اقتصاد الحرب في السودان يدخل زجاجة الكولا ومستحضرات التجميلhttps://www.majalla.com/node/332455/%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF-%D9%88%D8%A3%D8%B9%D9%85%D8%A7%D9%84/%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86-%D9%8A%D8%AF%D8%AE%D9%84-%D8%B2%D8%AC%D8%A7%D8%AC%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%88%D9%84%D8%A7-%D9%88%D9%85%D8%B3%D8%AA%D8%AD%D8%B6%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AC%D9%85%D9%8A%D9%84
في مايو/أيار 2025، كانت مخازن بورصة الصمغ العربي في مدينة النهود بولاية غرب كردفان، أحد أهم مراكز تجارة الصمغ في السودان، تضم كميات كبيرة من المحصول المخصص للتصدير، قبل أن تتعرض، مع أجزاء واسعة من السوق، لعمليات نهب عقب سيطرة "قوات الدعم السريع" على المدينة. ولم تكن الحادثة مجرد خسارة تجارية، بل جسّدت ما آل إليه أحد أهم الموارد التصديرية للسودان منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل/نيسان 2023.
لقد أصبح الصمغ العربي، الذي ظل لعقود مصدرا للدخل والعملة الأجنبية ومورد رزق لمجتمعات واسعة في الريف السوداني، جزءا من اقتصاد الحرب. ذلك أن السيطرة على مناطق إنتاجه وطرق نقله، وفرض الرسوم والإتاوات على التجار والشاحنات، وتهريبه عبر الحدود، تتيح لأطراف مسلحة وشبكات مرتبطة بالنزاع تحصيل إيرادات تساعدها في مواصلة القتال.
لا تتوقف تداعيات اضطراب إمدادات الصمغ العربي عند حدود السودان. فالصمغ العربي (E414) يدخل في مئات المنتجات الصناعية والغذائية، وهو يستخدم بحسب منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة "الفاو"، بوصفه مستحلبا ومثبتا ومكثفا وحاملا للمكونات في المشروبات الغازية، والحلويات، ومنتجات الألبان، والأدوية والكبسولات، ومستحضرات التجميل، إضافة إلى الأحبار والطباعة والمواد اللاصقة وبعض الصناعات الكيميائية. وتنبع أهميته من قدرته على الجمع بين الذوبان العالي في الماء والثبات الكيميائي وانخفاض التكلفة النسبية.
أعادت الحرب تشكيل تجارة الصمغ العربي وفق خطوط السيطرة العسكرية. ذلك أن جانبا من المحصول المنتج في مناطق سيطرة القوات المسلحة السودانية يتجه إلى ميناء بورتسودان
تقرير مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان
وتشرح الخبيرة في الشؤون السياسية والأفريقية أسماء الحسيني "أن أي اضطراب طويل في إنتاج الصمغ العربي يمثل مشكلة عالمية فعلية، بسبب اتساع الصناعات التي تعتمد عليه وصعوبة توفير بديل يؤدي الوظائف نفسها بالكفاءة والسعر نفسيهما". وتقول لـ"المجلة" "ينعكس اضطراب إمدادات الصمغ العربي على الأسعار وتكاليف الإنتاج ومخاطر سلاسل الإمداد الدولية".
مورد سوداني ومشكلة عالمية
قبل الحرب، كان السودان يستحوذ على نحو 70 إلى 80 في المئة من الصادرات العالمية للصمغ العربي الخام، وفق تقرير أصدرته مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في يوليو/تموز 2026. وتراوحت قيمة صادراته السنوية، بحسب التقرير، بين 111 مليون دولار و183 مليونا. لكن هذه الأرقام لا تعكس وحدها أهمية القطاع، إذ يعتمد عليه عدد كبير من المنتجين والتجار والعاملين، خصوصا في مناطق الحزام الممتد عبر كردفان ودارفور والنيل الأزرق.
منذ اندلاع القتال، تعرضت هذه السلسلة الاقتصادية إلى تغييرات عميقة. فأصبحت مناطق إنتاج رئيسة ساحات للعمليات العسكرية، وتعطلت طرق كانت تنقل المحصول إلى الخرطوم ومنها إلى ميناء بورتسودان.
