"البطة العرجاء"... ترمب في نهاية عهده ومقامراته إرث خارج الحدودhttps://www.majalla.com/node/334029/%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%AC%D8%A7%D8%A1-%D8%AA%D8%B1%D9%85%D8%A8-%D9%81%D9%8A-%D9%86%D9%87%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D8%B9%D9%87%D8%AF%D9%87-%D9%88%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%AA%D9%87-%D8%A5%D8%B1%D8%AB-%D8%AE%D8%A7%D8%B1%D8%AC-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%AF%D9%88%D8%AF
يتذكر دوغ سوسنيك، المستشار السابق لبيل كلينتون، وتيرة العمل المحمومة في البيت الأبيض مع اقتراب نهاية رئاسة كلينتون. ويقول: "تحدثنا عن جدول أعماله وعن عدد الرحلات الإضافية التي يمكننا القيام بها. هل تمانع في العمل 18 ساعة في اليوم؟" كان كلينتون في سباق مع الوقت، فقال: "لم يبق لي في المنصب سوى عام واحد. أمامي بقية حياتي لأنام".
والوقت يداهم الآن دونالد ترمب بدوره. فقد كان طوال العقد الماضي الشخصية الأبرز في السياسة الأميركية، لكن انتخابات 3 نوفمبر/تشرين الثاني وضعت حدا لهيمنة حزبه على الكونغرس، وجعلته ثاني رئيس فقط، بعد جورج دبليو بوش عام 2006، يخسر مجلسيه في آخر انتخابات تجديد نصفي من ولايته الثانية بعدما كان حزبه يسيطر عليهما. وكانت النتيجة صادمة حتى لترمب نفسه، فعندما علم بخسارة حزبه في ساوث كارولينا، التي كانت تعد معقلا لحركة "ماغا" ، قال لصحيفة "نيويورك تايمز": "هذا مذهل".
مع دخوله العامين الأخيرين في البيت الأبيض، سيجد ترمب نفسه محاصرا سياسيا في الداخل. فالكونغرس، الذي همشه إلى حد بعيد حين كان الجمهوريون يسيطرون عليه، سيلاحق إدارته بجلسات استماع ومذكرات استدعاء بشأن الفساد وإساءة استخدام السلطة. وقد نصحه أحد أعضاء الكونغرس على منصة "إكس" قائلا: "عليك الاستعانة بمحام".
اتسمت سياسة ترمب الخارجية من فنزويلا إلى غرينلاند وإيران، بالتطرف والاندفاع، وقد يجر أميركا لمزيد من التورط في الشرق الأوسط وأميركا اللاتينية وتقاسم النفوذ مع بوتين وشي جينبينغ وزعيم كوريا الشمالية، وهو كفيل بإثارة قلق العالم
قد يجد ترمب نفسه مضطرا إلى استخدام الفيتو ضد سياسات تحظى بتأييد شعبي، مثل إعادة تمويل الرعاية الصحية، وسيحاول الديمقراطيون أيضا عرقلة مشروعاته الاستعراضية في العاصمة، ومنها قاعة الرقص الكبرى وقوس النصر.
أما في السياسة الخارجية، فستظل القيود أقل، وفرص ترك بصمة أكبر، وهناك سيبحث ترمب عن معارك يخوضها وإرث يتركه.
اتسمت سياسة ترمب الخارجية، من فنزويلا إلى غرينلاند وإيران، بالتطرف والاندفاع. وقد تزداد على هذا النحو في المرحلة المقبلة، فما زالت أمامه ملفات مفتوحة في إيران وكوبا قد تجر أميركا إلى مزيد من التورط في الشرق الأوسط وأميركا اللاتينية. كما أن ميله إلى عقد صفقات بين القوى الكبرى لتقاسم النفوذ، بما في ذلك القمم مع فلاديمير بوتين وشي جينبينغ، قد يقود إلى نظام عالمي أكثر قتامة ويزيد الضغوط على أوكرانيا. أما مساعيه الحالمة لاستمالة كيم جونغ أون، زعيم كوريا الشمالية، فقد تقلب السياسة النووية الأميركية رأسا على عقب. وسيجري كل ذلك فيما تتسارع تطورات الذكاء الاصطناعي نحو بلوغ "الذكاء الاصطناعي العام"، بما يفرض تحديات دبلوماسية وأمنية قومية سيتعين على ترمب التعامل معها.
