عقيدة الاستقرار... حسابات الرياض والقاهرة في حرب السودان

مركزية الدولة

أ.ف.ب
أ.ف.ب
السفينة المصرية حلايب (231)، التابعة للبحرية المصرية والمحمّلة بالمساعدات الإنسانية المقدَّمة من مصر للسودان، ترسو في ميناء بورتسودان في 14 سبتمبر 2024

عقيدة الاستقرار... حسابات الرياض والقاهرة في حرب السودان

في ظل الديناميكيات الإقليمية المتسارعة التي أعقبت اندلاع الحرب في السودان يوم 15 أبريل/نيسان 2023، برزت أدوار المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر بوصفهما قوتين محوريتين في منطقة الشرق الأوسط والعالم العربي، ليس من حيث الثقل السياسي والاقتصادي فحسب، بل أيضا من حيث إدراكهما العميق لمخاطر انهيار الدول المجاورة.

فخبرة العقد الماضي- من سوريا إلى ليبيا واليمن وقبلهما العراق والصومال- رسخت لدى الجميع في المنطقة قناعة مفادها أن تفكك الدولة الوطنية لا يبقى محصورا داخل حدودها، بل يتحول سريعا إلى تهديد عابر للحدود يتمثل في نمو شبكات الإرهاب، والهجرة غير النظامية، وتهريب السلاح والمخدرات، وتآكل سلاسل الإمداد، واضطراب الممرات التجارية والبحرية بالإضافة الي جحيم من المعاناة الإنسانية.

سيناريوهات التشرذم البنيوي، والتقسيم الجغرافي، والانزلاق إلى الفوضى الممتدة لا تنسجم مع التصورات الاستراتيجية ولا مع التوجهات السياسية المؤسسية للدول الكبرى ذات الرسوخ المؤسسي والتقاليد العميقة، كالسعودية ومصر، لأنها تدرك أن تفكك الدول في محيطها الإقليمي لا يُنتج فراغا محايدا، بل يولّد بيئات اضطراب مزمنة سرعان ما تنعكس على أمنها القومي ومصالحها الاستراتيجية. لهذا تبقى استراتيجيات التفكيك والتقسيم هي من شيم الصغار والفاعلين محدودي الأفق، الذين يراهنون على مكاسب ظرفية قصيرة الأمد.

غير أن هذا التوجه السعودي-المصري، الذي يمكن تسميته بـعقيدة الاستقرار، يواجه تحديا متزايدا يتمثل في سياسات جهات إقليمية تعمل- وفق تقارير أممية ودبلوماسية متعددة- على توظيف الفاعلين غير الحكوميين كأدوات نفوذ في مساحات الهشاشة السياسية، بما يعيد تشكيل التوازنات الجيوسياسية في القرن الأفريقي والبحر الأحمر والشرق الأوسط ككل. وهذا ما يمكن أن نشاهده في حالة ميليشيا "الدعم السريع" في السودان، وفي جنوب اليمن، وفي شرق ليبيا وغيرها من المناطق المشتعلة التي تستثمر بعض الجهات الإقليمية هشاشتها لحصد مكاسبها من النفوذ والمغانم. وهو ما دفع بكل من السعودية ومصر لانتهاج سياسات أكثر وضوحا ومباشرة في سياق عقيدة الحفاظ على الاستقرار الإقليمي.

الجغرافيا بوصفها قدرا استراتيجيا

لطالما شكّل السودان امتدادا جيوسياسيا مباشرا لكل من القاهرة والرياض. تمتد الحدود البرية بين مصر والسودان لمسافة تقارب 1,276 كيلومترا، ما يجعل الجنوب المصري مفتوحا على أي اضطراب أمني في الأراضي السودانية. أما بالنسبة للسعودية، فيمتد الساحل السوداني لنحو 853 كيلومترا، على الضفة المقابلة من البحر الأحمر مقابل الساحل السعودي الذي يتجاوز 1,760 كيلومترا (بما يجعل السودان صاحب ثاني أطول حدود بحرية مباشرة مع السعودية بعد اليمن التي تمتد حدودها مع السعودية لنحو 1,307 كيلومترات).

