الجيش السوداني يفكّ حصار الدلنج... انتصار معنوي قد يمهد لتقدم عسكري أوسع

يحدّ من قدرة "الدعم السريع" على استخدام جنوب كردفان في الحرب الدائرة

أ.ف.ب
أ.ف.ب
احتفال القوات المسلحة السودانية بيوم الجيش في ولاية القضارف شرقي السودان، قرب الحدود مع إثيوبيا، في 14 أغسطس 2023

الجيش السوداني يفكّ حصار الدلنج... انتصار معنوي قد يمهد لتقدم عسكري أوسع

في 26 يناير/كانون الثاني 2026، أعلنت القوات المسلحة السودانية عن نجاحها في فك الحصار الذي فرضته "قوات الدعم السريع" على مدينة الدلنج في ولاية جنوب كردفان، وذلك عقب دحر هجوم واسع شنتْه ميليشيا "قوات الدعم السريع" على منطقة هِبَيلة الاستراتيجية، وتأمين السيطرة عليها، ثم التقدم لفتح الطريق وفك حصار مدينة الدلنج، الذي استمر قرابة العامين. يُعيد هذا التطور للجيش هامش المناورة العملياتية في المحور الغربي، ويحدّ من قدرة ميليشيا "الدعم السريع" على استخدام جنوب كردفان كمنطقة ارتكاز للضغط على الأبيض، عاصمة شمال كردفان.

عسكريا، يمثل فك الحصار عن الدلنج انتصارا معنويا وعمليا للجيش السوداني، حيث يعزز سيطرته على خطوط الإمداد الرئيسة في جنوب كردفان، ويمنع "قوات الدعم السريع" من توسيع نفوذها نحو الأبيض، عاصمة شمال كردفان. كما يعكس تحسنا في قدرات الجيش، الذي كان قد فقد سيطرته على معظم دارفور، بما في ذلك الفاشر في أكتوبر/تشرين الأول 2025.

سياسيا، قد يعزز هذا التطور من قبول الحكومة السودانية لمقترح الهدنة الإنسانية، والذي تضمن للمرة الأولى انسحاب ميليشيا "الدعم السريع" من المناطق المدنية التي تحتلها، باعتبار أن وجودها هو المهدد الأكبر للوضع الإنساني وللمدنيين. وهذا التقدم العسكري يحسّن من فرص قبول هذا العرض، خصوصا بعد عودة الحكومة إلى ممارسة أعمالها بشكل طبيعي من العاصمة الخرطوم.

وبينما يُعدُّ هذا التطور خطوة مهمة نحو تعزيز الموقف الاستراتيجي للحكومة، فهو أيضا يحمل بشائر بانفراج كبير في الأوضاع الإنسانية وتخفيف حدّة الأزمة المعيشية التي فرضها حصار "الدعم السريع" على المواطنين في المنطقة.

التراث السياسي لمدينة الدلنج

استمدّت المدينة اسمها من قبيلة الدلنج، إحدى فروع قبائل النوبة الثمانين، وهي اليوم ثاني أكبر مدن ولاية جنوب كردفان بعد عاصمتها كادوقلي. وتقع الدلنج في موقع جغرافي متوسط تقريبا بين كادوقلي، التي تبعد عنها نحو 115 كيلومترا إلى الجنوب، ومدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، التي تقع على مسافة تقارب 160 كيلومترا شمالا. نشأت الدلنج في منتصف القرن التاسع عشر، وسكنها خليط من قبائل النوبة، خاصة الدلنج وأَركو، ثم استقر حولها لاحقا عدد من القبائل العربية، وفي مقدمتها الحوازمة والمسيرية. ومع تزايد التفاعل بين هذه المكونات، تطورت المنطقة تدريجيا إلى سوق موسمية كبيرة، شكّلت فضاء لتبادل السلع والمقايضة بين المجتمعات المستقرة والرُّحَّل، ورسَّخت دور المدينة كمركز اقتصادي محلي حيوي.

وللدلنج أيضا حضور مبكر في تاريخ المقاومة الوطنية ضد الاستعمار الأجنبي، إذ كانت نقطة انطلاق لواحد من فصولها البارزة حين قاد السلطان عجبنا حركة مقاومة امتدت من 1914 حتى 1918، قبل أن تتمكن سلطات الاستعمار الأجنبي بقيادة بريطانيا من اعتقاله وإعدامه. وبرزت في تلك الفترة شخصية الأميرة مَنْدي ابنة السلطان عجبنا كمقاتلة وشخصية مؤثرة، خلدتها الذاكرة الشعبية، إذ شاركت في المعارك إلى جانب والدها في ظروف شديدة الخطورة، حتى إنها حملت بندقيتها وهي تحمل طفلها لتعزيز صفوف الثوار في لحظات الحصار، لتبقى المدينة إحدى محطات الفعل الوطني الباسل في الذاكرة السودانية.