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، خلال لقائهما في بانمونجوم المنطقة منزوعة السلاح الفاصلة بين الكوريتين، في 30 يونيو 2019
وكل ما سبق كفيل بإثارة قلق العالم حتى لو كان الرئيس بارعا في الدبلوماسية، لا يكل من العمل وقادرا بطبيعته على الحفاظ على تركيزه، لكن ترمب سيتعين عليه التعامل مع هذه الملفات من دون أن يتمتع بأي من هذه المزايا، وقد يخسر أيضا عددا من أصحاب الخبرة القادرين على مساعدته عند الأزمات، كما يحدث غالبا في أواخر العهود الرئاسية. لذلك قد تكون تحركاته الخارجية خلال العامين المقبلين فوضوية وصعبة التوقع، من دون أن تفضي بالضرورة إلى نتائج تذكر.
لن يكون ترمب أول رئيس يلجأ إلى الخارج مع اقتراب نهاية ولايته. فقد حللت "الإيكونوميست" سجلات سفر الرؤساء منذ عهد هاري ترومان، ووجدت أنهم يميلون إلى زيادة نشاطهم الخارجي بدرجة ملحوظة خلال العامين الأخيرين من ولايتهم الثانية. ففي عام 2008، أمضى جورج دبليو بوش 50 يوما خارج البلاد، أي ضعف متوسط ما كان يقضيه سنويا في الخارج من قبل. وبعد خسارته انتخابات التجديد النصفي عام 2006، أمر بزيادة القوات الأميركية في العراق رغم المعارضة الشديدة في الكونغرس، أملا في إنقاذ حرب خرجت بشدة عن مسارها.
أما باراك أوباما فضاعف سفره في العامين الأخيرين من ولايته الثانية مقارنة بالعامين الأخيرين من ولايته الأولى، كما توصل إلى الاتفاق النووي الشامل مع إيران بعد عام من الهزيمة القاسية التي مني بها حزبه في انتخابات التجديد النصفي عام 2014. ويقول يوفال ليفين، الباحث في معهد أميركان إنتربرايز والذي سبق أن عمل في إدارة بوش: "يجد الرؤساء، مع اقتراب نهاية ولاياتهم، أن القيود تضيق عليهم من كل جانب. وتبقى السياسة الخارجية المجال الذي يتمتعون فيه بأكبر قدر من حرية الحركة".
كشف السيناتور الديمقراطي كريس مورفي عن تلقيه إحاطة استخباراتية عن خطط الحرب الأميركية وصفها "بالجنونية" لاستهداف بنى تحتية مدنية في إيران وميل ترمب لضرب ناقلات نفط إيرانية، لكن ترمب علقها في اللحظات الأخيرة وأبلغ نتنياهو بعدم دعم خطط إسرائيل
الحرب لا الحب؟
يميل ترمب إلى التحركات الخارجية المباغتة التي تربك منتقديه وتعزز، في نظره، صورته كزعيم قوي، أشبه بمخرج مسرحي يغير مجرى العرض كلما شعر بفتور اهتمام الجمهور. ولطالما تفاخر ببراعته الدبلوماسية، حتى إنه زعم ذات مرة أنه يستطيع إنهاء الحرب في أوكرانيا خلال يوم واحد، وقال أمام تجمع انتخابي في الأول من نوفمبر/تشرين الثاني، قبيل انتخابات التجديد النصفي، إنه لو خاض حرب فيتنام لحسمها خلال أسبوع. ومن هنا، فإن عجزه حتى الآن عن حسم الحرب مع إيران يثير استياءه على نحو خاص. فلا يزال تبادل الضربات مستمرا بين الطرفين، وقد شنت الولايات المتحدة في الثاني من نوفمبر غارات جوية وصفتها بأنها "دفاعية".
وحتى وقت قريب، كان ترمب يميل إلى شن هجوم ثالث على إيران خلال 18 شهرا، بالتنسيق مع إسرائيل، لإجبار طهران على فتح مضيق هرمز بالكامل والحد من برنامجها النووي. لكن خطوة كهذه قد تدفع إيران إلى الرد بضرب منشآت الطاقة في الخليج، وتبقي ترمب منشغلا بهذا الملف لأشهر مقبلة.