تستند القاهرة في مقاربتها للسودان إلى ثلاثة اعتبارات أساسية:

أمن الحدود الجنوبية ومنع تسلل السلاح أو المجموعات المسلحة. إذ يمتد الخط الحدودي بين مصر والسودان لنحو 1,276 كيلومترا، وهو امتداد صحراوي واسع وقليل الكثافة السكانية، لكنه عالي الحساسية من منظور أمني. هذه الطبيعة الجغرافية المفتوحة نسبيا تجعل أي انهيار مؤسسي في السودان مصدر قلق مباشرا، ليس فقط من زاوية تسلل الأفراد، بل من زاوية تشكل شبكات عابرة للحدود تشمل تهريب السلاح، الإتجار بالبشر، ومرور الجماعات المسلحة. وتجربة العقد الماضي في ليبيا شكّلت مرآة تحذيرية لصانع القرار المصري. فالفوضى الممتدة في الغرب الليبي انعكست عبر تدفقات سلاح ومقاتلين. ومن ثم فإن القاهرة تنظر إلى السودان عبر عدسة منع نشوء فراغ أمني جنوبي يضيف جبهة استنزاف جديدة إلى بيئة أمنية معقدة أصلا.

أ ف ب
رئيس المجلس السيادي السوداني عبد الفتاح البرهان اثناء اطلاق مبادرة لدعم عائلات ضحايا الحرب في بورتسودان في 26 ابريل

أمن حوض النيل، حيث يشكل السودان حلقة مركزية في معادلة تقاسم المياه، في ظل النزاع القائم حول سد النهضة الإثيوبي. فالسودان يشكل دولة الممر الأطول للنيل ويضم ملتقى النيلين: النيل الأزرق- النابع من إثيوبيا والذي يرفد مصر بنحو 55–60 في المئة من حصتها المائية– والنيل الأبيض في الخرطوم. ولذلك فإن السودان يمثل، عمليا، الطرف المرجح في أي تفاوض حول مياه النيل مع إثيوبيا. إضافة إلى ذلك، فإن الفوضى داخل السودان قد تهدد أمن البنية التحتية المائية ذاتها من سدود ومنشآت تنظيمية- وقد قصفت ميليشيا "الدعم السريع" بالفعل سد مروي وهو الأكبر في مجرى النيل في السودان خلال العام الماضي عدة مرات، ما يعيد تعريف النزاع بالنسبة لمصر كونه يشكل خطرا ماديا مباشرا على منظومة تدفق واستقرار المياه.

يشكل السودان حلقة مركزية في معادلة تقاسم المياه، في ظل النزاع القائم حول سد النهضة الإثيوبي

العمق الاستراتيجي المرتبط بالتداخل السكاني والثقافي والتاريخي الممتد منذ ما قبل الاستقلال.

أما بالنسبة للسعودية، فالسودان يشكل عنصرا حاسما في معادلة أمن البحر الأحمر، الذي تحوّل خلال العقد الأخير من مسرح ثانوي إلى محور استراتيجي أول. يمتد الساحل السعودي على البحر الأحمر لنحو 1,760 كيلومترا، مقابل 853 كيلومترا للسودان على الضفة المقابلة. والمسافة الفاصلة بين الضفتين في بعض القطاعات لا تتجاوز 280–300 كيلومتر، ما يجعل أي اضطراب على الساحل السوداني ذا تأثير مباشر على الحسابات الأمنية السعودية وكذلك سلاسل الإمداد التجارية العالمية. وقد أظهرت أحداث 2023–2025، مع تصاعد الهجمات على السفن في جنوب البحر الأحمر، أن اضطراب الممرات البحرية يرفع كلفة الشحن ويجبر بعض السفن على الالتفاف عبر رأس الرجاء الصالح، بما يخصم من أهمية ميناء جدة ويزيد زمن الرحلة بنحو 10–15 يوما ويضاعف تكاليف التأمين بشكل كبير.

ويشكل البحر الأحمر أيضا مسارا لحركة الحجاج والمعتمرين القادمين من دول القرن الأفريقي. لذلك فاستقرار الضفة المقابلة- أي السودان- ليس مجرد مسألة جيوسياسية، بل عامل مباشر في إدارة حركة بشرية موسمية ضخمة تمثل جزءا من المنظومة الدينية–الاقتصادية للمملكة.

