تمر التحولات العميقة الجارية داخل السودان بعيدا عن الاهتمام الدولي الذي رافق الأشهر الأولى للحرب فقد باتت القوى الكبرى، وفي مقدمتها أعضاء الرباعية المعنية بالملف السوداني: الولايات المتحدة، والسعودية، والإمارات، ومصر، منهمكة في ملفات أشد إلحاحا وهي: حرب إيران وهجماتها العابرة للحدود، واعتداءات طالت دولا خليجية، ومستقبل يرسم أولويات المنطقة بأسرها.
وسط هذا الوضع الإقليمي، يتشكل في السودان واقع جديد قد يكون من أهم لحظات الحرب منذ اندلاعها، في مرحلة تُعدّ من التداعيات غير المباشرة لحرب إيران، حيث التراجع المتسارع لنفوذ "قوات الدعم السريع" في المعارك، وبدء تفكك بنيته الداخلية على نحو لم يسبق له مثيل. بينما تستقبل قيادة الجيش السوداني بترحيب المنشقين الذين كانت تحاربهم بالأمس، رغم معارضة قوية من حلفائها في الداخل.
سابقا، أعلن قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان أن "كل من يترك القتال وينضم إلى جانب الدولة يمكن مراجعة أمره"، وهو ما رسم معالم مسار الانشقاقات أو "العفو" الذي نراه اليوم. وأبرز هذه الانشقاقات كان انضمام اللواء النور أحمد آدم، المعروف بـ"النور القبة"، وهو قائد بارز أسهم في معارك الفاشر، إلى صفوف الجيش السوداني في أبريل/نيسان 2026. وتشير الأخبار إلى أن البرهان زاره فور وصوله إلى الولاية الشمالية على رأس قوة تضم أكثر من 40 عربة قتالية بكامل عتادها. وتبعه القائد الميداني بشارة الهويرة، الذي غادر صفوف "قوات الدعم السريع" في شمال كردفان، ثم القائد علي رزق الله المعروف بـ"السافنا"، في سلسلة انشقاقات بدأت مع أبو عاقلة كيكل في أواخر 2024.
وقد خرجا بعد ذلك للعلن، ليتحدثا عن أسباب عودتهما، وكيف أن المواطن السوداني لا يستحق الحرب، وأنه مغلوب على أمره، وأن عودتهما إلى "حضن الوطن" والجيش هي الشيء الصحيح! وفي المقابل نشر عدد من المقاتلين فيديوهات على مواقع التواصل الاجتماعي، ترفض هذا التسامح مع قيادات "الدعم السريع".
غير أن هذه الانشقاقات تضعنا أمام سؤال جوهري لا يمكن تجاوزه: إلى أي مدى تُمثّل هذه العودة قناعة حقيقية يمكن أن يثق فيها الجيش واستخباراته، حتى لو افترضنا أن هؤلاء القادة قفزوا من مركب يغرق؟ أم هي مجرد مناورة استخباراتية تنفذها "قوات الدعم السريع"، لإعادة تمركز عناصرها داخل الخرطوم وبورسودان تحت غطاء "العودة للوطن"؟


