راؤول كاسترو... مهندس الدولة التي أبقت "ثورة فيدل" حية

الدولة لا تستطيع أن تعيش على الشعارات وحدها

أ.ف.ب
أ.ف.ب
الرئيس الكوبي السابق راؤول كاسترو خلال اجتماع للاحتفال بالذكرى الخامسة والستين للثورة الكوبية في سانتياغو دي كوبا في 1 يناير 2024

راؤول كاسترو... مهندس الدولة التي أبقت "ثورة فيدل" حية

بنى راؤول كاسترو، الأكثر هدوءا في كوبا، المعمارَ العسكري والمؤسسي الذي أتاح للثورة أن تعيش بعد انطفاء سحر الكاريزما، وأن تصمد في وجه الأزمات وبعد رحيل مؤسسها، فيدل.

ولكنه اليوم يعود إلى الواجهة، لا عبر خطاب في هافانا، ولا من خلال مؤتمر حزبي أو مداخلة علنية، بل عبر لائحة اتهام فيدرالية أميركية متصلة بإحدى أكثر الحلقات مرارة في تاريخ كوبا الحديث. ففي مايو/أيار 2026، كشفت وزارة العدل الأميركية عن اتهامات موجهة إلى الرئيس الكوبي السابق، ومعه خمسة متهمين آخرين، في قضية إسقاط طائرتين تابعتين لمنظمة "Brothers to the Rescue" عام 1996. ويقول المدعون إن الطائرتين، اللتين شغلتهما منظمة للمنفيين الكوبيين، كانتا مدنيتين غير مسلحتين، وأسقطتا فوق المياه الدولية. أما هافانا، فلطالما صورت تلك الرحلات على أنها استفزازات موجهة ضد السيادة الكوبية.

ربما لن تقود هذه القضية راؤول إلى قاعة محكمة. فهو في التسعينات من عمره، ولا يزال مقيما في كوبا، ثم إنه ينتمي إلى نظام سياسي جعل- طوال أكثر من ستة عقود- من الصراع مع واشنطن ركنا في خطابه وشرعيته، من الحصار والعقوبات إلى التوتر المزمن مع المنفيين والنشاط المناهض لكاسترو. على أن لائحة الاتهام تتخطى حدود الملف القانوني، إذ تستعيد عنف عام 1996، وتعيد طرح السؤال الأعمق الذي لازم راؤول طوال حياته العامة: هل ينبغي النظر إليه بوصفه الشقيق الأصغر الوفي لفيدل كاسترو، أم المهندس العسكري الذي منح الثورة الكوبية قدرتها على البقاء؟

كان راؤول الاثنين معا، وإن لم يكن بالقدر نفسه. كان فيدل الصوت والأسطورة والمنبر والخطاب الذي لا ينتهي. أما راؤول فكان منظم القيادة، وحارس الانضباط، والباني الصبور للمؤسسات. جعل فيدل الكاريزما لغة الشرعية الثورية، فيما حوّل راؤول تلك الشرعية إلى بنى قادرة على احتمال الجوع والعزلة وتعاقب القيادة والإرهاق المتراكم عبر الأجيال.

من الامتياز الريفي إلى الانضباط الثوري

وُلد راؤول موديستو كاسترو روز في 3 يونيو/حزيران 1931 قرب بيران، في إقليم هولغوين شرقي كوبا، داخل عائلة ريفية ميسورة ذات أصول غاليسية. كان والده، أنخيل كاسترو، مهاجرا إسبانياً أصبح مزارع سكر ناجحا. أما والدته، لينا روز، فعملت في المنزل قبل أن تصبح الزوجة الثانية لأنخيل. ولم تكن العائلة جزءا من النخبة السياسية القديمة في هافانا، لكنها امتلكت من الأرض والدخل والمكانة الاجتماعية ما أتاح لأبنائها تعليما يفوق بكثير ما كان متاحا لمعظم أبناء الريف الكوبي في ذلك الزمن.