وفي 28 أكتوبر/تشرين الأول، كشف السيناتور الديمقراطي كريس مورفي أنه تلقى إحاطة استخباراتية بشأن خطط الحرب الأميركية، وعلق قائلا: "سأكتفي بالقول إن خطتهم جنونية"، مشيرا إلى تقارير منشورة تحدثت عن استهداف بنى تحتية مدنية، وأضاف محذرا: "ستؤدي تلك الخطط إلى تصعيد مدمر، ومن المرجح أن تقوض التزامنا بسيادة القانون". يذكر أنه وبعد ثلاثة أيام، نقل مورفي إلى المستشفى إثر إصابته بسكتة دماغية، وبحسب شخص مطلع على التخطيط، كان ترمب يدرس أيضا احتمال استهداف ناقلات نفط إيرانية في آسيا.
لكن مصادر أخرى تقول إن ترمب علق هذه الخطط في الأيام الأخيرة، وأبلغ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن الولايات المتحدة لن تساند أي هجوم إسرائيلي على إيران. وعلى أثر ذلك، أوقفت القوات الإسرائيلية استعداداتها لتنفيذ الضربة.
ارتفاع الدخان في أحياء طهران إثر تعرض أحياء العاصمة الإيرانية للقصف ، في 1 مارس 2026
لن يكون قرار شن ضربات جديدة بمنأى عن معارضة واسعة، بعضها من داخل إدارة ترمب نفسها. فنائبه جيه دي فانس، الذي يعد مرشحا محتملا للرئاسة عام 2028، حمّل الحرب صراحة مسؤولية الهزيمة القاسية في انتخابات التجديد النصفي، وكتب في منشور على "إكس" في 4 نوفمبر أن الناخبين يريدون علاقة مختلفة مع إسرائيل.
ومن المتوقع أن يواجه ترمب معارضة في الكونغرس أيضا، فقد تزامنت الموجة الزرقاء (انتصارات الديمقراطيين) مع تصاعد الرفض الشعبي للحرب إلى مستويات باتت تضاهي ما شهدته الولايات المتحدة خلال حرب فيتنام، ما قد يشجع الديمقراطيين على وقف تمويل العمليات العسكرية، رغم ما قد يعرضهم له ذلك من اتهامات بتقويض جهود القوات الأميركية في الميدان.
وحتى لو قرر ترمب التصعيد، فمن المستبعد أن تمتلك الولايات المتحدة ما يكفي من الذخائر والصواريخ الاعتراضية للدفاع الجوي، أو الإرادة السياسية اللازمة، لخوض حملة عسكرية طويلة أخرى. والأرجح أن ترمب يسعى إلى اتفاق يتيح له الخروج من هذا المأزق بمظهر صانع سلام مشرف، لكن القيادة الإيرانية، التي تدرك مدى تراجع قوته السياسية، لن تكون مستعدة على الأرجح لتقديم تنازلات بسهولة.
وإذا كانت إيران تمثل الاختبار الأول لطموحات ترمب الدبلوماسية، فمن المرجح أن تكون أوكرانيا الاختبار الثاني. وتكمن الخطورة هنا في ميل الرئيس الأميركي إلى تصفية الحسابات، فقد دأب على تحميل أوكرانيا مسؤولية اندلاع الحرب، وانتقاد هجماتها على مصافي النفط الروسية، والتقليل من شأن رئيسها فولوديمير زيلينسكي، ومع ذلك، لم يتوقف حتى الآن تبادل المعلومات الاستخباراتية الأميركية مع أوكرانيا، ولا مبيعات الأسلحة إليها عبر أوروبا.
وحين طرح المفاوضون الأميركيون في نوفمبر 2025 خطة سلام تفتقر إلى النضج، مؤلفة من 28 بندا، تدخل وزير الخارجية ماركو روبيو وحلفاء أوروبيون لاستبعاد أكثر بنودها سوءا، وفي كل مرة، كان ترمب يتراجع قبل بلوغ نقطة القطيعة مع أوكرانيا والانحياز الكامل إلى روسيا.
