باكستان بين ترمب وإيران... وساطة الضرورة لا الاختيارhttps://www.majalla.com/node/330266/%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9/%D8%A8%D8%A7%D9%83%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%AA%D8%B1%D9%85%D8%A8-%D9%88%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86-%D9%88%D8%B3%D8%A7%D8%B7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B6%D8%B1%D9%88%D8%B1%D8%A9-%D9%84%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AE%D8%AA%D9%8A%D8%A7%D8%B1
أفادت تقاريرصحافية إسرائيلية بأن ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، وربما نائب الرئيس جيه دي فانس، سيعقدون لقاءً مع مسؤولين إيرانيين في إسلام آباد بهدف التوسط لإنهاء الحرب.
جاء ذلك بالتزامن مع إعلان الرئيس دونالد ترمب، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تعليق الضربات الأميركية على إيران ومنح مسار السلام فرصة جديدة. وفي السياق نفسه، نقلت صحيفة "فايننشيال تايمز" عن مسؤولين مجهولي الهوية أن باكستان وقائد جيشها عاصم منير أجريا اتصالات عدة مع ترمب، بصفتهما قناة وساطة رئيسة بين طهران وواشنطن.
كما أشارت تقارير غير مؤكدة إلى احتمال توجه محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني والمقرب من "المرشد الأعلى" مجتبى خامنئي، إلى إسلام آباد للقاء مسؤولين أميركيين. ورغم أن المشهد لا يزال يلفه كثير من الغموض، ولا سيما في ظل أسلوب ترمب المعتاد في تشويش الرأي العام، فإن دولا عدة بينها باكستان دخلت بالفعل على خط التحرك الدبلوماسي، في محاولة لوقف هذه الحرب. وبينما برزت تركيا وسلطنة عُمان أيضا بوصفهما وجهتين محتملتين للمحادثات، لا تزال طهران تنفي، حتى الآن، وجود أي مفاوضات.
أشارت تقارير غير مؤكدة إلى احتمال توجه محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني والمقرب من "المرشد الأعلى" مجتبى خامنئي، إلى إسلام آباد للقاء مسؤولين أميركيين
رهان الوساطة
أصبح أمر واحد واضحا منذ الصيف الماضي، وهو أن الرئيس ترمب جعل من قائد الجيش الباكستاني الرجل الذي يعتمد عليه في مختلف الأزمات الدولية، ولا سيما في أزمة إيران. وبفضل مكانة عاصم منير المرموقة لدى ترمب، لعب أيضا دور الوسيط لمصلحة واشنطن الصيف الماضي. كما يرتبط منير والجيش الباكستاني باتفاقية دفاعية استراتيجية مع السعودية، وبناء على ذلك عملا طوال الأسبوع الماضي على تهدئة التوترات في الشرق الأوسط قبل أن تضطر دول الخليج إلى التحرك ضد طهران. وخلال وجود منير في المنطقة الأسبوع الماضي، أوفد رئيس جهاز مخابراته إلى طهران، وكل ذلك بالتنسيق المباشر مع الجيش الأميركي عبر القيادة المركزية الأميركية في تامبا، إضافة إلى خط الاتصال المباشر الذي يربط منير بالرئيس ترمب.
لا يمكن التقليل من أهمية العامل السعودي في هذا السياق. فمع التحسن التدريجي الذي شهدته العلاقات بين الرياض وطهران خلال السنوات القليلة الماضية، حصدت إسلام آباد مكاسب مباشرة، إذ كانت في كثير من الأحيان محور اجتماعات ثلاثية ضمت كذلك الصين، الشريك العسكري الأكبر لباكستان، والفاعل الذي ينسق معها بصورة وثيقة في القرارات الاستراتيجية الكبرى.
وإذا كانت بكين قد حافظت حتى الآن على صمت نسبي إزاء الصراع، فإنها لا تملك ترف تجاهل أي تهديد قد يطال استثماراتها العسكرية ومشروعاتها البنيوية في باكستان، ولا سيما إذا أفضى انخراط إسلام آباد في الحرب مع إيران إلى تداعيات أوسع.
يدرك الإيرانيون تمام الإدراك أن دعم قوى فاعلة لباكستان يجعلها لاعبا أكثر استراتيجية في المفاوضات مع الولايات المتحدة مقارنة بتركيا وعُمان. فبينما تظل عُمان أكثر حيادية من باكستان وأكثر مهارة دبلوماسية، ينظر إليها على أنها ليست مؤهلة عسكريا نظرا لافتقارها إلى القوة العسكرية التي تؤهلها لأن تكون طرفا فاعلا حقيقيا على الأرض.
رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، ورئيس أركان الجيش والمشير سيد عاصم منير والرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض في 26 سبتمبر 2025
أما تركيا، فبينما تستضيف عدة قواعد أميركية وقواعد لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، ورغم نفيها الرسمي، فإن طهران تعتبرها، على مدى عقود، جزءا لا يتجزأ من التحالف المناهض لإيران.
ولدى باكستان وإيران نزاع حدودي طويل الأمد حول بلوشستان، إذ يتهم كل طرف الآخر بدعم حركات انفصالية مختلفة. كما تبادلت باكستان وإيران الضربات على الحدود بصورة منتظمة على مدى العقد الماضي، وأطلقتا الصواريخ وقذائف المدفعية وقتلتا جنودا من الطرف الآخر في ست مناسبات على الأقل.
وفي الواقع، إلى جانب الولايات المتحدة وإسرائيل، تعد باكستان الدولة الثالثة الوحيدة التي أطلقت صواريخ ونفذت ضربات داخل الأراضي الإيرانية منذ انتهاء الحرب العراقية-الإيرانية.
ما الذي يمكن أن تحققه المحادثات؟
إذا كان مقررا أن تنطلق هذه المحادثات في إسلام آباد، فإن الرجل الرئيس الذي سيقودها هو قائد "فيلق القدس" الإيراني، العميد إسماعيل قاآني. وقاآني رجل مخضرم في الشأن الباكستاني، ويتحدث عدة لغات، من بينها البشتوية والأردية. فبينما كان سليماني مسؤولا عن "الملف العربي"، قاد قاآني عمليات في أفغانستان وباكستان وجنوب ووسط آسيا لأكثر من عقد. كما تولى قاآني ملف طالبان وملف كشمير نيابة عن "المرشد" علي خامنئي، وأرسل قدامى محاربي "فيلق القدس" سفراء في إسلام آباد، إلى جانب دبلوماسيين رئيسين آخرين خدموا تحت قيادته في "الفيلق"، ليصبحوا مستشارين في كراتشي وكويتا.
وبناء على ذلك، تدرك إيران أيضا أن إسلام آباد هي المدينة الوحيدة التي لا تستطيع إسرائيل قصفها، نظرا إلى النجاح الذي حققته القوات الجوية الباكستانية ضد الهند العام الماضي، إضافة إلى امتلاكها ترسانة نووية هائلة وقوة جوية كبيرة. ولا تستطيع تركيا ولا عُمان ضمان سلامة الدبلوماسيين الإيرانيين.
اسماعيل قاآني قائد "فيلق القدس" في "الحرس" الإيراني (غيتي)
وعلى مدار الأسابيع القليلة الماضية، عملت باكستان خلف الكواليس لضمان عدم توسيع الحرب. وستعتمد الولايات المتحدة على قدرة باكستان على الاضطلاع بدور وسيط عملي، مستفيدة من تجربتها في أفغانستان. وقد خاضت كل من إيران وباكستان حروبا ضد الأخرى، وإن لفترات قصيرة، لذا يعرف الجانبان السيناريو الأسوأ. وليس لدى الإيرانيين ما يخسرونه، لكنهم يدركون ما هو على المحك بالنسبة إلى باكستان.
إذا كان مقررا أن تنطلق هذه المحادثات في إسلام آباد، فإن الرجل الرئيس الذي سيقودها هو قائد "فيلق القدس" الإيراني، العميد إسماعيل قاآني. وقاآني رجل مخضرم في الشأن الباكستاني، ويتحدث عدة لغات، من بينها البشتوية والأردية
وتبدو باكستان الطرف الأكثر خسارة في حال سقوط النظام الإيراني، وهي حقيقة تغيب عن معظم المراقبين الخارجيين. فإلى جانب مشكلة "طالبان" على حدودها في أفغانستان، ووجود حركتين متمردتين على الأقل في بلوشستان، فضلا عن كونها موطنا لأكبر تجمع شيعي خارج إيران، وهو تجمع هدد الحكومة الباكستانية علنا بعواقب وخيمة إذا ساعدت الأميركيين في الإطاحة بطهران، فإن قيام باكستان بدور الوسيط لا يمثل ضرورة وجودية لطهران فحسب، بل لإسلام آباد نفسها أيضا.