هافانا في مواجهة واشنطن... سلاح قضائي في حرب سياسية قديمة

ترمب وكوبا

(أسوشييتد برس)
(أسوشييتد برس)
صور للرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل وراؤول كاسترو وفيديل كاسترو على مبنى حكومي في هافانا، 20 مايو 2026

هافانا في مواجهة واشنطن... سلاح قضائي في حرب سياسية قديمة

أعاد حكم المحكمة العليا في قضية "هافانا دوكس كوربوريشن" ضد رويال كاريبيان كروزز فتح واحد من أقدم الجروح في سياسة الولايات المتحدة تجاه كوبا. في ظاهره، يدور النزاع حول سفن سياحية، وأرصفة ميناء، وامتياز عقاري مُنح قبل الثورة الكوبية. غير أن دلالته السياسية تتجاوز نطاق التقاضي نفسه، إذ تحولت قضية مرتبطة بميناء هافانا إلى جزء من الصراع الأوسع حول الممتلكات المصادرة والعقوبات وسعي واشنطن إلى تشكيل مستقبل كوبا.

ولا يعني الحكم أن الشركات باتت قادرة الآن على مقاضاة الحكومة الكوبية مباشرة بسبب مصادرات حقبة الثورة. بل إن مكمن أهميته في موضع آخر. فباعتماد تفسير أوسع لمفهوم الممتلكات المصادرة بموجب الباب الثالث من "قانون هلمز بيرتون"، عززت المحكمة المخاطر التي تواجه الشركات التي تستخدم أصولا صودرت بعد عام 1959، وأضافت إلى سياسة ترمب تجاه كوبا سلاحا قضائيا أشد مضاء، في وقت تعيد إدارته إحياء العقوبات وقيود النفط والإجراءات العقابية ضد مسؤولي النظام.

بهذا المعنى، يحوّل حكم "هافانا دوكس" مطالبة عقارية قديمة إلى أداة ضغط معاصرة، ويعكس بنية سياسية تصبح فيها العقوبات أدوات اقتصادية ورسائل سياسية في آن واحد، تتعلق بالسيادة والشرعية وطبيعة الدولة التي ترى واشنطن أنها ينبغي أن تقوم في هافانا.

الأرصفة التي أعادت فتح نزاع قديم

حصلت شركة "هافانا دوكس كوربوريشن" عام 1928 على امتياز لتطوير أرصفة ميناء هافانا وتشغيلها. وبعد وصول فيدل كاسترو إلى السلطة عام 1959، صادرت الحكومة الكوبية الجديدة ممتلكات مرتبطة بمواطنين أميركيين، من بينها الأرصفة التي بنتها الشركة. ولاحقا، حصلت "هافانا دوكس" على مطالبة مصدقة عبر لجنة تسوية المطالبات الأجنبية، المعروفة اختصارا باسم "FCSC"، لكنها بقيت عقودا من دون مسار فعلي للحصول على تعويض.

تغير ذلك عام 1996، حين أقر الكونغرس "قانون الحرية والتضامن الديمقراطي الكوبي"، المعروف على نطاق أوسع باسم "قانون هلمز بيرتون". فقد أنشأ الباب الثالث من القانون حقا خاصا في التقاضي لمواطني الولايات المتحدة الذين صادرت الحكومة الكوبية ممتلكاتهم، جاعلا من يتعاملون تجاريا في هذه الممتلكات عرضة للمساءلة أمام المحاكم الأميركية. وبسبب المخاطر الدبلوماسية، أبقى رؤساء أميركيون متعاقبون الباب الثالث معلقا، إلى أن سمح ترمب بانتهاء ذلك التعليق في مايو/أيار 2019.

بعد ذلك، أقامت "هافانا دوكس" دعوى ضد أربع شركات رحلات بحرية كانت قد نقلت ركابا إلى كوبا بين عامي 2016 و2019، في الفترة التي تشكلت في ظل تقارب أوباما مع هافانا. ودفعت شركات الرحلات بأن امتياز الشركة كان سينتهي عام 2004 حتى لو لم تقع المصادرة، ومن ثم فإن استخدامها اللاحق للمرافق لم يمس أي مصلحة ملكية مستمرة. غير أن المحكمة رفضت هذا التصور، معتبرة أن الممتلكات المعنية قد تكون الأرصفة المادية نفسها، لا الامتياز المحدد زمنيا وحده. وهكذا، قد تحمل الأصول المصادرة بعد عام 1959 مخاطر تقاض قائمة، حتى في الحالات التي كان يمكن فيها للمصلحة الأصلية أن تنتهي لولا المصادرة.