وقد يعود ترمب إلى صب غضبه على زيلينسكي إذا اقتنع، خطأ، بأن الهجمات الأوكرانية على مصافي النفط الروسية كانت السبب الرئيس وراء الارتفاع الحاد في أسعار الوقود، الذي أسهم في هزيمة الجمهوريين انتخابيا. ففي عام 2020، أثار غضبه الشديد اعتقاده أن الصين خدعته بشأن تفشي جائحة "كوفيد 19"، وقد يدفعه إحساس مماثل بأنه تعرض للخيانة إلى تشديد الضغوط على زيلينسكي شخصيا وأوكرانيا عموما، سعيا إلى إرغامها على الاستسلام.
يتطلع ترمب لأن يسجل باسمه إنجازا عجز عنه أسلافه، ولن يفوّت فرصة أن يدخل التاريخ بوصفه الرئيس الذي أطاح بالنظام الشيوعي الذي وصل إلى الحكم في كوبا عام 1959
وقد تتضح أولى ملامح موقف ترمب بعد انتخابات التجديد النصفي ، وتحديداً في 18 و19 نوفمبر، حين يلتقي هو وبوتين في مدينة شنجن الصينية، خلال قمة دولية يستضيفها شي جينبينغ. ويخشى حلفاء الولايات المتحدة الأوروبيون أن تتحول أوكرانيا إلى ورقة للمساومة في هذه اللقاءات. فخلال الأشهر الأخيرة، قدم ترمب سلسلة من التنازلات لروسيا، شملت اتفاقا لشراء الديزل ورفع عقوبات مقابل إطلاق سراح سجين أميركي، في مسعى كان أحد أهدافه استمالة بوتين إلى طاولة المفاوضات.
وقد يدرك بوتين أنه لن يحظى مجددا بشريك تسهل استمالته مثل ترمب، لكنه يعتقد في الوقت نفسه أن الزمن يعمل لصالحه، وأن الدعم الأوروبي لأوكرانيا سيتراجع بمرور الوقت. ومن المتوقع أيضا أن يسعى الديمقراطيون في الكونغرس إلى عرقلة أي تنازلات إضافية يقدمها ترمب لبوتين على حساب أوكرانيا، وربما منعها تماما، خصوصا إذا شاب الاتفاق ما يثير شبهات فساد.
يمر شاب كوبي بجوار صورة ملونة لتشي غيفارا مرسومة على جدار في هافانا القديمة، كوبا
وقد لا يطول صبر ترمب على المستنقع الأوكراني، كما حدث من قبل، فيصرف اهتمامه إلى بؤرة توتر أخرى تتشكل في النصف الغربي من الكرة الأرضية: كوبا. فمنذ عودته إلى البيت الأبيض، أحكم ترمب الحصار الاقتصادي على النظام الدكتاتوري في الجزيرة، ما أدى إلى انقطاع الكهرباء وشح الغذاء وانهيار نظام الرعاية الصحية. وفي يناير/كانون الثاني 2026، أطاح ترمب بالقيادة الفنزويلية عبر اختطاف رئيسها نيكولاس مادورو. ويبدو أن فكرة تكرار هذا السيناريو في كوبا، بإسقاط النظام من خلال تدخل محدود، تستهويه.
إذ تسعى الحرب الاقتصادية التي تشنها الولايات المتحدة على كوبا إلى إضعاف النظام الحاكم وإحداث انقسامات داخل النخبة الحاكمة، أملا في ظهور شخصيات مستعدة للتعاون مع واشنطن، على غرار ديلسي رودريغيز، القائمة بأعمال الرئيس الفنزويلي، التي تخلت عن مادورو. ولم يكن ترمب متكتما بشأن نواياه، إذ تفاخر خلال حملته الانتخابية في أكتوبر/تشرين الأول قائلا: "سنتولى أمر كوبا في طريق عودتنا من إيران".
وفي الشهر نفسه، دعا وزير الخارجية ماركو روبيو، وهو أميركي من أصل كوبي معروف بمواقفه المتشددة، الكوبيين الناقمين على النظام إلى التعاون مع وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، قائلا: "إلى كل من يسعى إلى إحداث تغيير إيجابي في كوبا، لقد حان الوقت الآن".
يتطلع ترمب إلى أن يسجل باسمه إنجازا عجز عنه أسلافه، ولن يفوّت فرصة أن يدخل التاريخ بوصفه الرئيس الذي أطاح بالنظام الشيوعي الذي وصل إلى الحكم في كوبا عام 1959. لكنه لا يميل إلى الخوض في التفاصيل.