درس راؤول في سانتياغو دي كوبا وهافانا، حيث انخرط في السياسة الطلابية. وعلى خلاف فيدل، الذي تشكلت شخصيته السياسية عبر القانون والخطابة والطموح التاريخي الواسع، اتجه راؤول مبكرا نحو الدوائر الاشتراكية والشيوعية. شارك فيدل في الهجوم على ثكنة مونكادا عام 1953، وسُجن، ثم ذهب إلى المنفى في المكسيك، وعاد على متن غرانما، وقاتل في سييرا مايسترا. ومنذ البداية، كان راؤول أخا وتابعا في الوقت نفسه، مشدودا إلى فيدل برباط الولاء العائلي والانضباط الثوري، وبالقناعة المشتركة بأن الكفاح المسلح قادر على إعادة تشكيل الدولة الكوبية.

لم تُبن مسيرة راؤول على التفوق على فيدل، بل على أن يكون لا غنى عنه بالنسبة إليه. وفي كوبا الثورية، منحه ذلك موقعا يتجاوز رتبة الملازم، إذ جعله الركن الثاني في نظام تداخلت فيه الولاءات الشخصية والقيادة العسكرية والبقاء السياسي، إلى حد تعذر معه فصل بعضها عن بعض.

ربما لن تقود هذه القضية راؤول إلى قاعة محكمة. فهو في التسعينات من عمره، ولا يزال مقيما في كوبا، ثم إنه ينتمي إلى نظام سياسي جعل من الصراع مع واشنطن ركنا في خطابه وشرعيته

القوات المسلحة دولة داخل الدولة

بعد عام 1959، أصبح راؤول كاسترو القائد الأطول عهدا للقوات المسلحة الثورية، في منصب لم يكن تشريفيا بأي معنى. فقد غدا الجيش إحدى أكثر مؤسسات كوبا الجديدة موثوقية، وأوكلت إليه مهمة الدفاع في وجه الغزو والتخريب ونشاط المنفيين المسلح، إلى جانب المهمة الأوسع: حماية مشروع ثوري واقع تحت ضغط دائم.

تمثلت مساهمة راؤول المحورية في أنه نقل هذا العالم إلى الاحتراف من دون أن ينزع عنه أيديولوجيته. فلم يُسمح للقوات المسلحة الكوبية بأن تتحول إلى طبقة عسكرية لاتينية تقليدية، منفصلة عن المشروع السياسي. ولم تكن، في الوقت نفسه، مجرد ميليشيا حزبية. ففي عهد راؤول، غدت مؤسسة منضبطة وهرمية ووفية وعملية. وتدربت على الدفاع عن الجزيرة، ودعم الأممية الثورية في الخارج، والتدخل في لحظات التوتر الداخلي، ثم إدارة أصول اقتصادية بكفاءة افتقدتها مؤسسات أخرى في الدولة في كثير من الأحيان.

أ.ف.ب
راؤول كاسترو في قصر المؤتمرات في هافانا، في 21 ديسمبر 2019

كان هذا جوهر الهوية السياسية لراؤول. فلم يكن محركا جماهيريا ذا كاريزما على صورة فيدل. بل كان جنديا ثوريا يؤمن بأن الاستمرارية السياسية تحتاج إلى هياكل قيادة وإمداد وطاعة، وإلى قدرة على التكيف. ولم تنبع سلطته من سحر الحضور بقدر ما نبعت من الاعتماد عليه، ومن كونه الرجل الذي جعل الآلة تعمل.

"الفترة الخاصة" وعسكرة الأزمة

أوصل انهيار الاتحاد السوفياتي تلك الآلة إلى حافة الانكسار. فقدت كوبا التجارة والوقود والائتمان والإمدادات واليقين الأيديولوجي بسرعة مدمرة. وعرفت المرحلة التالية باسم "الفترة الخاصة"، وهي أزمة تجاوزت الاقتصاد إلى الشرعية والحياة اليومية والمعنويات الثورية.

