باكستان بعد اغتيال خامنئي... قياس ارتدادات الصدع الإقليمي الجديد

غالبا ما يعكس مزاجها الشعبي صدى ردود الفعل في العالم الإسلامي

رويترز
رويترز
أطلق شرطي قنبلة غاز مسيل للدموع لتفريق احتجاج خارج مبنى البرلمان في كراتشي، باكستان، في 1 مارس 2026

باكستان بعد اغتيال خامنئي... قياس ارتدادات الصدع الإقليمي الجديد

أطلق اغتيال "المرشد الأعلى" الإيراني، علي خامنئي، ارتدادات تجاوزت حدود طهران، وأشاع موجات صدمة سياسية عبر جنوب آسيا، دافعا باكستان إلى موقع لم يكن متوقعا في قلب التفاعل الجيوسياسي. وخلال ساعات من انتشار النبأ، اندلعت احتجاجات من مدينة كراتشي الساحلية إلى سكاردو في أقصى الشمال، فكشفت عمق التيارات الأيديولوجية في المجتمع الباكستاني، وأثارت أسئلة ملحة لدى صناع القرار بشأن استقرار الإقليم، وأمن البعثات الدبلوماسية، وحدود التداخل المتنامي بين أزمات الشرق الأوسط وجنوب آسيا.

أثارت صور الحشود التي أحاطت بمنشأة دبلوماسية أميركية كبرى قلقا لدى صناع القرار والمستثمرين، سواء فيما يتعلق بسلامة الموظفين الأجانب أو بقدرة الدولة على صون تماسكها الداخلي

وبدا للمراقبين الدوليين أن حجم المظاهرات وحدّتها يعكسان حقيقة أوسع نطاقا، إذ خرجت تداعيات فراغ القيادة في إيران من نطاقها الجغرافي الضيق، وأخذت تعيد رسم المزاج العام، وحسابات الأمن، ومخاطر العمل الدبلوماسي داخل دولة نووية ترزح تحت ضغوط أمنية داخلية، وتواجه في الوقت ذاته توترا حدوديا قابلا للاشتعال مع أفغانستان.

كراتشي: غضب المدن الكبرى

تحولت كراتشي، العاصمة المالية لباكستان وموطن بعثات أجنبية رئيسة، إلى بؤرة الاضطراب. تجمع محتجون قرب القنصلية الأميركية على طريق ماي كولاشي، ورددوا هتافات مناهضة للغرب، وحاولوا التقدم نحو مناطق دبلوماسية محظورة. وتصاعدت المواجهات مع قوات الأمن، فسقط تسعة متظاهرين قتلى وأصيب آخرون.

تكتسب كراتشي أهميتها من رمزيتها وثقلها الاقتصادي. فهي شريان الاقتصاد الباكستاني ومركز للاستثمارات متعددة الجنسيات، وأي اضطراب فيها يتردد صداه خارج الحدود. وأثارت صور الحشود التي أحاطت بمنشأة دبلوماسية أميركية كبرى قلقا لدى صناع القرار والمستثمرين، سواء فيما يتعلق بسلامة الموظفين الأجانب أو بقدرة الدولة على صون تماسكها الداخلي في لحظات الصدمة الجيوسياسية.

أ.ف.ب
عناصر من الأمن تطلق الغاز المسيل للدموع على مسلمين شيعة هتفوا بشعارات خلال احتجاج أمام القنصلية الأميركية في كراتشي، باكستان في1 مارس 2026

سارعت السلطات إلى نشر قوات الشرطة ووحدات "الرينجرز" شبه العسكرية، وأقامت أطواقا أمنية متعددة، وحولت حركة السير بعيدا عن الشرايين الرئيسة. وأكد مسؤولون أن حماية البعثات الدبلوماسية التزام ثابت بموجب القانون الدولي، حتى في أوقات الغضب الشعبي.

وعكست مقاربة الحكومة سعيا دقيقا إلى تحقيق توازن محسوب، يفسح مجالا محدودا للتعبير العام، ويحول مع ذلك دون أي خرق قد يفضي إلى أزمة دبلوماسية مع واشنطن أو يمس بمصداقية باكستان الدولية.

