بعد مرور أكثر من ألف يوم على اندلاع الحرب التي مزقت أوصال السودان، عاد ملف العدالة الغائب ليتصدر المشهد في أروقة الأمم المتحدة بنيويورك. في جلسة مشحونة عقدها مجلس الأمن الدولي يوم الاثنين 19 يناير/كانون الثاني 2026، قدم مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية (ICC) إحاطة قاتمة ومفصلة، لم تكتفِ بسرد الفظائع، بل رسمت مشهدا جنائيا مفصلا لما وصفته بالاستنساخ المنهجي للجرائم من غرب دارفور إلى شمالها.
الإحاطة التي قدمتها نزهت شاميم خان، نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، نيابة عن المدعي العام كريم خان، جاءت بمثابة لائحة اتهام مفتوحة ضد قادة ميليشيا "قوات الدعم السريع"، مؤكدة أن ما حدث في الفاشر في الربع الأخير من عام2025 ليس مجرد أضرار جانبية للحرب، بل هو تكرار كربوني للمجازر التي شهدتها الجنينة في بدايات الصراع.
ماذا قال المحققون لمجلس الأمن؟
لم يكن تقرير "الجنائية الدولية" مجرد تحديث روتيني، بل حمل في طياته تحولاً نوعياً في لغة المحكمة وأدلتها، مرتكزاً على تحقيقات مكثفة شملت أدلة رقمية، صور أقمار صناعية، وشهادات حية من الناجين. ويمكن تلخيص أبرز محاور التقرير في النقاط التالية:
1- الفاشر: مسرح الجريمة الجديد
ركزت نائبة المدعي العام بشكل أساسي على الأحداث التي تلت سقوط مدينة الفاشر (عاصمة شمال دارفور) والحصار الذي امتد لأكثر من 18 شهراً، انتهى بسقوط المدينة في أكتوبر/تشرين الأول 2025. التقرير أكد أن مكتب المدعي العام يمتلك الآن أسباباً معقولة للاعتقاد بأن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية قد ارتُكبت بواسطة ميليشيا "الدعم السريع" هناك.
العبارة الأخطر في الإحاطة كانت: الفظائع تتكرر من مدينة إلى أخرى. حيث أوضحت خان أن الأنماط الإجرامية التي وثقتها المحكمة في الجنينة (غرب دارفور) عام2023 - والتي شملت استهدافاً عرقياً لقبيلة المساليت- قد تم استنساخها في الفاشر ضد المجتمعات غير العربية (مثل الزغاوة والفور).
2- مقابر جماعية واحتفالات مصورة
كشف التقرير عن أدلة مروعة تم جمعها من مقاطع فيديو صورها الجناة أنفسهم. أشارت نائبة المدعي العام إلى لقطات فيديو موثقة تُظهر مقاتلي ميليشيا "الدعم السريع" وهم يحتفلون بتنفيذ إعدامات ميدانية ويقومون بالتمثيل بجثث الضحايا.