ففي فنزويلا، أبقى على النظام الدكتاتوري قائما إلى حد كبير، مكتفيا بتغيير الوجوه على رأس السلطة، وإبرام صفقات تثير الشبهات لضمان وصول الشركات الأميركية إلى نفط البلاد، غير أن تكرار هذا السيناريو في كوبا سيكون أصعب بكثير، بحسب شخص مطلع على نقاشات الإدارة، لأن الجالية الكوبية في المنفى، الأقدم عهدا والأكثر تجذرا من نظيرتها الفنزويلية، لن تتردد في التعبير عن غضبها الشديد إزاء أي تسوية من هذا النوع.
تلوح بوادر موجة من الاستقالات في إدارة ترمب، وقد يخسر أحد أبرز حلفائه في البنتاغون وزير الحرب بيت هيغسيث، كما أطاح جورج دبليو بوش بوزير دفاعه دونالد رامسفيلد إثر خسارة انتخابات التجديد النصفي عام 2006
قد يسهم وجود مسؤولين متمرسين في إدارة ترمب في تعزيز فرص نجاح تحركاته على الساحة الدولية، لكن بوادر موجة من الاستقالات بدأت تلوح بالفعل. فقد أخذ ماركو روبيو، الذي يجمع بين منصبي وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي، يستكشف بعيدا عن الأنظار فرص الانتقال إلى القطاع الخاص. وربما يقرر العزوف عن خوض السباق الرئاسي عام 2028، انتظارا لظروف أكثر ملاءمة في عام 2032. وإذا غادر روبيو الإدارة، فقد يؤدي ذلك إلى تغيير موازين القوى داخل الإدارة، ويجعل جون راتكليف، مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، أبرز الشخصيات المتشددة وأكثرها نفوذا في الحكومة.
وقد يخسر ترمب أيضا أحد أبرز حلفائه في البنتاغون، إذ يسعى كثير من الديمقراطيين إلى عزل وزير الحرب بيت هيغسيث، المثير للجدل والمعروف بمواقفه الصدامية. ولم يستبعد حكيم جيفريز، المرشح الأوفر حظا لتولي رئاسة مجلس النواب، هذا الاحتمال.
وقد يشترط الديمقراطيون إقالة هيغسيث للموافقة على مشروع تمويل إضافي بقيمة 87.6 مليار دولار، يخصص منها 67 مليار دولار لوزارة الحرب التي تواجه عجزا ماليا حادا. وليس من المستغرب أن يبحث الرؤساء عن كبش فداء عقب هزيمة انتخابية قاسية، فقد أطاح جورج دبليو بوش بوزير دفاعه دونالد رامسفيلد إثر خسارة انتخابات التجديد النصفي عام 2006، فيما أقال ترمب وزير العدل آنذاك جيف سيشنز بعد خسارة الجمهوريين السيطرة على مجلس النواب عام 2018.
لكن ترمب، على الأرجح، سيختار التحدي بدلا من التراجع. وتتردد تكهنات بشأن احتمال نقل هيغسيث إلى منصب مستشار الأمن القومي، أو تعيينه في مقعد ولاية تينيسي بمجلس الشيوخ، الذي ستخليه مارشا بلاكبيرن في يناير/كانون الثاني بعد انتخابها حاكمة للولاية. ويرى بعضهم أن انتقاله إلى مجلس الشيوخ قد يوفر له قدرا من الحماية في مواجهة تحقيقات الديمقراطيين، بما فيها التحقيقات المتعلقة بالضربات القاتلة التي شنها على قوارب يشتبه في استخدامها لتهريب المخدرات.
وحتى لو صمد هيغسيث، فإن دائرة المستشارين المحيطين بترمب بدأت تضيق بالفعل. فقد جرى تفريغ مجلس الأمن القومي من معظم كوادره، ما جعل عملية صنع القرار أكثر ارتجالا وتخبطا. وأدت الإقالات الواسعة في صفوف الخبراء إلى إضعاف التحضير للاجتماعات والمفاوضات، وباتت السياسات عرضة للتقلب تبعا لأهواء أفراد أو مجموعات صغيرة، كما تجلى في تصرف إيلون ماسك، مؤسس "سبيس إكس" ومستشار ترمب السابق، حين بدا أن شركته عطلت اتصالات حيوية تعتمد عليها أوكرانيا عبر الأقمار الاصطناعية، على خلفية خلاف نشب في أكتوبر/تشرين الأول، وفي الوقت نفسه، يخلط بعض مبعوثي ترمب، الرسميين وغير الرسميين، بين مهامهم الدبلوماسية والسعي إلى إبرام صفقات تجارية مربحة.