في تلك الحالة الطارئة، تقدمت القوات المسلحة إلى قلب إدارة الأزمة الوطنية. كان عليها أن تخفض استهلاكها، وأن تؤمّن غذاءها، وأن تسهم في إطعام البلاد، وأن توفر العملة الصعبة، وأن تحافظ على النظام، وأن تتكيف مع عالم اختفت منه الحماية السوفياتية. وأصبحت الزراعة العسكرية وإدارة المؤسسات والتقشف الاستراتيجي جزءا من استجابة الدولة. وكان مطلوبا من قوات راؤول المسلحة أن تبقى مستعدة للدفاع، وأن تعمل، في الوقت ذاته، احتياطيا وطنيا للتنظيم والانضباط.

تلقي هذه التجربة ضوءا على كوبا التي حكمها راؤول لاحقا. فقد أظهرت "الفترة الخاصة" أن الأيديولوجيا وحدها لا تطعم الناس، ولا تنقل السلع، ولا تحفظ الولاء، وأن الجيش يستطيع أن يشكل عمادا إداريا حين تترنح المؤسسات المدنية. واستوعب راؤول هذا الدرس، وصاغ في ضوئه إصلاحات لاحقة لم تكن ليبرالية بالمعنى السياسي، بل أدوات للحفاظ على النظام.

تلقي هذه التجربة ضوءا على كوبا التي حكمها راؤول لاحقا. فقد أظهرت "الفترة الخاصة" أن الأيديولوجيا وحدها لا تطعم الناس، ولا تنقل السلع، ولا تحفظ الولاء، وأن الجيش يستطيع أن يشكل عمادا إداريا حين تترنح المؤسسات المدنية

رئاسة من دون مسرح فيدل

حين مرض فيدل عام 2006، واجهت كوبا المعضلة التي تطارد الأنظمة الكاريزمية: ماذا يحدث حين يعجز المؤسس عن تجسيد الدولة؟ جاء الجواب، في البداية، هادئا على نحو لافت. فقد تولى راؤول السلطة مؤقتا قبل أن يصبح رئيسا رسميا عام 2008. ولم تقع انتفاضات جماهيرية، ولم يظهر انقسام علني داخل النخبة، ولم ينهَر حكم الحزب على نحو فوري. ولم يجر ذلك كلّه بالمصادفة، فقد ظل راؤول الوريث المحدد لعقود. وكان يمسك بالقوات المسلحة، ويتمتع بصلات عميقة داخل النخبة الحاكمة، ويمثل الاستمرارية من دون أن يقلد فيدل. ومع ذلك، بقيت مهمته دقيقة، إذ كان عليه أن يحكم بعد زعيم جعل نفسه عصيا على الاستبدال، من غير أن تبدو الثورة فاقدة لقائدها.

كان حلّه مؤسسيا لا مسرحيا، إذ ركز على "الحزب الشيوعي" والقيادة الجماعية والانضباط الإداري وتجديد الأجيال. وفي الوقت نفسه، أدخل إصلاحات حذرة شملت توسيع هامش المبادرة الخاصة، وتعديل قواعد السفر، والسماح المحدود بتداول الملكية، والاعتراف بقدر أكبر من الصراحة بعدم الكفاءة الاقتصادية. ولم تفكك هذه الإجراءات النظام، بل عدلته كي يستطيع البقاء.

أ.ف.ب
مسيرة داعمة لراؤول كاسترو، والذي وجهت إليه محكمة أميركية اتهامات، أمام السفارة الأميركية في هافانا في 22 مايو 2026

تكمن مفارقة راؤول في أنه غيّر كوبا كي يحافظ عليها. كان يعرف أن الدولة لا تستطيع أن تعيش على الشعارات وحدها، لكنه لم يقبل قط بأن يقود الإصلاح الاقتصادي إلى تعددية سياسية. وخفف بعض القيود حفاظا على احتكار السلطة، وسمح بمساحة أوسع للمبادرة الخاصة من دون أن يمس معمار الحكم.