سوداني يسير بين أشجار الأكاسيا لجمع الصمغ العربي من غابة ديموكايا البحثية الحكومية، الواقعة على بعد نحو 30 كيلومتراً شرق مدينة الأبيض، السودان، 9 يناير/كانون الثاني 2023
ويوثق فريق خبراء الأمم المتحدة المعني بالسودان أن تجارة الصمغ العربي تضررت بشدة، مع انخفاض الإنتاج السنوي من نحو 150 ألف طن إلى 60 ألف طن، أدى إلى خسارة إيرادات محتملة تقارب 198 مليون دولار سنويا (بحساب سعر 2,200 دولار للقنطار المتري المستخدم في التقرير) ، ونهب ما لا يقل عن 3,700 طن من الصمغ العربي في النصف الأول من عام 2024، بقيمة تقديرية بلغت 14.58 مليون دولار، وهو ما ألحق خسائر مباشرة بالمنتجين والتجار.
وفي المقابل، توسعت مسارات غير رسمية نحو بلدان الجوار، إذ يعاد تصدير كميات من الصمغ بوصفها منتجات محلية، مما يجعل التحقق من منشئها ومن الجهات المستفيدة من عوائدها أكثر صعوبة. وفي هذا السياق، تؤكد الحسيني أن "المشكلة لا تكمن في السلعة نفسها، بل في ظروف إنتاجها وبيعها". فمع تراجع مؤسسات الدولة وضعف الرقابة وسطوة السلاح، تحولت موارد السودان، ومنها الصمغ العربي، إلى مصادر محتملة لتمويل أطراف النزاع وشبكات التهريب.
ويؤكد تقرير مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن الحرب أعادت تشكيل تجارة الصمغ العربي وفق خطوط السيطرة العسكرية. ذلك أن جانبا من المحصول المنتج في مناطق سيطرة القوات المسلحة السودانية يتجه إلى ميناء بورتسودان، بينما تمر كميات كبيرة من مناطق خاضعة إلى "قوات الدعم السريع" عبر طرق تهريب إلى بلدان مجاورة، قبل إعادة تصديرها ونسبها إلى تلك البلدان.
أزمة الصمغ العربي تولد أزمة إنسانية
يوثق تقرير مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان تعرض أشخاص يعملون في القطاع إلى الاحتجاز التعسفي والنهب والتهديد والابتزاز على أيدي أطراف النزاع وجماعات مرتبطة بها، وهكذا لا تقع الخسارة الكبرى على الشركات الأجنبية وحدها، بل على المزارع والعامل والتاجر السوداني الذين تحولت السلعة التي توفر لهم دخلا موسميا إلى مصدر للخطر.
ووفقا لتقارير صحافية وشهادات من المنتجين، فإن مناطق الإنتاج الرئيسة في كردفان ودارفور أصبحت ساحات قتال، مما جعل جمع الصمغ العربي نشاطا محفوفا بالمخاطر بسبب الاشتباكات وانعدام الأمن، لكن هذه التقارير أيضا لا تقدم حصيلة رقمية للضحايا بين العاملين في القطاع.
ماذا عن البعد البيئي؟
تلفت الحسيني إلى بعد آخر كثيرا ما يغيب عن النقاش، وهو الدور البيئي لأشجار الهشاب (أحد أنواع أشجار الأكاسيا) المنتجة للصمغ، "فهذه الأشجار تساعد في تثبيت التربة، والحد من التصحر وزحف الرمال، وتحسين خصوبة الأراضي الزراعية، لذلك فإن تدهور القطاع لا يعني خسارة صادرات فقط، بل يهدد أيضا أحد خطوط الدفاع الطبيعية في مواجهة التصحر في منطقة الساحل الأفريقي".
ملف الصمغ العربي لم يعد زراعيا أو تجاريا فحسب، بل أصبح قضية تجمع الاقتصاد والأمن وحقوق الإنسان
سالي عاطف، خبيرة الشؤون الأفريقية ورئيسة مجلس إدارة "زوم أفريكا نيوز"
ونقلت تقارير حديثة عن رئيس اتحاد مزارعي الصمغ العربي في السودان أن الغابات المنتجة للصمغ العربي تضررت بشدة، وأن الحرب دمرت بورصة الصمغ العربي وأتلفت غابات إنتاجية وألحقت أضرارا جسيمة بطرق النقل، كما توقفت الزراعة في عدد من مناطق الإنتاج الرئيسة في كردفان ودارفور.
الشركات أمام اختبار المنشأ
لم تعد المشكلة الأساس بالنسبة إلى الشركات العالمية توافر الكميات وحده، بل معرفة مصدرها وكيف انتقلت ومن استفاد من ثمنها. في سوق تعبر فيها السلعة الحدود من دون شهادات موثوق بها، يصبح من الصعب التأكد من أن عمليات الشراء لا تسهم في تمويل النزاع أو ترتبط بانتهاكات حقوق الإنسان.