وسيواجه ترمب صعوبات متزايدة في الحصول على موافقة مجلس الشيوخ لتعيين وزراء ومسؤولين جدد، ما قد يبقي مناصب عديدة في عهدة مسؤولين بالوكالة لفترات طويلة. وقد تغادر سوزي وايلز، كبيرة موظفي البيت الأبيض، التي ينظر إليها على نطاق واسع بوصفها مصدر استقرار داخل الإدارة، بعدما أمضت في منصبها فترة أطول من أي من كبار مستشاري ترمب خلال ولايته الأولى. أما الأجندة القومية المتطرفة التي يتبناها نائبها ستيفن ميلر، فقد تبين أنها شكلت عبئا على الجمهوريين في الانتخابات. ويلفت سوسنيك إلى أن كفاءة المسؤولين تميل إلى التراجع مع تقدم الإدارة في ولايتها، قائلا: "نلاحظ تراجعا في نوعية الكوادر، حيث يكون القادمون الجدد... في العموم أقل كفاءة بدرجة أو درجتين ممن سبقوهم".
الرئيس الأميركي دونالد ترمب عند مبنى الكونغرس الأميركي (الكابيتول) عقب إلقائه كلمة قبيل انتخابات التجديد النصفي، في "ناشيونال مول" بواشنطن، الولايات المتحدة، 2 نوفمبر 2026
هل نعطي السلام فرصة؟
وهكذا، يجد ترمب نفسه معزولا ومحاصرا على نحو متزايد، فيما يسعى إلى تخليد إرثه السياسي بالأسلوب الوحيد الذي يتقنه: الارتجال. وليس مستغربا أن ينصرف الرؤساء في أواخر ولاياتهم إلى الساحة الدولية بحثا عن إنجازات تخلد أسماءهم، لكن تجارب التاريخ تظهر أن تحقيق ذلك ليس بالأمر الهين.
أمضى وودرو ويلسون ستة أشهر في مؤتمر باريس للسلام عام 1919، ثم عاد إلى بلاده سعيا إلى حشد التأييد الشعبي لعصبة الأمم، لكن جهوده باءت بفشل ذريع بعدما رفض مجلس الشيوخ التصديق على المعاهدة. أما قمة دوايت أيزنهاور مع الاتحاد السوفياتي، فقد انهارت إثر إسقاط طائرة تجسس أميركية من طراز "يو 2". وفي عام 1968، بعدما أعلن ليندون جونسون عزوفه عن الترشح لولاية جديدة، حاول دون جدوى التوصل إلى تسوية تنهي حرب فيتنام. وفي عامه الأخير في البيت الأبيض، كاد بيل كلينتون أن يزور بيونغ يانغ، وسعى إلى إبرام اتفاق سلام دائم بين إسرائيل و"منظمة التحرير الفلسطينية"، لكن مساعيه لم تكلل بالنجاح.
لكن بعض الرؤساء كانوا أوفر حظا. فقد نجح ريتشارد نيكسون ورونالد ريغان، وكذلك ليندون جونسون، في إبرام اتفاقات مهمة للحد من التسلح خلال سنواتهم الأخيرة في الحكم. وأعاد باراك أوباما تطبيع العلاقات مع كوبا، وخاض مفاوضات شاقة أفضت إلى الاتفاق النووي مع إيران، قبل أن ينسحب منه ترمب لاحقا. أما ترمب نفسه، فقد كثف تحركاته الدبلوماسية في أواخر ولايته الأولى، فالتقى كيم جونغ أون ثلاث مرات، ووقع اتفاق سلام مع حركة "طالبان"، ورعى اتفاقات أبراهام التي مهدت لتطبيع العلاقات بين إسرائيل وعدد من الدول العربية في الخليج وشمال أفريقيا.
