كأس الخليج... حين تصبح كرة القدم مساحة للاتفاق

من ملاعب الخليج إلى ذاكرة المنطقة

أ.ف.ب
أ.ف.ب
لاعبو العراق يحتفلون بكأس الخليج العربي على متن قارب يبحر في ممر شط العرب المائي بمدينة البصرة في 20 يناير 2023

كأس الخليج... حين تصبح كرة القدم مساحة للاتفاق

بين دواوين الأمير خالد الفيصل وقصائده التي تغنى بها كبار المطربين، قد يبدو من الصعب العثور على فكرة تنافس حضوره الشعري في الذاكرة الخليجية. لكن ثمة فكرة خرجت من خيال الأمير الشاعر في أواخر الستينات ولم تولد على الورق هذه المرة، بل على ملاعب كرة القدم: بطولة تجمع منتخبات الخليج في منافسة دورية.

أكثر من نصف قرن من الاستمرارية منح هذه الفكرة التي أطلقها الأمير في سنوات شبابه مكانة تضاهي إنتاجه الشعري والفني من حيث تأثيرها في الذاكرة الخليجية. فقد تحول كأس الخليج إلى بطولة تروي نسخها المتتالية قصة المنطقة؛ بما شهدته من تطور وأزمات وعثرات.

يبدو تأخر وصول كأس الخليج إلى جدة حتى نسختها السابعة والعشرين أمرا مثيرا للدهشة، بالنظر إلى المكانة التي تحتلها فرق المدينة ونجومها في التراث الكروي في المنطقة، وللغبار الذي لا يثيره شيء في شوارع عروس البحر الأحمر القديمة أو ساحات ملاعبها الترابية المرتجلة مثلما تفعل كرة القدم. وكأن القدر اختار لجدة أن تحتضن نسخة استثنائية تختبر فيها البطولة قدرتها على الاحتفاظ ببريقها في وجدان الخليجيين وذاكرتهم الشعبية، حتى وإن باتت كرة القدم تتدفق يوميا بلا توقف من الشاشات، وفي ظل واقع يومي فيه من الأحداث ما لم تشهده المنطقة منذ عقود طويلة.

غير أنها ليست المرة الأولى التي تقام فيها البطولة في ظروف استثنائية. فكأس الخليج الذي تخطى مرات إقامته بطولات محيطه الإقليمي مثل كأس آسيا وكأس العرب، والذي حافظ على وجوده على الساحة الكروية باستدامة مثيرة للانتباه، أظهرت قدرتها على الصمود أمام أزمات رياضية وسياسية عدة على امتداد تاريخها منذ النسخة الأولى في المنامة عام 1970، وبات انتظامها كل عامين بمثابة اتفاق غير مكتوب بين دول المنطقة على إبقاء هذه المساحة الرياضية المشتركة التي يصل صداها إلى شريحة واسعة من الشباب وربما إلى جمهور يتجاوز من تصلهم بيانات الساسة، حتى وإن بدا واضحا أن بعض الاختلافات وجدت لتبقى، ومهما خيمت الأجواء خارج الملعب على ما يحدث بين صافرتي الحكم الأولى والأخيرة.

البطولة الخليجية سبقت في انطلاقتها انضمام بعض دول المنطقة إلى الأمم المتحدة، ووصلت لنسختها الخامسة قبل أن يتأسس مجلس التعاون الخليجي ذاته

البداية وإعلان الوجود

البطولة الخليجية التي سبقت في انطلاقتها انضمام بعض دول المنطقة إلى الأمم المتحدة، ووصلت لنسختها الخامسة قبل أن يتأسس مجلس التعاون الخليجي ذاته، مثلت بداياتها مقدمة واعدة لتأسيس الهوية المشتركة لدول المنطقة عبر كرة القدم. البحرين التقطت فكرة الأمير خالد لتحولها إلى نسخة أولى من كأس الخليج بمشاركة كل من السعودية والكويت وقطر، لتبدأ المسيرة التي عرفت نظاما واضحا يشهد تداولا لمكان إقامة البطولة بين دول المنطقة تماما كالذي عرفته قمم مجلس التعاون الخليجي في وقت لاحق. كانت البطولة- في مرحلة التأسيس- فرصة لأن تمنح الدول الخليجية مبررا لافتتاح استثمارها في البنية التحتية الرياضية تحت مظلة استضافة البطولة، واستثمار أثمر في النهاية ملاعب منها استاد خليفة الدولي الذي افتتح لاستضافة (خليجي-4) عام 1976 وأصبح فيما بعد أحد الملاعب التي استضافت كأس العالم في قطر في عام 2022. وفي زمن كانت فيه المشاركة في كأس العالم حلما بعيد المنال، ولم تكن فيه كأس آسيا راسخة كمنافسة إقليمية تنال اهتمام شرق القارة وغربها بشكل متساو، مثل كأس الخليج لسكان المنطقة كأس عالمهم الخاص الذي يمنحهم تنافسية تضمنها جرعة مكثفة مما يعرفه متابعو الكرة في الغرب بمباريات "الديربي"، في إطار لا يزال بعيدا عن التعقيد الذي فرضته كرة القدم المحترفة. وفي البداية كان الفريق الكويتي المتوج بطلا للنسخ الأربع الأولى بمثابة النموذج الذي أظهر أهمية تلك البطولة في الانتقال بالمشروع الكروي إلى إنجازات دولية، بعدما حول نجاحه الخليجي إلى فوز بكأس آسيا عام 1980 وتأهل للألعاب الأولمبية في ذات العام ثم إلى كأس العالم بعد ذلك التاريخ بعامين، كأول فريق خليجي يحقق هذا الإنجاز.

