كشفت الحرب على غزة، والمواجهة مع إيران، والاعتداءات الإيرانية على دول الخليج العربي بما في ذلك على البنية التحتية للنفط والغاز، أن إسرائيل وإيران أصبحتا التهديدين الأبرز لأمن العرب، وأن واشنطن لم تعد درعا يمكن التعويل عليها. ومن ثم، لم يعد أمام العرب سوى بناء استقلالية استراتيجية.
أولا: لحظة الحساب
ارتكز أمن العرب طوال عقود إلى افتراض واحد، هو أن الولايات المتحدة تتكفل بحماية حلفائها في الشرق الأوسط مقابل ضمان تدفق الطاقة، وإتاحة التمركز العسكري، والالتزام بخيارات استراتيجية تنسجم مع أولويات واشنطن. لكن هذا الافتراض لم يعد يترنح فحسب، بل تغير تحت وقع التحولات الأخيرة. فقد كشفت الحرب على غزة، والمواجهة العسكرية المباشرة بين إسرائيل وإيران، وامتداد الحرب إلى دول مجلس التعاون الخليجي، أن الركون إلى دعم الآخرين لم يعد رهانا آمنا، بل غدا بابا على خطر مباشر.
وشكلت الضربات الإيرانية على منشآت النفط والغاز في الخليج تصعيدا خطيرا هدد الأسس الاقتصادية لدول مجلس التعاون الخليجي، وألقى بظلاله على أمن الطاقة العالمي. ولما عجزت طهران عن مضاهاة القوة العسكرية التقليدية المحتشدة في مواجهتها، اتجهت إلى استنزاف غير متماثل يرفع كلفة الصراع إلى مستويات يصعب على حكومات الخليج وداعميها الدوليين تحملها. وبذلك، لم يعد العالم العربي يواجه شبح حرب مقبلة، بل بات يعيش حربا قائمة بالفعل.
ولم تعد المنظومة الأمنية الراهنة، القائمة على المظلة الأميركية، وصفقات السلاح الثنائية، وارتباط القرار الاستراتيجي العربي بإرادات خارجية، قادرة على احتواء هذه المرحلة. وأصبحت الحاجة ملحة إلى بناء هندسة أمنية جديدة، تنهض على قدرة عربية جماعية، واستراتيجية مستقلة فعلية، ونواة مصرية سعودية قادرة على إرساء إطار إقليمي أوسع تفرضه تحولات المرحلة.
ثانيا: إعادة ترتيب مصفوفة التهديدات
تعامل الخطاب الأمني العربي، في معظم حقبة ما بعد الحرب الباردة، مع إيران على أنها التهديد الأول لاستقرار الخليج، في حين أخذ البعض التعامل مع إسرائيل، على نحو متزايد، بوصفها شريكا بحكم الأمر الواقع في مواجهة طهران. وفي هذا السياق، فسرت "اتفاقيات إبراهام" الموقعة عام 2020، ولا سيما في واشنطن، على أنها تمهد لقيام اصطفاف عربي-إسرائيلي في مواجهة إيران. وأفضى هذا التصور إلى تشويش الرؤية الاستراتيجية وإضعاف القدرة على قراءة توازنات المنطقة على نحو سليم.
ورأى أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، أن "اتفاقيات إبراهام" لم تُصغ أساسا كأداة لمواجهة إيران. فقد كان هدفها، على نحو أدق وأكثر استقرارا، ترسيخ العلاقة بين الإمارات وإسرائيل وإدراجها في مسار التطبيع، ضمن شروط تقر بميزان القوة القائم، وتفتح قنوات للتواصل الاقتصادي والتقني والدبلوماسي. ووفق التصور الذي طرحه قرقاش، مثلت هذه الاتفاقيات خيارا برغماتيا في إدارة الدولة، أي إطارا ثنائيا لتنظيم العلاقة، لا عقيدة للأمن الإقليمي. ومن هنا، فإن الخلط بين البعدين، وإضفاء حمولة استراتيجية معادية لإيران على إطار تطبيعي لم يوضع أصلا لهذا الغرض، قاد إلى خطأ ارتكبه بالدرجة الأولى فاعلون خارجيون سعوا إلى تسخير الخيارات العربية لخدمة أهدافهم الاستراتيجية.



