لم تبدأ المواجهة الأميركية-الإسرائيلية مع إيران في لحظة فراغ دبلوماسي، بل اندلعت فيما كانت قنوات التفاوض لا تزال مفتوحة بوساطة عُمانية. فبعد جولة التفاوض في جنيف والتي انتهت في 26 فبراير/شباط 2026 ووُصفت بأنها أحرزت قدراً من التقدم وتستحق استكمالاً فنياً. جاء الانتقال الصادم من التفاوض إلى المواجهة العسكرية في 28 فبراير، وتحولت المنطقة في لحظة واحدة من منطق إدارة التوتر بالأدوات الدبلوماسية إلى منطق الحرب المفتوحة بلا أهداف أو نهايات واقعية محددة. هذه القفزة، وما حملته من دلالات في مقتل "المرشد الأعلى" للنظام الإيراني علي خامنئي والتفكيك الجزئي لبنية القيادة الإيرانية، ثم الرد واسع النطاق والذي افتقر إلى أي معقولية سياسية، لم تغيّر وضع الخليج العربي وحده، بل أعادت تعريف معادلة الأمن والاستقرار الإقليمي في المنطقة بأسرها بما فيها السودان والذي يمر بلحظة ضعف هيكلي نتيجة حربه الخاصة منذ أبريل/نيسان 2023.
ومهما اختلفت القراءات حول شرارة الحرب الأولى، فإن رد الفعل الإيراني اللاحق بدا، من منظور استراتيجي بحت، فاقداً للتناسب السياسي والبوصلة الإقليمية. فردّ الفعل الإيراني لم يقتصر على استهداف الولايات المتحدة وإسرائيل، بل تمدد إلى ضرب بنى تحتية ومواقع مدنية ومنشآت طاقة في دول عربية، من بينها قطر والسعودية والأردن والبحرين والإمارات والكويت، كما شهدت عُمان نفسها هجوماً على ميناء صلالة رغم أن مسقط كانت الوسيط الأبرز في مسار التفاوض لمنع اندلاع الحرب، فيما شددت الدوحة علناً على ضرورة خفض التصعيد، وأعلنت المملكة العربية السعودية وأبلغت إيران رسمياً منذ 14 يناير/كانون الثاني 2026 عبر قنوات دبلوماسية مباشرة عن عدم سماحها لاستخدام أجوائها أو أراضيها أو قواعدها في أي عمل عسكري أميركي محتمل ضد إيران. كانت الرياض والدوحة ومسقط منخرطة في مساعٍ إقليمية لتفادي الأزمة. ولكن جاء الرد الإيراني بالاستهداف لهذه الدول بما لا يعكس ردعاً عقلانياً بقدر ما يعكس نزعة إلى تعميم الحرب، حتى على دول حاولت إبقاء الباب موارباً أمام التسوية أو على الأقل أمام منع الانهيار الكامل للنظام الإقليمي.
بالنسبة إلى السودان، لا تأتي تأثيرات الحرب الأميركية-الإيرانية باعتبارات الجغرافيا وموقعه داخل المحيط الأمني العربي فقط، بل من السياق الزمني الذي تحدث فيها خلال كارثة الحرب السودانية المندلعة منذ 2023. وهو سياق مركب تتداخل فيه الأدوار والأطماع الإقليمية وتتصارع فيه السرديات السياسية التي تحاول إعادة صياغة الواقع بالإضافة إلى الضغط والأزمة الاقتصادية الداخلية الناتجة عن الحرب. والسودان هنا ليس مراقباً من بعيد لأزمة معزولة في الخليج العربي، بل جزء أساسي من محيط أمني عربي يمتد من الخليج إلى البحر الأحمر، ويتأثر في آن واحد بمضيق هرمز وباب المندب وسلاسل الإمداد التي تصل بينهما. وكما أن إغلاق وتعطيل مضيق هرمز، الذي تمر عبره نحو 20 في المئة من تجارة الطاقة العالمية، وتزايد القلق عن استقرار المرور البحري في البحر الأحمر مع انخراط الحوثيين في الحرب، فإن السودان لا يتلقى فقط صدمة أسعار، بل يتلقى زلزالاً في المجال الأمني الذي يتحرك داخله وضمنه.
ومن هذه الزاوية جاء الموقف السوداني الرسمي واضحاً بشكل مطلق. فقد أعلنت الحكومة السودانية، منذ الأيام الأولى لانفجار الأزمة، شجبها للهجمات الإيرانية على الدول العربية بأشد العبارات، ووصفتها بأنها عدوان سافر وغير مشروع، في صياغة قطعت بها الخرطوم الطريق مبكراً على أي محاولة للتشكيك في موقفها. ثم عزز رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق عبد الفتاح البرهان هذا التموضع باتصالات مع قادة خليجيين وعرب للإعراب عن الموقف المتضامن وكما قام بإصدار تحذير إعلامي واضح لأي جهات داخلية عن مغبة الحديث باسم الدولة في هذا الشأن، مؤكداً دعم السودان لأمن الدول العربية ورفضه أي مساس به. هذه النقطة ليست تفصيلاً دبلوماسياً، بل إعلان لموقف سياسي واضح يضع السودان داخل الفضاء الأمني العربي دون مساحات للمناورة أو المساومة.