بقدر ما مثل غزو العراق للكويت ضربة قوية لكأس الخليج التي فقدت أحد بطليها التاريخيين بينما عانى البطل الآخر الكويتي من فقدان رمز نهضته الكروية الشيخ فهد الأحمد

دخول العراق واشتعال المنافسة

مثل دخول العراق على دائرة المنافسة ونجاحه في كأس الخليج في كسر الهيمنة الكويتية بالتتويج بـ"خليجي-5" عام 1979 بمثابة بداية لمرحلة جديدة انتقلت فيها البطولة إلى مستوى جديد من التنافسية عاكسة التطور الذي شهدته الرياضة في المنطقة وقدرة الثروة التي تتمتع بها دولها على جلب أكبر الأسماء من مدربين وخبراء لإعداد المنتخبات لتقابل جماهيرها في كأس الخليج ولمنح التفوق على الجيران طابعا خاصا من المنافسة والفخر. بينما ساهم تطور البث التلفزيوني ووصوله لمختلف الدول العربية في سطوع أسماء النجوم الكبار مثل الكويتي فيصل الدخيل، والسعودي ماجد عبدالله، والعراقي حسين سعيد، كعلامات تاريخية لتلك الحقبة. سنوات الثمانينات شهدت تبادلا للتتويج بين الكويت والعراق شكل لغزا صعب الحل على المنتخب السعودي الذي كان يقدم نفسه على الساحة الآسيوية بطلا للقارة لمرتين على التوالي دون أن ينجح في فك عقدة كأس الخليج. وفي الأثناء كان الواقع السياسي في المنطقة قد بدأ يلقي بظلاله بشكل مباشر على المنافسات في كأس الخليج. العراق الذي كان قد بدأ للتو حربا استمرت لسنوات مع إيران انسحب فجأة- وبقرار مباشر من صدام حسين- من منافسات النسخة السادسة من البطولة عام 1982 رغم أن الفريق العراقي كان قريبا للغاية من الفوز باللقب قبل الجولة الأخيرة، في لغز أطلق الصحافيون والمشجعون العنان لتفسيراتهم، تراوحت بين التخوفات من هتافات الجماهير الإيرانية في المدرجات ورغبة في دعم الفريق الكويتي المنافس على اللقب قبل مشاركته في كأس العالم. إلا أن ذروة الانسحابات ذات الطابع السياسي جاءت في نسخة عام 1990 في الكويت، التي بدت وكأنها مقدمة لذروة جديدة للأحداث في المنطقة. العراق عاد وانسحب من تلك النسخة أيضا احتجاجا على قرارات تحكيمية في مباراة الفريق العراقي مع منتخب الإمارات، بينما كان الفريق السعودي قد رفض المشاركة في البطولة منذ البداية بعدما أبدى المسؤولون تحفظات على تميمة البطولة التي رأوا فيها طابعا سياسيا غير مقبول. كانت السحب السياسية الكثيفة التي خيمت على النسخة العاشرة من البطولة مقدمة لنقطة تحول أتت بعد أشهر قليلة من رفع المنتخب الكويتي للكأس على أرضه، عندما أنهى غزو صدام حسين للكويت الحضور العراقي في البطولة ومنح دورات الخليج اختبارا صعبا لقدرتها على الصمود في وجه المتغيرات السياسية.