تقول خبيرة الشؤون الأفريقية ورئيسة مجلس إدارة "زوم أفريكا نيوز" سالي عاطف لـ"المجلة"، "إن ملف الصمغ العربي لم يعد زراعيا أو تجاريا فحسب، بل أصبح أيضا قضية تجمع الاقتصاد والأمن وحقوق الإنسان". ولذلك، في رأيها، "لا تقع مسؤولية التعامل معه على السودان وحده، بل تشمل الحكومات والشركات والمؤسسات الدولية". وتشرح أن "الحرب تسببت باتساع عمليات التهريب واعتماد الطرق غير النظامية مما أدى إلى فقدان للشفافية في سلسلة الإمداد".
عمال يقومون بتنقيح مادة الصمغ قبل تصديرها في مصنع بمدينة الأبيض، السودان، 17 ديسمبر/كانون الأول 2012
وإذ تشدد مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان على ضرورة تطبيق الشركات مفهوم "العناية الواجبة بحقوق الإنسان"، بما يشمل التحقق من المنشأ، ورصد المخاطر المرتبطة بالنزاع، وضمان ألا تؤدي المشتريات إلى إطالة أمد الحرب أو الإضرار بالمجتمعات المحلية، ترى عاطف "أن تطبيق هذه المبادئ يتطلب الاستثمار في تقنيات التتبع الرقمي والاستعانة بجهات تحقق مستقلة، بدل الاكتفاء بالوثائق التي يقدمها الموردون". وتقول: "يمكن استخدام قواعد بيانات رقمية وسجلات غير قابلة للتلاعب لتوثيق رحلة المنتج من المزرعة إلى المصدّر النهائي، وإن كانت التكنولوجيا وحدها لا تعوض غياب المؤسسات والرقابة الميدانية".
أما الحسيني فتلفت إلى "أن على الشركات التي تضع حقوق الإنسان من ضمن مسؤولياتها أن تستخدم ما يتاح من وسائل تقنية وقانونية للتحقق من مصادر المواد الخام، فاستمرار الشراء من سلاسل إمداد غامضة لا يمكن فصله عن المسؤولية الأخلاقية، وربما القانونية، المترتبة على تمويل أنشطة مرتبطة بالنزاع".
يضع الخبير الاقتصادي الدكتور ياسر العالم التحولات التي أصابت تجارة الصمغ في إطار أوسع يتعلق بأثر الحروب في التجارة الدولية. يقول لـ"المجلة": "إن النزاع السوداني أجبر الشركات على إعادة النظر في سلاسل الإمداد ومعايير المسؤولية الاجتماعية، بعدما أصبح التحقق من مصدر المنتج أكثر تعقيدا".
ويشير إلى "أن انتقال السيطرة على أجزاء واسعة من مناطق الإنتاج أدى إلى ظهور شبكات تهريب ومسارات جديدة عبر بلدان الجوار، وإعادة تصدير كميات من الصمغ بوصفها منتجات عائدة إلى بلدان أخرى، فيما تعرضت مخازن وأسواق للنهب، وفُرِضت رسوم وإتاوات غير رسمية على حركة الشحن".
إن الصمغ العربي، إلى جانب الذهب وموارد أخرى، أصبح من العوامل التي تساعد القوى المتحاربة في تمويل عملياتها والاحتفاظ بالأراضي الواقعة تحت سيطرتها
الدكتورة أماني الطويل، خبيرة الشؤون الأفريقية في "مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية"
ويرى العالم "أن الدول المنتجة الأخرى، مثل تشاد ونيجيريا والسنغال ومالي، تستطيع توفير جانب من الطلب العالمي، لكنها لا تزال غير قادرة على تعويض حجم الصادرات السودانية وجودة صمغ الهشاب في صورة كاملة، في حين تعتمد تطبيقات صناعية معينة على خصائص فنية تجعل استبداله سريعا أمرا صعبا". ولهذا اتجهت شركات عالمية إلى تنويع مصادرها وتقليل اعتمادها على السودان، لا إلى الاستغناء عنه كليا. وقد يحد هذا الاتجاه من أخطار انقطاع الإمدادات، لكنه يحمل في الوقت نفسه خطر فقدان السودان حصته التقليدية في السوق إذا طال أمد الحرب.