ولم يعد أمن البحر الأحمر ملفا عسكريا محضا، فمشاريع مثل "نيوم"، وميناء الملك عبدالله، وتطوير سواحل تبوك والمدينة المنورة، وممرات الربط اللوجستي البديلة، جعلت من الساحل الغربي محورا تنمويا ضخما للمملكة. وهذا التحول أعاد تعريف الأمن بوصفه شرطا للتنمية. فالساحل الذي يُراد له أن يكون منصة سياحية واستثمارية عالمية لا يمكن أن يكون مجاورا لساحل مضطرب أو واقع تحت سيطرة فاعلين مسلحين غير نظاميين. ومن هنا، فإن استقرار السودان الساحلي يُقرأ في الرياض كعنصر مكمل لاستراتيجية تحويل البحر الأحمر إلى فضاء تنموي آمن، لا إلى ساحة عدم استقرار وتنافس مسلح.

الأعباء المباشرة وغير المباشرة

منذ اندلاع الحرب، دخل السودان في واحدة من أعنف موجات العنف في تاريخه الحديث. تشير تقديرات منظمات دولية حتى مطلع 2026 إلى أن عدد الضحايا المدنيين قد تجاوز عشرات الآلاف، فيما تجاوز عدد النازحين داخليا 8 ملايين شخص، إضافة إلى ما يزيد على 3 ملايين لاجئ عبروا إلى دول الجوار. وقد استضافت مصر العدد الأكبر من السودانيين الفارين من الحرب. وهذا التدفق ترافق مع ضغوط اقتصادية هائلة في ظل أزمة تضخم وديون خارجية تتجاوز مئات المليارات من الدولارات، ما أوجد توترا اجتماعيا وإداريا ظهرت انعكاساته بشكل ملموس.

في المقابل، قادت السعودية بالشراكة مع الولايات المتحدة مسار منبر جدة في مايو/أيار 2023، الذي أفضى إلى إعلان جدة الإنساني، غير أن الاتفاقات انهارت بسبب عدم التزام ميليشيا "الدعم السريع" بشرط إخلاء المرافق المدنية.

ومثّل سقوط مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، في يد ميليشيا "الدعم السريع" في أكتوبر/تشرين الأول 2025 بعد حصار دام نحو 18 شهرا، مثّل تحولا استراتيجياً في مسار الحرب. فقد أتاح هذا التطور لميليشيا "الدعم السريع" بسط سيطرة شبه كاملة على إقليم دارفور، وهو إقليم يمتد على مساحة تقارب 493 ألف كيلومتر مربع، ويجاور ليبيا وتشاد وأفريقيا الوسطى.

مثّل سقوط مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، في يد ميليشيا "الدعم السريع" في أكتوبر 2025 بعد حصار دام نحو 18 شهرا، مثّل تحولا استراتيجياً في مسار الحرب

وأضحت الجماعات المسلحة غير النظامية تسيطر على طريق بري مباشر يمتد من ميناء بنغازي على شواطئ المتوسط في ليبيا وحتى نيالا السودانية في وسط أفريقيا. وقد رافقت السيطرة على المدينة تقارير أممية عن ارتكاب انتهاكات جسيمة، وفظائع أثارت حفيظة العالم، بينها عمليات قتل جماعي واختفاء قسري، شملت عشرات الآلاف من القتلى والمفقودين خلال المعارك والحصار. وهذا التحول لم يكن مجرد تطور عسكري، بل أعاد فتح سيناريو التقسيم الفعلي، عبر نشوء مناطق نفوذ منفصلة بين غرب البلاد ووسطها وشرقها. وهو ما يتناقض مع عقيدة الاستقرار السعودية-المصرية والتي تقوم على أولوية الحفاظ على وحدة الدول فالتقسيم ينتج حدودا جديدة غير مستقرة وفاعلين غير قابلين للضبط. وقد فاقم من خطورة ذلك إعلان الكيان الموازي لحكومة الميليشيا الذي دفعت إليه جهات إقليمية داعمة بشكل زاد من حفيظة الرياض والقاهرة. جغرافياً، أدى هذا التحول إلى إعادة تنشيط مسارات تهريب تمتد من جنوب ليبيا عبر الكفرة إلى دارفور، ومنها إلى العمق السوداني، في شبكة تشمل تجارة السلاح والذهب والبشر. وتُقدّر قيمة صادرات الذهب السوداني غير الرسمية بمليارات الدولارات سنويا، تغذي اقتصاد حرب وفوضى لا يمكن السيطرة عليه.

