بين مقابر الجنينة ومجازر الفاشر... "الجنائية الدولية" تضع العالم أمام مرآة الفشل في السودان

1000 يوم من الجحيم

أ.ف.ب
أ.ف.ب
امرأة سودانية تملأ زجاجات المياه التي يحملها صبي صغير على بعد حوالي 60 كيلومترًا شمال الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، في 9 فبراير 2017

بين مقابر الجنينة ومجازر الفاشر... "الجنائية الدولية" تضع العالم أمام مرآة الفشل في السودان

بعد مرور أكثر من ألف يوم على اندلاع الحرب التي مزقت أوصال السودان، عاد ملف العدالة الغائب ليتصدر المشهد في أروقة الأمم المتحدة بنيويورك. في جلسة مشحونة عقدها مجلس الأمن الدولي يوم الاثنين 19 يناير/كانون الثاني 2026، قدم مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية (ICC) إحاطة قاتمة ومفصلة، لم تكتفِ بسرد الفظائع، بل رسمت مشهدا جنائيا مفصلا لما وصفته بالاستنساخ المنهجي للجرائم من غرب دارفور إلى شمالها.

الإحاطة التي قدمتها نزهت شاميم خان، نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، نيابة عن المدعي العام كريم خان، جاءت بمثابة لائحة اتهام مفتوحة ضد قادة ميليشيا "قوات الدعم السريع"، مؤكدة أن ما حدث في الفاشر في الربع الأخير من عام2025 ليس مجرد أضرار جانبية للحرب، بل هو تكرار كربوني للمجازر التي شهدتها الجنينة في بدايات الصراع.

ماذا قال المحققون لمجلس الأمن؟

لم يكن تقرير "الجنائية الدولية" مجرد تحديث روتيني، بل حمل في طياته تحولاً نوعياً في لغة المحكمة وأدلتها، مرتكزاً على تحقيقات مكثفة شملت أدلة رقمية، صور أقمار صناعية، وشهادات حية من الناجين. ويمكن تلخيص أبرز محاور التقرير في النقاط التالية:

1- الفاشر: مسرح الجريمة الجديد

ركزت نائبة المدعي العام بشكل أساسي على الأحداث التي تلت سقوط مدينة الفاشر (عاصمة شمال دارفور) والحصار الذي امتد لأكثر من 18 شهراً، انتهى بسقوط المدينة في أكتوبر/تشرين الأول 2025. التقرير أكد أن مكتب المدعي العام يمتلك الآن أسباباً معقولة للاعتقاد بأن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية قد ارتُكبت بواسطة ميليشيا "الدعم السريع" هناك.

العبارة الأخطر في الإحاطة كانت: الفظائع تتكرر من مدينة إلى أخرى. حيث أوضحت خان أن الأنماط الإجرامية التي وثقتها المحكمة في الجنينة (غرب دارفور) عام2023 - والتي شملت استهدافاً عرقياً لقبيلة المساليت- قد تم استنساخها في الفاشر ضد المجتمعات غير العربية (مثل الزغاوة والفور).

2- مقابر جماعية واحتفالات مصورة

كشف التقرير عن أدلة مروعة تم جمعها من مقاطع فيديو صورها الجناة أنفسهم. أشارت نائبة المدعي العام إلى لقطات فيديو موثقة تُظهر مقاتلي ميليشيا "الدعم السريع" وهم يحتفلون بتنفيذ إعدامات ميدانية ويقومون بالتمثيل بجثث الضحايا.

الأكثر رعباً هو توثيق المحكمة محاولات منهجية لإخفاء هذه الجرائم عبر إنشاء مقابر جماعية، في محاولة لطمس الأدلة قبل وصول أي لجان تحقيق دولية، وهو سلوك يعكس تطوراً في العقلية الإجرامية للجناة ومحاولة لتجنب المساءلة المستقبلية

الأكثر رعباً هو توثيق المحكمة محاولات منهجية لإخفاء هذه الجرائم عبر إنشاء مقابر جماعية، في محاولة لطمس الأدلة قبل وصول أي لجان تحقيق دولية، وهو سلوك يعكس تطوراً في العقلية الإجرامية للجناة ومحاولة لتجنب المساءلة المستقبلية.

3- العنف الجنسي كسلاح هيمنة

كما في التقارير السابقة، احتل العنف الجنسي حيزاً كبيراً من إحاطة المحكمة الدولية لمجلس الأمن. المحكمة أكدت أن الاغتصاب لم يكن سلوكاً فردياً لجنود منفلتين، بل استُخدم كسلاح حرب لكسر إرادة المجتمعات المحلية، وإجبار السكان على النزوح، وتغيير الديموغرافيا في المناطق التي تسيطر عليها "قوات الدعم السريع".

4- أوامر قبض وشيكة

فيما يُعتبر التطور الأبرز قانونياً، ألمحت الإحاطة إلى أن المكتب يتخذ "الخطوات النهائية" لتقديم طلبات للمحكمة لاستصدار أوامر قبض جديدة. ورغم أن التقرير لم يسمِّ الأشخاص الذين يعتزم مكتب المدعي العام للمحكمة طلب إلقاء القبض عليهم علناً للحفاظ على سرية التحقيقات، فإن السياق يشير بوضوح إلى قادة ميدانيين وسياسيين من الصف الأول لميليشيا "الدعم السريع" متورطين في حملات دارفور الأخيرة.