العقوبات والاستثناء الأميركي
يتمتع الصمغ العربي بتاريخ خاص في العلاقات الاقتصادية بين السودان والولايات المتحدة. فعندما فرضت واشنطن عقوبات اقتصادية شاملة على السودان بموجب الأمر التنفيذي رقم 13067 عام 1997، حصل الصمغ العربي على استثناءات وترخيص عام سمح باستيراده، نظرا إلى أهميته للصناعات الغذائية والدوائية وغيرها من الصناعات الأميركية التي تعتمد عليه بوصفه مكوّنا يصعب استبداله في كثير من التطبيقات.
مزارع يقطف المادة الأولية للصمغ من الشجرة، في شمال كردفان، السودان، 18 ديسمبر/كانون الأول 2012
وخلال جلسة استماع في الكونغرس الأميركي عام 1999، أكد ممثلو الصناعة أن الصمغ العربي "مكوّن حيوي للاقتصاد الأميركي" ويستخدم في المشروبات الغازية والأدوية والحلويات وغيرها، وأن لا يوجد بديل مكافئ له في كثير من التطبيقات.
ويُعدّ الصمغ العربي مادة استثنائية يصعب إيجاد بديل مكافئ لها، ويدخل في مجموعة واسعة من المنتجات التي يستهلكها الأميركيون يوميا. ويؤكد نص الجلسة أن الصمغ العربي يمثل مادة حيوية للاقتصاد الأميركي. ويشير كذلك إلى أن تشاد هي ثاني أكبر مصدر للصمغ العربي بعد السودان، إلا أن جودة الصمغ التشادي أقل من نظيره السوداني. وبسبب العقوبات الأميركية الأحادية على السودان آنذاك، اضطرت الشركات الأميركية إلى شراء الصمغ التشادي بأسعار تزيد بنحو 40 إلى 50 في المئة مقارنة بما كان يدفعه المنافسون الأوروبيون للحصول على الصمغ السوداني الأعلى جودة.
وقد رفعت الولايات المتحدة الجزء الأكبر من العقوبات الاقتصادية والتجارية المفروضة على السودان في أكتوبر/تشرين الأول 2017، قبل أن تنهي في 14 ديسمبر/كانون الأول 2020 إدراجه على قائمة الدول الراعية للإرهاب، منهيةً بذلك أحد أبرز القيود التي استمرت أكثر من ربع قرن.
وتستعيد الدكتورة أماني الطويل، خبيرة الشؤون الأفريقية في "مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية"، هذا التاريخ لتوضيح القيمة الدولية للسلعة. تقول لـ"المجلة": "إن الصمغ العربي، إلى جانب الذهب وموارد أخرى، أصبح من العوامل التي تساعد القوى المتحاربة في تمويل عملياتها والاحتفاظ بالأراضي الواقعة تحت سيطرتها". وترى "أن السيطرة على مناطق الموارد تتيح الحصول على الأموال اللازمة لإدارة الحرب واستيراد الأسلحة، لذلك لا يمكن فصل المعارك الميدانية عن التنافس على الأراضي التي تضم المعادن والمحاصيل وطرق التجارة".
إن نزوح أعداد كبيرة من سكان مناطق الإنتاج ولجوئهم ألحقا ضررا مباشرا بالقطاع، فالأشجار قد تبقى في الأرض، لكن إنتاج الصمغ يحتاج إلى مجتمعات مستقرة تمتلك الخبرة والأدوات والقدرة على الوصول إلى المزارع والأسواق
نائب رئيس المجلس المصري للشؤون الخارجية السفير صلاح حليمة
لكن إصدار التقارير وفرض العقوبات، بحسب الطويل، "لا يكفيان من دون آليات تنفيذية قادرة على العمل في الداخل السوداني، فالمجتمع الدولي لا يزال عاجزا عن فرض هدنة إنسانية مستدامة، أو التوصل إلى تفاهم على مناطق السيطرة والانسحاب، أو ضبط طرق التجارة والتمويل عبر الحدود". المفارقة أن الحاجة العالمية إلى الصمغ تجعل فرض حظر شامل عليه أمرا معقدا، إذ قد يضر بالمزارعين والتجار الشرعيين أكثر مما يضر بالأطراف المسلحة. ولذلك تبدو الحاجة أكبر إلى نظام يميز بين المنتج المشروع والسلعة التي تمر عبر شبكات الحرب والتهريب.