رويترز
جندي من القوات المسلحة الكوبية بجوار أسلحة أميركية الصنع تم الاستيلاء عليها بعد نزول نحو 1500 من حلفاء كوبا المناهضين لكاسترو على شاطئ بلايا جيرون خلال غزو خليج الخنازير على الساحل الجنوبي لكوبا، في أبريل 1961

لم يكن "قانون هلمز بيرتون" في أي وقت مجرد قانون للحظر. فقد ثبّت في التشريع جانبا واسعا من بنية العقوبات القائمة، وقيّد قدرة الرؤساء اللاحقين على تفكيكها بقرار تنفيذي

قانون عقوبات يحمل في داخله خطة انتقال

لم يكن "قانون هلمز بيرتون" في أي وقت مجرد قانون للحظر. فقد ثبّت في التشريع جانبا واسعا من بنية العقوبات القائمة، وقيّد قدرة الرؤساء اللاحقين على تفكيكها بقرار تنفيذي، في حين نقل النزاع إلى نطاق دولي عبر السعي إلى ردع الشركات الأجنبية عن الاستثمار في كوبا أو التعامل مع أصول مرتبطة بممتلكات مصادرة.

ويحمل القانون طموحه السياسي في بنيته نفسها. فالباب الأول يعزز العقوبات، والباب الثالث يفتح باب التقاضي بشأن الممتلكات المصادرة، والباب الرابع يقيّد دخول الأجانب المرتبطين بهذه الممتلكات إلى الولايات المتحدة. أما الباب الثاني، فيذهب أبعد من ذلك، إذ يضع الشروط التي تعترف واشنطن بموجبها بحكومة كوبية انتقالية أو منتخبة ديمقراطيا. بعبارة أخرى، لا يكتفي "هلمز بيرتون" بمعاقبة الدولة الكوبية، بل يرسم شروط البديل الذي تتصوره واشنطن لها.

وهنا تكمن القوة السياسية لحكم "هافانا دوكس". فهو يبعث مسألة الملكية من جديد، في وقت تقدّم إدارة ترمب كوبا بوصفها جزءا من صراع إقليمي أوسع ضد حلفاء استبداديين لفنزويلا ونيكاراغوا وروسيا والصين. وقد ظلت سياسة الولايات المتحدة تجاه كوبا تتأرجح غالبا بين الضغط والانفتاح. مال تقارب أوباما إلى الخيار الثاني، مع إبقاء جانب كبير من بنية الحظر قائما، فيما تعود مقاربة ترمب إلى الضغط، ولكن بأدوات أوسع وأشد امتدادا.

السلاح النائم الذي أيقظه ترمب

ظل الباب الثالث معلقا أكثر من عقدين، لأنه كان يهدد بتحويل سياسة كوبا إلى نزاع لا يدور بين واشنطن وهافانا وحدهما، وإنما بين واشنطن وشركائها أيضا. فالمجموعات الفندقية الأوروبية، وشركات التعدين الكندية، وشركات الشحن، والبنوك، وشركات التأمين، كان يمكن أن تواجه كلها انكشافا قانونيا إذا لامست أنشطتها ممتلكات يطالب بها مواطنون أميركيون، بما يجعل عدم اليقين القانوني رادعا قائما بذاته.

حوّل تفعيل ترمب الباب الثالث عام 2019 تهديدا غير مستخدم إلى تقاض فعلي. وجاءت النتائج الأولى متفاوتة. فبين مايو/أيار 2019 ويناير/كانون الثاني 2023، سُجلت 42 دعوى، وهو عدد أدنى بكثير مما كان متوقعا، وواجه كثير منها عقبات متصلة بالاختصاص القضائي والصفة القانونية وإثبات الإتجار بالممتلكات. ومع ذلك، ما زالت الآلية تحتفظ بثقل سياسي، إذ تستطيع حتى الدعاوى الفاشلة أن تخلق حالة من عدم اليقين، وترفع تكاليف الامتثال، وتضيف طبقة جديدة إلى بنية العقوبات.