يسعى ترمب لترسيخ صورته أمام الناخبين بوصفه رجل سلام، ومع اقتراب نهاية ولايته سيزيد من صعوبة التوصل إلى اتفاقات تصمد على المدى الطويل مثل ملف الحد من الأسلحة النووية مع الصين وروسيا وكوريا الشمالية
غير أن ترمب، وهو يقترب الآن من نهاية ولايته الثانية، لا يبدو في وضع يسمح له بتكرار هذه الإنجازات عبر إبرام اتفاقات تاريخية تصمد على المدى الطويل. ومع ذلك، فهو عازم على المحاولة، إذ يتطلع إلى لقاء جديد مع كيم جونغ أون لاستكمال ما بدأه خلال ولايته الأولى، ويرغب في عقد قمة ثلاثية مع بوتين وشي جينبينغ في مدينة شنجن الصينية. ومن الأهداف المعلنة لهذا اللقاء بحث الحد من الأسلحة النووية، وهو ملف لا تبدي الصين رغبة في مناقشته ما دامت ترسانتها النووية لم تصل إلى مستوى التكافؤ مع ترسانتي الولايات المتحدة وروسيا، وقد يعود ترمب في نهاية المطاف إلى محاولة التوسط لإنهاء الحرب في أوكرانيا.
لكن فرص تحقيق اختراقات دبلوماسية حقيقية تبدو ضئيلة. ويكمن الخطر في أن يقبل ترمب باتفاقات هشة لا تقدم سوى حلول مؤقتة، لمجرد أن يتباهى بأنه يستحق جائزة للسلام. وقد يدفع فانس بدوره نحو مثل هذه الاتفاقات، سعيا إلى ترسيخ صورته أمام الناخبين مستقبلا بوصفه رجل سلام. غير أن هذه التسويات قد تورث خليفة ترمب أزمات خطيرة، كما حدث عام 2020، حين أسهم الاتفاق الذي أبرمه مع حركة "طالبان" في انهيار الحكومة الأفغانية والانسحاب الأميركي الفوضوي الذي نفذه جو بايدن في العام التالي.
وفوق ذلك، فإن اقتراب نهاية ولاية ترمب سيزيد من صعوبة التوصل إلى اتفاقات تصمد على المدى الطويل. فبحسب سام تشاراب، الباحث في مؤسسة "راند"، سيعيد حلفاء الولايات المتحدة وخصومها حساباتهم في التعامل مع الرئيس الأميركي، إدراكا منهم أن نفوذه السياسي آخذ في التراجع. وتشير المكاسب الكبيرة التي حققها الديمقراطيون في انتخابات 3 نوفمبر/تشرين الثاني إلى أن فرصهم باتت قوية للفوز بالرئاسة عام 2028. وكثيرا ما تفتقر الاتفاقات المبرمة في أواخر العهود الرئاسية إلى سند تشريعي متين، ما يسهل على الرؤساء اللاحقين التراجع عنها، كما حدث مع الاتفاق النووي الذي أبرمه أوباما مع إيران وانفتاحه على كوبا. وقد تراهن أوكرانيا تحديدا على الصمود حتى نهاية ولاية ترمب، أملا في وصول رئيس أكثر تعاطفا معها إلى البيت الأبيض عام 2029، بل إن استعادة الجمهوريين السيطرة على مجلس الشيوخ، الذي تتطلب المعاهدات الدولية موافقته، باتت الآن مستبعدة قبل عام 2032، أي بعد مغادرة ترمب السلطة.
وربما يكون افتقار ترمب إلى الجدية في التعامل مع الملفات المعقدة نعمة للعالم. فالاختراقات الدبلوماسية الكبرى تتطلب جهدا دؤوبا ومتابعة حثيثة، وقد يؤدي عجزه عن المثابرة إلى أن يترك لخليفته عالما لم يتغير فيه الكثير. وربما تستأثر باهتمامه مشاغل أقرب إلى قلبه، مثل تخليد اسمه على صروح واشنطن، وضمان ازدهار مصالح عائلته التجارية بعد مغادرته البيت الأبيض، وإصدار قرارات العفو، لكن اندفاعه قد يشكل في المقابل خطرا على العالم إذا اندلعت أزمة مفاجئة أو وقع حدث استثنائي "بجعة سوداء"، يضع حكمة الرئيس وصبره على المحك. فماذا لو اندلعت أزمة سيبرانية مدعومة بالذكاء الاصطناعي، أو فرضت الصين حصارا على تايوان، أو وقع ما هو أسوأ؟ أمام العالم عامان عصيبان سيظل خلالهما يحبس أنفاسه ترقبا لما قد يحدث.