يمثل الروائي الجزائري بشير مفتي صوتا سرديا واضحا في المشهد الأدبي العربي المعاصر، إذ استطاع عبر أكثر من ثلاثة عشر عملا سرديا أن يبني عالما روائيا مسكونا بأسئلة الوجود والعزلة والمواجهة. في هذا الحوار، يغوص مفتي في أعماق تجربته التي بدأت في مطلع التسعينات، متحدثا عن أبطاله المهمشين الذين يختارون أن يكونوا وعيا مضادا للسلطات في مختلف أشكالها السياسية والدينية والمجتمعية. كما يفتح ملف "العشرية السوداء" التي يرفض نسيانها، معتبرا إياها جرحا حيا يطرح أسئلة الخير والشر وهشاشة الإنسان أمام العنف العبثي.
بطل رواياتك غالبا رجل وحيد في مدينة تكرهه أو تتآمر عليه. في "حراس الأزقة الضيقة" طبيب قلب يتهم بقتل مراهقة. في "دمية النار" ابن جلاد يهرب من إرثه. في "اختلاط المواسم" قاتل يبحث عن معنى. هل فعلا تكتب عن الجزائر، أم أن الجزائر هي الاسم الذي تمنحه لشيء أكثر خصوصية؟
لا أعتقد أن رواياتي تقوم على بطل/رجل وحيد. ربما يوجد شخص رئيس تدور حوله الرواية وهو الرابط بين شخصياتها وأحداثها، لكن هذا لا يعني أن الشخصيات الأخرى لا تلعب دورا رئيسا أو ليست مهمة في الرواية، بمعنى أنني لا أعطي صوتها مكانة في السرد وتطور الحكاية، بل هي جزء مهم في فسيفاء الروايات التي تقوم على تعدد الأصوات، وأعتقد أني أول من استعمل هذه التقنية في الرواية الجزائرية باللغة العربية مند روايتي الأولى "المراسيم والجنائز" 1997. كل هذه الشخصيات هي بالفعل تعيش كأنها محاصرة في واقعها وكأن هنالك من يتآمر عليها ويحيك لها الدسائس، لأنها ربما اختارت أن تكون وعيا مضادا للخطاب السائد أو للمؤسسات المهيمنة، التي تطلب منهم الخضوع والاستسلام أو التهميش والاقصاء والنبذ. وأقصد هنا بالمؤسسات المهيمنة ليس فقط الجانب السياسي بل حتى الديني والمجتمعي. فهي تمارس على الأفراد المختلفين أو الذين يؤمنون بقيمهم الفردية حصارا كبيرا، وأعتبر الرواية هي المجال الذي يمكن أن ننقل فيه هذا الصراع الدرامي بين الفرد والجماعة، بين المثقف والسلطة، بين الانسان الذي يتوق الى الحرية والقوى التي تقف حائلا دون تحقيق ذلك.