أ.ف.ب
مسيرة داعمة لراؤول كاسترو، والذي وجهت إليه محكمة أميركية اتهامات، أمام السفارة الأميركية في هافانا في 22 مايو 2026

 

تكمن القوة السياسية لحكم "هافانا دوكس" في أنه يبعث مسألة الملكية من جديد، في وقت تقدّم إدارة ترمب كوبا بوصفها جزءا من صراع إقليمي أوسع ضد حلفاء استبداديين لفنزويلا ونيكاراغوا وروسيا والصين

وتواصل الإجراءات الأخيرة السير في هذا المسار، عبر عقوبات جديدة على مسؤولين كوبيين، وقيود على كيانات متهمة بإدامة القمع، وتدقيق متزايد في شركات تنشط في الشحن أو تدفقات الطاقة. ولا تسعى واشنطن إلى معاقبة هافانا فحسب، بل إلى جعل كوبا بيئة طاردة تجاريا.

هنا يتحول القانون إلى استراتيجية، لأن العقوبات الثانوية تعمل غالبا من خلال التوقع لا من خلال الإنفاذ وحده. فالشركات لا تحتاج إلى خسارة دعوى أو مواجهة غرامة كي تنسحب؛ قد تخلص ببساطة إلى أن كوبا لم تعد تستحق المخاطرة. عندئذ، تتراجع البنوك وشركات التأمين والشحن والمستثمرون، وتغدو إدارات الامتثال أدوات للسياسة من دون توجيه مباشر من الدولة.

أما بالنسبة إلى هافانا، فتزداد الرهانات حدة بفعل النقص واضطراب الطاقة والتضخم وتراجع الخدمات العامة واستمرار الهجرة. فالضغط الخارجي لا يقع على نظام معافى، بل يضغط على مجتمع أنهكته أصلا اختلالات داخلية وعقوبات وتراجع الدعم الفنزويلي وإخفاقات الإصلاح.

النموذج الفنزويلي أمام الدولة الكوبية

هنا تصبح المقارنة مع فنزويلا شبه حتمية، وإن كان ينبغي أن لا يذهب القياس بعيدا. فقد اعتمدت استراتيجية ترمب الإقليمية، في كثير من الأحيان، على سياسة الضغط الأقصى ضد حكومات تُعرّف في واشنطن باعتبارها فاسدة ومعادية لمصالح الولايات المتحدة. في فنزويلا، تُرجم ذلك إلى عقوبات على النفط، وضغط على مسؤولي النظام، واعتراف بادعاءات المعارضة في السلطة، وإجراءات قانونية ضد أطراف مرتبطة بالدولة، ومحاولات لشق ولاء النخبة الحاكمة. وكانت الغاية جعل الحكومة القائمة غير قابلة للاستمرار، مع تشجيع انتقال سياسي أكثر انسجاما مع واشنطن.

وتبدو كوبا الآن وكأنها تواجه نسخة من ذلك النموذج، مع أن الأدوات غير متطابقة، والنمط لا يصلح للمقارنة إلا جزئيا. والسؤال المطروح هو ما إذا كان ممكنا استنساخ استراتيجية اعتمدت سنوات على العقوبات والعزلة والضغط على النخب قبل القبض على مادورو، في مواجهة نظام كوبي تشكل عبر عقود من المواجهة مع واشنطن.

غير أن أوجه الشبه ينبغي أن لا تحجب الفوارق. فقد أتاحت فنزويلا لواشنطن مداخل سياسية لا توفرها كوبا، أولا عبر شخصية معارضة أمكن الاعتراف بها دوليا، ثم عبر ترتيب انتقالي بعد مادورو شاركت فيه ديلسي رودريغيز، وأتاح دورها لترمب السعي إلى الاستقرار مع إعادة فتح الطريق إلى النفط الفنزويلي. أما كوبا، فتقدم مشهدا مختلفا: معارضة مشتتة، وغياب شخصية قيادية واحدة تحظى باعتراف خارجي مماثل، وبنى أمنية صيغت في ظل سياسة الحصار. وقد صمدت نخبتها الحاكمة لا بفضل نجاح اقتصادي، وإنما عبر آليات السيطرة والتكيف.