أ.ف.ب
رفع أعلام الدول المشاركة في بطولة كأس الخليج العربي الخامسة والعشرين لكرة القدم في مدينة البصرة بجنوب العراق، 29 ديسمبر 2022

السير على حبل رفيع

بقدر ما مثل غزو العراق للكويت ضربة قوية لكأس الخليج التي فقدت أحد بطليها التاريخيين بينما عانى البطل الآخر الكويتي من فقدان رمز نهضته الكروية الشيخ فهد الأحمد الذي راح ضحية للغزو العراقي، بقدر ما مثلت تلك الظروف فرصة لكأس الخليج لتظهر قدراته بتمثيله أحد الثوابت القليلة في التفاعلات بين سكان دول المنطقة مهما تبدلت الظروف. كانت (خليجي-11) التي كسرت فيها قطر احتكار الكويت والعراق للبطولة عام 1992 مقدمة لحقبة قدمت فيها دول الخليج نفسها تباعا لتنال دور البطولة بداية بالمنتخب السعودي الذي كان طبيعيا أن يحول نجاحه في الساحتين العالمية والآسيوية إلى تتويجات خليجية كان لها طعمها الخاص بعد طول انتظار، ومرورا بالإمارات وعمان اللتين توجتا مسيرة طويلة في البطولة بالتتويج على ملعبيهما في بداية الألفية الجديدة، وانتهاء بالبحرين التي كانت آخر المنتخبات المؤسسة للبطولة حصولا على اللقب بعد انتظار طويل برر حصول البحرينيين على عطلة رسمية عندما توج منتخبهم بأول لقب عام 2019.

في جدة حيث لا يعلو على هدير البحر الأحمر إلا صوت الكرة وأهازيج المشجعين، وتعود منتخبات الخليج للتجمع مجددا في لحظة تعيش فيها المنطقة على إيقاع تهديد على أثر حرب فرضتها الجغرافيا

وسط كل هذه المتغيرات الرياضية أصّل كأس الخليج مكانته كمؤسسة تمضي في طريقها وإن سارت أحيانا على حبل سياسي رفيع. إذ حاولت البطولة مواكبة إيقاع متغيرات المنطقة عندما أعادت العراق للحاضنة الكروية الخليجية بداية من (خليجي-17) بالدوحة مباشرة بعد سقوط نظام "البعث"، ومنفتحة على الامتداد الطبيعي أولا بضم اليمن إلى عقد الفرق المشاركة بداية من عام 2003، وثانيا باستضافة الضيف اليمني الجديد لمنافسات البطولة للمرة الأولى عام 2010 دون أن تسمح الظروف السياسية لحصول اليمن على دوره مجددا في الاستضافة حتى اليوم. بينما كان كأس الخليج أول من هنأ العراق على رفع الحظر الأمني المفروض عن استضافته للمباريات الدولية بحلول البطولة ضيفة على البصرة عام 2023 في نسخة أعاد خلالها العراقيون اكتشاف الحب القديم بينهم وبين تلك المنافسة التي شكلت جانبا كبيرا من سمعة الكرة العراقية في عقود سابقة. غير أن الاختبار الأقوى لصلابة تلك البطولة في وجه الأزمات كان في نسخة 2019 التي تصادفت إقامتها في قطر بينما كانت تعيش أزمة سياسية محتدمة مع جيرانها، دون أن يؤثر ذلك على حضور أي من هذه الدول إلى الدوحة في نهاية المطاف رغم انسحاب بدا متوقعا للوهلة الأولى. ليظهر كأس الخليج مجددا مدى رسوخه في تقاليد المنطقة والذي تكسبه خصوصية يتفق عليها دول المنطقة مهما اختلفت فيما بينها.

واس
ستستضيف مدينة جدة منافسات النسخة السابعة والعشرين من كأس الخليج العربي، وذلك في الفترة من 23 سبتمبر إلى 6 أكتوبر 2026

وفي جدة حيث لا يعلو على هدير البحر الأحمر إلا صوت الكرة وأهازيج المشجعين، وتعود منتخبات الخليج للتجمع مجددا في لحظة تعيش فيها المنطقة على إيقاع تهديد على أثر حرب فرضتها الجغرافيا، لتمثل بمجرد الاجتماع على مائدة كرة القدم ردا أوليا على أصوات تتعالى قبل كل نسخة ترى أن البطولة قد حققت هدفها بالفعل وأن استمرارها لم يعد بذات الجدوى بعدما وصلت معظم منتخبات الخليج إلى كأس العالم وباتت البنية التحتية الكروية في بلدانها تضاهي تلك الموجودة في كبرى دول العالم. لكن الرسالة تبقى واضحة في قدرة شعوب المنطقة على الاتفاق بأن تكون الكرة ساحة للتنافس أيا كانت المواقف خارج الملعب، في محاولة للحفاظ على أصل نجح في تثبيت نفسه مكتسبا لمسيرة عمل مشترك تبدو الحاجة إليه على مستويات تفوق كرة القدم أكثر إلحاحا من أي وقت مضى، دون أن ينتقص ذلك من رغبة كل جار في التفوق على جيرانه والتتويج بكأس الخليج لا يزال الفوز به أحد أسباب الفخر، وبهذا لم تفقد البطولة قدرتها على منح المشجعين أسبابا لمتابعتها كوجبة شعبية أصيلة لا تتغير مكانتها بتوفر أفخر الأطباق الكروية العالمية.

font change