أعاد حكم المحكمة العليا في قضية "هافانا دوكس كوربوريشن" ضد رويال كاريبيان كروزز فتح واحد من أقدم الجروح في سياسة الولايات المتحدة تجاه كوبا. في ظاهره، يدور النزاع حول سفن سياحية، وأرصفة ميناء، وامتياز عقاري مُنح قبل الثورة الكوبية. غير أن دلالته السياسية تتجاوز نطاق التقاضي نفسه، إذ تحولت قضية مرتبطة بميناء هافانا إلى جزء من الصراع الأوسع حول الممتلكات المصادرة والعقوبات وسعي واشنطن إلى تشكيل مستقبل كوبا.
ولا يعني الحكم أن الشركات باتت قادرة الآن على مقاضاة الحكومة الكوبية مباشرة بسبب مصادرات حقبة الثورة. بل إن مكمن أهميته في موضع آخر. فباعتماد تفسير أوسع لمفهوم الممتلكات المصادرة بموجب الباب الثالث من "قانون هلمز بيرتون"، عززت المحكمة المخاطر التي تواجه الشركات التي تستخدم أصولا صودرت بعد عام 1959، وأضافت إلى سياسة ترمب تجاه كوبا سلاحا قضائيا أشد مضاء، في وقت تعيد إدارته إحياء العقوبات وقيود النفط والإجراءات العقابية ضد مسؤولي النظام.
بهذا المعنى، يحوّل حكم "هافانا دوكس" مطالبة عقارية قديمة إلى أداة ضغط معاصرة، ويعكس بنية سياسية تصبح فيها العقوبات أدوات اقتصادية ورسائل سياسية في آن واحد، تتعلق بالسيادة والشرعية وطبيعة الدولة التي ترى واشنطن أنها ينبغي أن تقوم في هافانا.
الأرصفة التي أعادت فتح نزاع قديم
حصلت شركة "هافانا دوكس كوربوريشن" عام 1928 على امتياز لتطوير أرصفة ميناء هافانا وتشغيلها. وبعد وصول فيدل كاسترو إلى السلطة عام 1959، صادرت الحكومة الكوبية الجديدة ممتلكات مرتبطة بمواطنين أميركيين، من بينها الأرصفة التي بنتها الشركة. ولاحقا، حصلت "هافانا دوكس" على مطالبة مصدقة عبر لجنة تسوية المطالبات الأجنبية، المعروفة اختصارا باسم "FCSC"، لكنها بقيت عقودا من دون مسار فعلي للحصول على تعويض.
تغير ذلك عام 1996، حين أقر الكونغرس "قانون الحرية والتضامن الديمقراطي الكوبي"، المعروف على نطاق أوسع باسم "قانون هلمز بيرتون". فقد أنشأ الباب الثالث من القانون حقا خاصا في التقاضي لمواطني الولايات المتحدة الذين صادرت الحكومة الكوبية ممتلكاتهم، جاعلا من يتعاملون تجاريا في هذه الممتلكات عرضة للمساءلة أمام المحاكم الأميركية. وبسبب المخاطر الدبلوماسية، أبقى رؤساء أميركيون متعاقبون الباب الثالث معلقا، إلى أن سمح ترمب بانتهاء ذلك التعليق في مايو/أيار 2019.
بعد ذلك، أقامت "هافانا دوكس" دعوى ضد أربع شركات رحلات بحرية كانت قد نقلت ركابا إلى كوبا بين عامي 2016 و2019، في الفترة التي تشكلت في ظل تقارب أوباما مع هافانا. ودفعت شركات الرحلات بأن امتياز الشركة كان سينتهي عام 2004 حتى لو لم تقع المصادرة، ومن ثم فإن استخدامها اللاحق للمرافق لم يمس أي مصلحة ملكية مستمرة. غير أن المحكمة رفضت هذا التصور، معتبرة أن الممتلكات المعنية قد تكون الأرصفة المادية نفسها، لا الامتياز المحدد زمنيا وحده. وهكذا، قد تحمل الأصول المصادرة بعد عام 1959 مخاطر تقاض قائمة، حتى في الحالات التي كان يمكن فيها للمصلحة الأصلية أن تنتهي لولا المصادرة.

