفنزويلي ديلسي رودريغيز ووزير الدفاع الفنزويلي فلاديمير بادرينو لوبيز ووزير الداخلية والعدل والسلام الفنزويلي ديوسدادو كابيلو خلال اجتماع لمجلس الوزراء في مقر رئاسة الجمهورية في كاراكاس، 4 يناير 2026

وخلال الفترة الطويلة التي سبقت أحداث 3 يناير/كانون الثاني، راهنت إدارة ترمب على أن تخصيص قدر كبير من القدرات البحرية الأميركية، مقترنا بخطب ترمب المتفاخر، سيقنع الجيش الفنزويلي بالانقلاب على مادورو. وفشل السيناريو المتفائل لتغيير النظام بأقل كلفة، لكن ما إن بدأ مسار التصعيد، حتى صار من الصعب كبح زخمه. وعندما أخفقت الحشود والتهديدات في تحقيق التغيير المنشود، جاء الدور على قصف البلاد من مسافة آمنة وإلقاء القبض على مادورو نفسه، وربما بمساعدة من الداخل.

تكمن المشكلة في أن هذا الجهد لم ينجح إلا في قطع رأس حكومة مادورو وبث الخوف بين الفنزويليين من عدم استقرار مقبل. وبدأت بالفعل عناصر داخل حكومة مادورو السابقة، ومن بينها رودريغيز نفسها، تتنافس على النفوذ السياسي في أعقاب اختفاء الرئيس السابق.

وقد يأمل ترمب أن يدفع التهديد بتصعيد الضربات الجوية النظام الفنزويلي إلى تبني سلوك يريده البيت الأبيض. لكن هل يمكن لتجاهل شرعية ماتشادو الديمقراطية واحتضان حكومة انتقالية من الموالين لمادورو أن يجلب الديمقراطية إلى مواطني فنزويلا الذين طال عذابهم؟ يبدو ذلك غير مرجح، حتى لو اتخذت رودريغيز وآخرون بالفعل موقفا مختلفا في محادثاتهم مع روبيو، على خلاف نبرتهم العلنية المتحدية.

وفي عام 2016، تعهد ترمب بالتخلي عن "الحروب التي لا تنتهي" وبوقف استنزاف الدماء والأموال الأميركية في تغيير الأنظمة. ولا تبدو في واشنطن حماسة، لا لإرسال قوات إلى الميدان ولا لالتزام طويل ببناء الدولة، وهو ما يلزم لوضع فنزويلا على مسار ثابت نحو انتقال ديمقراطي.

قد يقود تدخل الجيش الأميركي إلى تسوية أكثر ديمقراطية. غير أن هذه النتيجة لن تكون حصيلة التزام من ترمب وفريقه بحقوق الإنسان أو بالديمقراطية

كما تزيد تصريحات ترمب الملتبسة من غموض المهمة الأميركية. إذ قال إن حكومة مادورو سرقت استثمارات نفطية أميركية وأن شركات أميركية ستتولى إدارة نفط فنزويلا. غير أن هذه الرواية غير دقيقة، إذ وقعت عمليات التأميم ومصادرة أصول الشركات الأميركية إلى حد كبير في سبعينات القرن الماضي، قبل وقت طويل من حكومة مادورو أو سلفه.

وفي النهاية، قد يقود تدخل الجيش الأميركي إلى تسوية أكثر ديمقراطية. غير أن هذه النتيجة لن تكون حصيلة التزام من ترمب وفريقه بحقوق الإنسان أو بالديمقراطية، بل ستتوقف على الشعب الفنزويلي، الذي حقق للمعارضة الموحدة في عام 2024 انتصارا معترفا به دوليا.

أ.ف.ب
صورة نشرها الرئيس الأميركي دونالد ترمب تظهرالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو على متن حاملة الطائرات الأميركية "يو إس إس إيو جيما" بعد أن اعتقله الجيش الأميركي في 3 يناير 2026

ورغم كل الخطاب عن تحول فنزويلا عمليا إلى محمية أميركية مؤقتة، لا يملك ترمب أدوات كافية لجعل ذلك حقيقة على الأرض، ما لم يُقدم على غزو شامل أو يُعَوِّل على انقلاب من الداخل في كاراكاس. وسيعتمد مستقبل فنزويلا على التزام الفنزويليين بالديمقراطية وحقوق الإنسان، وعلى ما إذا كانت إدارة ترمب مستعدة للمساعدة في حمايتهما.

أما في الوقت الراهن، فيبدو أن ترمب يركز أكثر على مكاسب سريعة وعلى الاستعراض وعلى الأمل في حكومة مستعدة لتلبية مطالبه القائمة على المقايضة، أكثر من تركيزه على الديمقراطية. ويجد المواطنون الفنزويليون أنفسهم عالقين، مرة أخرى، بين فوضى ديكتاتورية اشتراكية وبين التذبذب الخطير في السياسة الخارجية الأميركية.

font change

مقالات ذات صلة