ظل عام 1996

يعود إسقاط طائرتي "Brothers to the Rescue" اليوم إلى الواجهة جزءا من هذا الإرث، لكن هذه المرة في صورة اتهام ورمز وصدمة لم تبرأ. فقد وقعت حادثة عام 1996 وسط مزيج متقلب من نشاط المنفيين ومخاوف الأمن الكوبي وعلاقات عدائية عبر مضيق فلوريدا. وراجع محققون دوليون مسارات الرحلات وادعاءات المجال الجوي المتعارضة والاتصالات وإجراءات الاعتراض. أما لائحة الاتهام الأميركية، من جهتها، فتدرج راؤول ضمن سلسلة المسؤولية المزعومة، وتعرض الواقعة على أنها قتل غير مشروع لمواطنين أميركيين كانوا على متن طائرات مدنية.

وكثيرا ما أدرجت هافانا الواقعة في سردية سيادية تتمحور حول الدفاع عن المجال الجوي الكوبي في وجه الاختراقات واستفزازات المنفيين، وما تعده تساهلا من واشنطن مع النشاط المناهض لكاسترو. أما لدى عائلات الضحايا، فهي فعل من أفعال عنف الدولة لم يجد جوابا قضائيا حقيقيا. وفي سيرة راؤول، تكشف هذه الحادثة الجانب الأكثر قتامة في النظام الذي ساعد على بنائه: دولة أمنية اعتادت أن ترى التهديد والاستفزاز والخطر الوجودي حيث يرى آخرون نشاطا مدنيا، مهما بلغت حدة المواجهة.

لذلك، لا تكتفي لائحة الاتهام بإعادة فتح ملف قانوني، بل تثير في الوقت نفسه الالتباس الأخلاقي في مسيرة راؤول. فقد كان حارسا للسيادة في نظر المدافعين عن الثورة، ومهندس قمع في نظر خصومها، وحارسا منضبطا للاستمرارية في نظر من يدرسون الدولة الكوبية نظاما صُمم كي يدوم.

كان حلّه مؤسسيا لا مسرحيا، إذ ركز على "الحزب الشيوعي" والقيادة الجماعية والانضباط الإداري وتجديد الأجيال

مهندس الاستمرارية

لم يمتلك راؤول كاسترو سحر فيدل، ولم يسع إلى امتلاكه. كانت سلطته أهدأ وأصلب وأكثر إدارية. بنى القوات المسلحة، وأدار الأزمة، وورث الرئاسة، وكيّف الاقتصاد، وأشرف على الانتقال إلى قيادة ما بعد كاسترو من دون أن يتخلى عن احتكار الحزب للسلطة.

رويترز
كاسترو في ثكنات مونكادا العسكرية السابقة في سانتياغو دي كوبا في 26 يوليو 2008

لا يمكن اختزال إرثه في كونه موضع ثقة فيدل، فقد كان الرجل الذي جعل "الفيدلية" قابلة للحكم بعد فيدل. وإذا كانت الثورة الكوبية قد نجت من موت الرعاية السوفياتية، ومن إنهاك الكاريزما، ومن خروج مؤسسها من المنصب الرسمي، فذلك يعود إلى حد بعيد إلى أن راؤول أمضى عقودا في إعداد المؤسسات القادرة على حملها إلى الأمام.

قد تحدد لائحة الاتهام الأميركية الطريقة التي سيتعرف بها كثيرون خارج كوبا إلى اسمه، لكنها لا ينبغي أن تختصر صورته كلها. فالثقل التاريخي لراؤول كاسترو يقوم على إنجاز أطول وأبرد: تحويل ثورة الشخصية إلى دولة قيادة. وسواء قُرئ ذلك من زاوية الصلابة السياسية أو من زاوية ترسيخ السلطوية، فإنه يظل موقعه المركزي في تاريخ كوبا الحديث.

font change