الرياض وواشنطن وإعادة شرح الأزمة

لقد جاءت زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى واشنطن نقطة تحول حاسمة في مسار الأحداث ولترتيب الأولويات الجيوسياسية، وهو ما عكس تحوّلا نوعيا في المقاربة السعودية من إدارة الأزمة إلى استدعاء ثقل واشنطن السياسي على أعلى مستوى متمثلا في رئيسها دونالد ترمب.

وقد جاءت استجابة البيت الأبيض الفورية بإعلان السودان أولوية على لسان ترمب والبدء في الضغط لإيقاف التدخلات الخارجية وتدفق السلاح والعتاد والمرتزقة لصالح الميليشيا. وهو الأمر الذي لم يمر بهدوء على الجهات الإقليمية التي تدعم ميليشيا "الدعم السريع" والتي لعبت دورا أساسيا في استمرارية الحرب في السودان وتمكين انتهاكات ميليشيا "الدعم السريع" عبر توفير دعم لوجستي وعسكري، بما في ذلك تكنولوجيا الطائرات المسيّرة، وشبكات تمويل مرتبطة بتجارة الذهب واستئجار المرتزقة.

أ.ف.ب
مقاتلون من قوات الدعم السريع يحملون أسلحة ويحتفلون في شوارع الفاشر بدارفور السودانية، في 26 أكتوبر 2025

ويتزامن استمرار الحرب في السودان مع تصعيد ناري في ملفات ذات حساسية استراتيجية عالية، في كل اليمن- عبر إشعال فتيل المطالبة بانفصال الجنوب- والصومال التي تم استدعاء الدور الإسرائيلي فيها عبر اعتراف تل أبيب بما يُسمى "أرض الصومال" كجمهورية مستقلة. وكلتا الدولتين (اليمن والصومال) لهما ـهمية مشابهة للسودان بالنسبة للمملكة السعودية والدولة المصرية سواء على صعيد الجغرافيا والتداخل البشري والقرب المباشر وديناميكيات البحر الأحمر.

السودان ليس ملفا معزولا، بل عقدة في شبكة نفوذ إقليمية متداخلة

الرسالة كانت واضحة: السودان ليس ملفا معزولا، بل عقدة في شبكة نفوذ إقليمية متداخلة. غير أن هذا التصعيد المتقاطع أنتج أثرا عكسيا جزئيا، إذ دفع الرياض والقاهرة إلى تنسيق أوثق في مسار موازٍ يستهدف خطوط الإمداد العسكري، لوقف تدفقات السلاح المتجهة من شرق ليبيا إلى "قوات الدعم السريع" عبر مطار الكفرة والممرات الصحراوية. هذا التحرك كشف إدراكا مصريا–سعوديا لحقيقة أن الحرب في السودان لم تعد محصورة جغرافياً، بل تعتمد استمراريتها على دور وإمداد لوجستي عابر للحدود، وكشف عن توجه الدولتين لاستخدام نفوذهما الإقليمي بشكل صريح وأكثر مباشرة لوقف التدخل الأجنبي الداعم لاستمرارية الحرب في السودان.

إن التنافس الجاري حول السودان لا يمكن قراءته بوصفه مجرد خلاف تكتيكي، بل هو انعكاس لخلاف أعمق في النظام الإقليمي: بين مقاربة ترى في الدولة الوطنية إطارا لا غنى عنه للاستقرار، وأخرى ترى في الفاعلين غير الحكوميين أدوات لإعادة توزيع النفوذ.

وبين هاتين المقاربتين، يقف السودان- بحدوده الممتدة على مسافة أكثر من 6,700 كيلومتر مع سبع دول، وساحله المطل على أحد أهم الممرات البحرية في العالم- بوصفه عقدة جيوسياسية يتقاطع عندها أمن البحر الأحمر، ومستقبل حوض النيل، وتوازنات الخليج العربي، ومصير الدولة الوطنية في القرن الأفريقي.

font change