ثروة الدولة وشراء السلاح
يرى نائب رئيس المجلس المصري للشؤون الخارجية السفير صلاح حليمة "أن الأزمة السودانية تكشف كيف يمكن أن تتحول ثروات الدولة إلى وسائل للحصول على السلاح وتجنيد المقاتلين وتمويل العمليات العسكرية". ويحمّل في حديثه مع "المجلة"، قوات الدعم السريع "مسؤولية جانب كبير من الانتهاكات والتخريب في مناطق الإنتاج"، ويصفها بأنها "ميليشيا متمردة ارتكبت جرائم واسعة في حق المدنيين".
يُذكَر أن تقارير دولية وثقت انتهاكات جسيمة ارتكبتها "قوات الدعم السريع"، كما اتُهِمت القوات المسلحة السودانية وحلفاؤها بارتكاب انتهاكات في سياق الحرب. وتظل نسبة كل واقعة إلى مرتكبيها وتحديد المسؤولية القانونية عنها من اختصاص جهات التحقيق والمحاكم المختصة.
طالبة سودانية نازحة تنظر من خيمة في مدرسة ابتدائية يديرها التحالف السوداني للتعليم بالشراكة مع منظمة اليونيسف، جنوب بورتسودان، 26 أبريل/نيسان 2026
ويضيف حليمة أن نزوح أعداد كبيرة من سكان مناطق الإنتاج ولجوئهم "ألحقا ضررا مباشرا بالقطاع، فالأشجار قد تبقى في الأرض، لكن إنتاج الصمغ يحتاج إلى مجتمعات مستقرة تمتلك الخبرة والأدوات والقدرة على الوصول إلى المزارع والأسواق". من وجهة نظره، "يتطلب إصلاح ما خربته الحرب عودة النازحين واللاجئين، وتوفير الآلات والمعدات والشتلات، وإعادة تأهيل الطرق والأسواق، حتى يستعيد إنتاج هذه السلعة الطبيعية مستواه السابق".
كذلك يرى حليمة "أن الأهمية الاقتصادية والسياسية للصمغ يمكن أن تمنح الدول المستوردة حافزا للإسهام في تسوية الأزمة". ويدعو إلى "دعم المبادرات الرامية إلى وقف الحرب وإطلاق حوار سياسي سوداني سوداني"، معتبرا أن "استعادة الأمن والاستقرار شرط سابق لأي خطة لإحياء القطاع".
هل يستطيع العالم الاستغناء عن الصمغ السوداني؟
من الناحية النظرية، يمكن زيادة الإنتاج في بلدان الحزام الأفريقي الأخرى، كما تستطيع الشركات تطوير بدائل لبعض الاستخدامات. لكن تحقيق ذلك يحتاج إلى وقت واستثمارات كبيرة، وقد لا توفر البدائل الخصائص الفنية نفسها في جميع الصناعات.
تكمن المشكلة الأعمق في أن السودان كان يصدر معظم الصمغ في صورة خام، بينما تتحقق القيمة الأعلى في مراحل التنقية والتصنيع وإنتاج المكونات الغذائية والدوائية ومستحضرات التجميل. وهذا يعني أن جزءا كبيرا من أرباح السلسلة يبقى خارج البلاد، حتى في الظروف العادية
غير أن استمرار الحرب قد يغيّر هذه المعادلة تدريجيا. فكلما طالت مدة انعدام الاستقرار، ازدادت استثمارات المنافسين واعتادت الشركات طرقا ومصادر جديدة. وعند انتهاء الحرب، قد يجد السودان نفسه مضطرا إلى استعادة أسواق فقدها، بدل العودة التلقائية إلى موقعه السابق. مع احتفاظ السودان بمكانته كأكبر منتج للصمغ العربي عالميا، فإن هيمنته واجهت منافسة متزايدة خلال العقدين الماضيين، خصوصا من تشاد ونيجيريا والسنغال.
وتقول الحسيني "إن ضخامة الصادرات السودانية وجودة صمغ الهشاب تجعلان تعويض السودان سريعا أمرا صعبا". وتوافقها عاطف التي ترى "أن الشركات تتجه إلى تنويع المصادر تحسبا للأخطار، لا إلى استبعاد السودان نهائيا".
ويرى العالم "أن الدول المنتجة الأخرى، مثل تشاد ونيجيريا والسنغال ومالي، تستطيع توفير جانب من الطلب العالمي، لكنها لا تزال غير قادرة على تعويض حجم الصادرات السودانية وجودة صمغ الهشاب في صورة كاملة، في حين تعتمد تطبيقات صناعية معينة على خصائص فنية تجعل استبداله سريعا أمرا صعبا". ولهذا اتجهت شركات عالمية إلى تنويع مصادرها وتقليل اعتمادها على السودان، لا إلى الاستغناء عنه كليا. وقد يحد هذا الاتجاه من أخطار انقطاع الإمدادات، لكنه يحمل في الوقت نفسه خطر فقدان السودان حصته التقليدية في السوق إذا طال أمد الحرب.