للدلنج حضور مبكر في تاريخ المقاومة الوطنية ضد الاستعمار الأجنبي، إذ كانت نقطة انطلاق لواحد من فصولها البارزة حين قاد السلطان عجبنا حركة مقاومة امتدت من 1914 حتى 1918

منذ اندلاع الحرب الحالية في السودان في أبريل/نيسان 2023، وتمدد جبهة القتال إلى ولاية جنوب كردفان في يونيو/حزيران 2023، شنت ميليشيا "الدعم السريع" هجمات متعددة على مدينة الدلنج. وبعد إعلان التحالف السياسي والعسكري بين ميليشيا "الدعم السريع" وقوات "الحركة الشعبية لتحرير السودان-قيادة الحلو" (والتي تتمركز قواتها في منطقة كاودا، جنوب كردفان، على بعد 116 كيلومترا من الدلنج)، زادت وتيرة الأعمال العسكرية في الولاية، وشهد عام 2025 حصارا طويلا على الدلنج والمناطق المحيطة بها، أدى إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية، ونقص في المواد الغذائية، وانعدام شبه كامل للأدوية والمستلزمات الصحية، وتزايد معدلات النزوح من الولاية، وهو ما تصاعد بشكل ملحوظ في الأشهر الأخيرة، حيث قدَّرت "منظمة الهجرة الدولية" نزوح نحو 64,890 شخصا من إقليم كردفان خلال الفترة من أواخر أكتوبر/تشرين الأول إلى نهاية ديسمبر/كانون الأول 2025، وهو ما يعكس تزايد حدّة وسوء الأوضاع الإنسانية خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة الماضية، ويُبرز القيمة الكبيرة لانتصار الجيش الحكومي في فك حصار الدلنج وفتح الطريق أمام الإمدادات والمؤن. كما أفادت تقارير عسكرية بأن الجيش أجرى عمليات تمشيط في مناطق مجاورة مثل كَرْتَالا وكَلُوجي والتِّيل، مما أدى إلى تراجع "قوات الدعم السريع" وفقدانها لعدة مركبات قتالية، وهو ما يزيد من درجة الأمن في المنطقة ويفتح الطريق لعودة العمليات الإنسانية التي تحتاجها مجتمعات المنطقة بشكل عاجل.

أ.ف.ب
تجمّع جنود سودانيون بعد إتمام دورات تدريبية، بهدف دعم الجيش النظامي السوداني في منطقة أمبادة غرب أم درمان، في 15 ديسمبر 2025، بالعاصمة الخرطوم

عودة الحياة تدريجيا

كانت الفرحة الممتزجة بدموع النصر هي الأبرز في مشهد فك حصار الدلنج، فما إن ظهرت بوادر الجنود المتقدمين إلى المدينة، حتى تحولت شوارع الدلنج إلى ساحة من المشاعر المختلطة. خرج الآلاف من المواطنين، الذين أضناهم الجوع وأرهقهم القلق، لاستقبال القوات المسلحة بالزغاريد والهتافات الوطنية. وفي مشهد استعاد الذاكرة الجمعية للمدينة، تناقلت وسائل التواصل الاجتماعي صورا لمواطنين يقتسمون ما تبقى لديهم من قليل الزاد مع جنود الجيش السوداني، في تعبير عفوي عن الامتنان، بينما بدأت ملامح الحياة تعود تدريجيا إلى الأسواق المحلية، وسط ترقب مشوب بالأمل لوصول أولى قوافل الإغاثة والمستلزمات الطبية التي توقفت لشهور طويلة. بالنسبة لأهالي الدلنج، لم يكن فتح الطريق مجرد نصرٍ عسكري، بل كان استعادة للكرامة وحقا أساسيا في الحياة والأمان سُلِب منهم قسرا.

التحدي الأكبر الآن هو تأمين تدفق المساعدات وإغاثة الناس، فكسر الطوق العسكري هو مجرد خطوة أولى تحتاج إلى أن تُترجم في خطوات إنسانية ملموسة

يبقى التحدي الأكبر الآن هو تأمين تدفق المساعدات وإغاثة الناس، فكسر الطوق العسكري هو مجرد خطوة أولى تحتاج إلى أن تُترجم في خطوات إنسانية ملموسة. وهنا، يبرز الدور المحوري للمنظمات الأممية التي باتت اليوم أمام اختبار حقيقي للمصداقية والسرعة؛ إذ يتعين عليها التحرك العاجل لترجمة هذا الانفراج الميداني إلى واقع ملموس، عبر تسيير قوافل إغاثية ضخمة تسابق الزمن لسد الفجوة الغذائية الحادة وتوفير المستلزمات الطبية الطارئة للمستشفيات التي أُنهكت. إن المجتمع الدولي مطالب اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بتفعيل دوره الإنساني المشلول في السودان، فإعادة الحياة إلى الدلنج لا تتوقف عند فتح الطرق، بل تبدأ بضمان أن لا يبيت طفل فيها جائعا أو مريضا من غير دواء بعد اليوم، من أجل أن يتحول هذا النصر العسكري إلى استقرار معيشي ينهي فصول المعاناة التي طالت.

font change

مقالات ذات صلة