لطالما أغرت فكرة تصفية القيادات قوى خارجية رأت فيها طريقا سريعا إلى إسقاط الأنظمة. فبحسب هذا المنطق، تكفي إزاحة رأس السلطة لتدفع النظام السلطوي إلى التفكك تحت ضغط تناقضاته وصراعاته الداخلية. غير أن هذا الأمر لم يحدث في إيران، حتى الآن على الأقل. فبعد مقتل علي خامنئي في مستهل الحملة الأميركية الإسرائيلية، سارع النظام إلى الدفع بابنه مجتبى إلى الصدارة. ومع ذلك، لم تكن الخلافة نفسها هي التحول الأكثر أهمية، وإنما ما أعقبها من مزيد من تركيز السلطة في يد "الحرس الثوري الإسلامي"، المؤسسة الأكثر استعدادا للعمل في أزمنة الحرب والاضطراب والخوف. وتشير تقارير إلى أن تقديرات الاستخبارات الأميركية ترجح بقاء النظام في المدى المنظور، وإن بدا أضعف وأكثر تشددا، مع تعاظم نفوذ "الحرس الثوري".
ولا يعني ذلك أن مجتبى خامنئي، إذا ما كان على قيد الحياة حقا، شخصية هامشية. فهو مهم من حيث رمزيته بوصفه امتدادا للاستمرارية، ومن حيث كونه من يشغل رسميا السلطة العليا في البلاد. سوى أنه سيحتاج إلى سنوات كي يكتسب الثقل المستقل الذي راكمه والده على امتداد قرابة عقودٍ أربعة. وفوق ذلك، تبقى مكانته الدينية موضع تجاذب وأخذ ورد، فيما لا تزال ملابسات اختياره غامضة، وقد جاء رد جزء من المؤسسة الدينية الشيعية فاترا أو ملتبسا، من دون تأييد صريح وحاسم. وبحسب تقرير لوكالة "رويترز"، يبدو أن صعوده جرى بدفع قوي من "الحرس الثوري"، وأن بعض آيات الله وشخصيات من داخل الدائرة المغلقة أبدوا تحفظات على مبدأ التوريث نفسه وعلى السرعة التي أنجزت بها العملية.
وتتضح أهمية ذلك في أن إيران تدخل الآن مرحلة جديدة لم تعد فيها السلطة الشكلية والسلطة الفعلية شيئا واحدا. فقد يشغل مجتبى المنصب، لكن "الحرس الثوري" هو الذي يمسك، في زمن الحرب، بالأدوات الأشد حسما: القسر، والأمن الداخلي، وشبكات الصواريخ، والطائرات المسيرة، والأصول الاقتصادية الرئيسة، وهيكل القيادة اللازم لإبقاء الدولة واقفة فيما القنابل لا تزال تتساقط. وحتى قبل الحرب، كان "الحرس" قد تحول إلى العمود الفقري للجمهورية الإسلامية. أما الحرب فلم تفعل سوى أنها كشفت ما تبقى من غشاوة. ومن ثم تبدو الجمهورية الإسلامية اليوم أقرب إلى دولة أمنية تتدثر بغطاء ديني منها إلى جمهورية دينية بالمعنى المتعارف عليه. وهنا تأتي دلالة مقتل علي لاريجاني، فهو إن تأكد سيدفع هذا المسار إلى مدى أبعد.