ولدى كوبا أيضا سردية سياسية تستطيع العقوبات، من دون قصد، أن تعززها. فقد دأبت الحكومة على تقديم المشقة المعيشية باعتبارها نتيجة للعداء الأميركي، مستخدمة الحظر تفسيرا ودرعا في الوقت نفسه. ولا تفسر هذه السردية كل مشكلات كوبا، لأن إخفاقات السياسات الداخلية تقع في قلب الأزمة. ومع ذلك، يمنح الضغط الخارجي هافانا لغة مألوفة تبرر بها الندرة، وتضبط بها المعارضة، وتصور الأصوات المناوئة وكأنها مصطفة مع مشروع أجنبي.

هنا تكمن نقطة الضعف المركزية في سياسة الضغط الأقصى. فهي قادرة على تعميق الأزمة من دون إنتاج انتقال، وعلى زيادة المعاناة من دون خلق بديل موثوق، وعلى دفع الشركات الأجنبية إلى المغادرة بينما تبقى بنية السلطة الداخلية قائمة. وفي كوبا، حيث تشكل السيادة أسطورة سياسية مؤسسة، قد يتحول الإكراه إلى دليل يخدم الرواية التي تقولها الحكومة عن نفسها.

أتاحت فنزويلا لواشنطن مداخل سياسية لا توفرها كوبا، أولا عبر شخصية معارضة أمكن الاعتراف بها دوليا، ثم عبر ترتيب انتقالي بعد مادورو شاركت فيه ديلسي رودريغيز

ضغط من دون نهاية واضحة

يبقى معنى الانتقال نفسه موضع نزاع. فـ"قانون هلمز بيرتون" يتضمن تصورا مفصلا لما يمكن أن تعده واشنطن نظاما ديمقراطيا بعد كاسترو، إذ يربط الاعتراف والمساعدة بشروط تتيح للولايات المتحدة الحكم على أي حكومة كوبية مستقبلية. ومن منظور هافانا، يبدو ذلك وصاية خارجية. أما من منظور واشنطن، فهو إطار يضمن أن لا يعيد أي انتقال إنتاج النظام القائم تحت اسم آخر.

هذا ما يمنح حكم "هافانا دوكس" قوته السياسية. فهو يعيد مسألة الملكية إلى الواجهة، في وقت تقدم إدارة ترمب كوبا باعتبارها جزءا من مواجهة إقليمية أوسع مع حلفاء استبداديين في فنزويلا ونيكاراغوا وروسيا والصين. وقد ظلت سياسة الولايات المتحدة تجاه كوبا تتأرجح غالبا بين الضغط والانخراط. حيث مال انفتاح أوباما إلى الخيار الثاني، مع إبقاء جانب كبير من بنية الحظر قائما، في حين تعود مقاربة ترمب إلى الضغط، ولكن بأدوات أوسع نطاقا.

أما المسألة الأصعب فما زالت معلقة. فالضغط قادر على إضعاف كوبا، ومفاقمة الندرة، ورفع كلفة الدعم الخارجي، من دون أن ينتج انتقالا شرعيا، أو استراتيجية معارضة متماسكة، أو نظاما مستقرا لمرحلة ما بعد الشيوعية. ولا يضمن، كذلك، أن يرى شعب أنهكته الأزمة في واشنطن صاحبة الخلاص.

حوّل حكم "هافانا دوكس" المطالبات القديمة إلى ساحة قضائية جديدة. قد يراه ترمب ورقة ضغط، وتراه كوبا فصلا آخر في تاريخ التدخل، وتراه الشركات الأجنبية إنذارا بأن ماضي الجزيرة ما زال قادرا على توليد مسؤولية قانونية في الحاضر. فالضغط قد يجعل النظام الكوبي أكثر هشاشة، من دون أن يحسم السؤال عما يأتي بعده.

font change

مقالات ذات صلة