أ ف ب
امرأة سودانية تحمل لافتة كُتب عليها باللغة العربية "#أنقذوا_الفاشر" خلال احتجاج منظم ضد انتهاكات قوات "الدعم السريع" بحق أهالي الفاشر، في مدينة القضارف شرقي السودان، في 6 نوفمبر 2025

سياق الصراع

يأتي التقرير في وقت باتت فيه "قوات الدعم السريع" تسيطر على أجزاء واسعة من إقليم دارفور، مما يجعل الوصول إلى الضحايا أو مسارح الجريمة شبه مستحيل للمحققين الدوليين. هذا الاعتماد الكبير على التحقيق عن بعد (عبر التكنولوجيا والشهود في دول الجوار مثل تشاد)، يطرح تحديات كبيرة أمام دقة التوثيق، لكن المحكمة أكدت اليوم أنها تجاوزت هذه العقبة عبر أدلة بصرية وسمعية دامغة، منها مقاطع فيديو صورها وبثها الجناة بأنفسهم لتوثيق جرائمهم.

خطر توسع نطاق الفظائع الفادحة: حذر مراقبون ومسؤولون أمميون (مثل فولكر تورك) بالتزامن مع التقرير، من أن سيناريو دارفور يهدد بالانتقال إلى مناطق أخرى مثل جنوب كردفان (كادوقلي)، مما يعني أن الصمت الدولي على جرائم الفاشر قد يكون ضوءاً أخضر لمجازر جديدة في مناطق أخرى.

الرسالة الأهم التي وجهتها نائبة المدعي العام اليوم هي أن الإفلات من العقاب يولد العنف

كما يتقاطع تقرير المحكمة مع مشهد إقليمي شديد السيولة والتغير بشكل لم يعد يشبه ما كان عليه في بداية الحرب. تحول السودان من أزمة داخلية إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية، مما يفرض ضغوطاً هائلة على دول الجوار التي يعتمد عليها مكتب المدعي العام "لوجستياً" للوصول إلى الشهود.

وتظهر تشاد في هذا المشهد كحجر زاوية هش، فهي الحلقة الأضعف والأهم في آن واحد، إذ تستضيف المعسكرات التي تمثل "خزان الأدلة" للمحكمة الجنائية الدولية، لكن نظامها السياسي يواجه ضغوطاً وجودية نتيجة التداخل القبلي (خاصة مكون الزغاوة المنتشر عبر الحدود السودانية التشادية) بين حكام إنجمينا الذين يساندون ميليشيا "الدعم السريع" والمجتمعات المحلية في دارفور والتي ترتكب الميليشيا ضدهم أبشع الانتهاكات. هذا الوضع يجعل التعاون التشادي مع المحكمة مرهوناً بحسابات داخلية وخارجية معقدة.

هل من جدوى لهذه التقارير؟

هذا التقرير هو توثيق للتاريخ لا للمحاكمة الفورية: في ظل غياب قوة شرطية تابعة للمحكمة، وعدم رغبة الدول الكبرى في التدخل العسكري لتنفيذ الاعتقالات، تظل أوامر القبض (الحالية والمستقبلية) رمزية في المدى القصير. لكن قيمتها تكمن في أنها تجعل من قادة الحرب "منبوذين دولياً"، تحاصرهم المخاطر القانونية أينما سافروا، وتضيق عليهم الخناق الدبلوماسي.

أ.ب
المنطقة المحيطة بمقر الفرقة السادسة للجيش السوداني في الفاشر، السودان، في 26 أكتوبر 2025


لقد حسم التقرير الجدل حول ما حدث في الفاشر. لم يعد بالإمكان وصف الأمر بأنه "فوضى قبلية" أو "اشتباكات عشوائية"، لقد وصفت المحكمة الأمر بوضوح: جرائم حرب منظمة. هذا التكييف القانوني سيصعّب على أي جهة إقليمية الاستمرار في دعم الأطراف المتورطة علناً دون التعرض لضغوط قانونية وأخلاقية.

السباق مع الزمن

الرسالة الأهم التي وجهتها نائبة المدعي العام اليوم هي أن الإفلات من العقاب يولد العنف. وعدم محاسبة مرتكبي "جرائم 2003" هو ما أنتج حرب2023 . وإذا فشل العالم اليوم في محاسبة قتلة الفاشر، فإننا سنكون على موعد حتمي مع مجازر جديدة في مدن سودانية أخرى في هذه السنة وما بعدها.

إن تقرير مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية الذي تم تقديمه لمجلس الأمن في 19 يناير/كانون الثاني2026 ، يمثل وثيقة قانونية دامغة، صاغتها دماء الضحايا في الفاشر والجنينة. ورغم أن الطريق إلى قفص الاتهام في لاهاي لا يزال طويلاً ومليئاً بالألغام السياسية، فإن ما حدث في مجلس الأمن أعاد التأكيد على حقيقة واحدة: الجرائم في السودان لن تسقط بالتقادم، وعيون العدالة الدولية- وإن كانت بطيئة الحركة- لا تزال مفتوحة.

font change

مقالات ذات صلة