وتكمن المشكلة الأعمق في أن السودان كان يصدر معظم الصمغ في صورة خام، بينما تتحقق القيمة الأعلى في مراحل التنقية والتصنيع وإنتاج المكونات الغذائية والدوائية ومستحضرات التجميل. وهذا يعني أن جزءا كبيرا من أرباح السلسلة يبقى خارج البلاد، حتى في الظروف العادية.
وللمقاربة، تشير دراسة صادرة عام 2022 عن منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية "اليونيدو" إلى أنه على الرغم من أن السودان يُعد أكبر مصدر للصمغ العربي الخام في العالم، فإن القيمة المضافة الكبرى تتحقق خارج حدوده. ففي عام 2016، استحوذت فرنسا على نحو 65 في المئة من صادرات الصمغ العربي المكرر عالميا، تلتها المملكة المتحدة والولايات المتحدة وألمانيا وإيطاليا، لتستأثر هذه الدول الخمس مجتمعة بنحو 95 في المئة من تجارة الصمغ العربي المكرر.
يتيح البعد البيئي للصمغ فرصا إضافية. فأشجار الهشاب تساعد في مكافحة التصحر وتحسين خصوبة التربة وامتصاص الكربون، مما يجعل القطاع مؤهلا للاستفادة من برامج التمويل الأخضر ومبادرات المناخ واستعادة الأراضي
في المقابل، لم تتجاوز حصة السودان 2.4 في المئة من هذه السوق. والمفارقة أن السودان صدّر نحو 72.5 ألف طن من الصمغ العربي الخام، أي ما يقارب ضعف الكمية التي صدّرتها فرنسا من الصمغ المكرر (36.5 ألف طن)، إلا أن العائدات كانت متقاربة للغاية، إذ بلغت نحو 115 مليون دولار للسودان مقابل 120 مليون دولار لفرنسا. ويعكس ذلك الفارق الكبير في القيمة المضافة التي تحققها عمليات التكرير والتصنيع مقارنة بتصدير المادة الخام.
فرصة لما بعد الحرب
ترى عاطف "أن السودان لا يحتاج بعد الحرب إلى استعادة صادرات الصمغ الخام فقط، بل إلى إعادة بناء سلسلة القيمة بأكملها". ويمكن البلاد، في رأيها، "تصنيع مستخلصات دوائية ومكونات غذائية ومستحضرات تجميل تحمل علامة 'صنع في السودان'، بما يوفر فرص عمل ويجذب الاستثمار ويرفع العوائد". ويتفق العالم مع هذا الطرح، معتبرا "أن الانتقال إلى تصنيع منتجات ذات قيمة مضافة يقلل الاعتماد على تقلب أسعار المواد الخام، ويمنح الاقتصاد السوداني قدرة أكبر على الاستفادة من موقعه في السوق العالمية".
مزارعان يقومان بحصد الصمغ، شرق مدينة الأبيض، السودان، 9 يناير/كانون الثاني 2023
لكن هذا التحول يتطلب أكثر من المصانع. هو يحتاج إلى استقرار سياسي وأمني، ومؤسسات قادرة على تطبيق القانون، وتشريعات واضحة، وتمويل للمزارعين، وطرق ومخازن ومختبرات، ونظام شفاف لتوثيق المنشأ وحماية المنتجين من الاستغلال.
كذلك يتيح البعد البيئي للصمغ فرصا إضافية. فأشجار الهشاب تساعد في مكافحة التصحر وتحسين خصوبة التربة وامتصاص الكربون، مما يجعل القطاع مؤهلا للاستفادة من برامج التمويل الأخضر ومبادرات المناخ واستعادة الأراضي.
وهنا قد يتحول الصمغ العربي من مادة خام للتصدير إلى ركيزة في اقتصاد يجمع الزراعة والصناعة وحماية البيئة. لكن هذا الاحتمال يظل مرهونا بإنهاء الحرب وإعادة بناء الدولة، لأن أي خطة اقتصادية ستبقى محدودة ما دامت مناطق الإنتاج مقسمة بين القوى المسلحة وطرق التجارة خاضعة للإتاوات والتهريب.