انتقال الاضطراب إلى الأطراف

استقطبت كراتشي أنظار العالم، غير أن ما شهدته مناطق الشمال كشف مستوى أعمق من الهشاشة. ففي سكاردو، احتشد عشرات الآلاف في الشوارع، وأغلقوا الطرق، وأحرقوا مكتبا تابعا للأمم المتحدة، في تصعيد حاد دفع السلطات الفيدرالية إلى فرض حظر تجول في سكاردو وأجزاء من إقليم جلجت بلتستان سعيا إلى استعادة السيطرة.

جاء القرار من بين أشد الإجراءات الإدارية التي عرفتها المنطقة في السنوات الأخيرة. وعزا مسؤولون هذه الخطوة إلى ضرورة منع امتداد الاضطرابات إلى مناطق جبلية حساسة لا تتمتع هياكل الحكم فيها بقوة كافية ويستطيع حشد واسع تجاوز قدرات أجهزة الأمن المحلية.

تندلع هذه الاضطرابات في لحظة تعاني فيها المؤسسة الأمنية الباكستانية إنهاكا مزمنا

وحملت احتجاجات جلجت بلتستان دلالات دينية ورسائل سياسية متداخلة، وعكست مدى تأثير السرديات العابرة للحدود المرتبطة بإيران في مجتمعات بعيدة جغرافياً عن مراكز القرار. وتمثل الاضطرابات في الأطراف بالنسبة إلى إسلام آباد تحديا أمنيا معقدا، تتقاطع فيه القيود اللوجستية مع الحساسيات الطائفية وقرب الحدود الاستراتيجية، ما يرفع منسوب المخاطر إلى ما يتجاوز نطاق الاضطرابات المحلية.

إسلام آباد على حافة التوتر

امتدت تداعيات الأزمة إلى العاصمة، حيث دعا قادة دينيون شيعة إلى تنظيم مظاهرات خارج السفارة الأميركية في المنطقة الحمراء المحصنة، ما زاد المخاوف من تصعيد جديد. وشددت الأجهزة الأمنية إجراءاتها، فعززت نقاط التفتيش، ووضعت وحدات التدخل السريع في حال استعداد دائم.

أ.ف.ب
تجمعت نساء شيعيات مسلمات وهتفن بشعارات خلال احتجاج أمام القنصلية الأميركية في لاهور في الأول من مارس 2026

ومع تصاعد القلق، أكدت وزارة الخارجية الأميركية أنها تتابع الوضع عن كثب، ودعت المواطنين الأميركيين في باكستان إلى توخي الحذر. وجاء في التحذير الأمني الصادر عن السفارة الأميركية في إسلام آباد:

"نحن نتابع تقارير عن مظاهرات مستمرة قرب القنصليات الأميركية في كراتشي ولاهور، إضافة إلى دعوات لتنظيم احتجاجات أخرى أمام السفارة الأميركية في إسلام آباد والقنصلية في بيشاور. ننصح المواطنين الأميركيين في باكستان بمتابعة الأخبار المحلية، واتباع ممارسات أمنية شخصية مناسبة، بما في ذلك الانتباه إلى محيطهم، وتجنب التجمعات الكبيرة، والتأكد من تحديث تسجيلهم في برنامج تسجيل المسافرين الذكي."

ويعكس هذا التحذير تنامي القلق الدولي من احتمال اتساع رقعة الاحتجاجات جغرافياً، على نحو يضع العمليات الدبلوماسية والإنسانية تحت ضغط متزايد.

الدولة تحت ضغوط متعددة

تندلع هذه الاضطرابات في لحظة تعاني فيها المؤسسة الأمنية الباكستانية إنهاكا مزمنا. ويقول مسؤولون إن البلاد تعمل في أجواء تقترب من زمن الحرب على طول الحدود مع أفغانستان، حيث تواصل جماعات مسلحة شن هجمات، بينما تستنزف التوترات العابرة للحدود تركيز الجيش وموارده.

وأفضى تزامن الأزمات إلى تعقيد حسابات الحكومة وإبطاء قدرتها على المناورة. وحذرت السلطات علنا من أن الاحتجاجات العنيفة التي تطاول البعثات الدبلوماسية قد تصب في مصلحة جهات معادية للدولة تسعى إلى توظيف الاضطراب القائم، في خطاب يدرج الأحداث ضمن سياق تهديد مباشر للأمن الوطني، ويمنحها بعدا يتجاوز كونها تعبيرا سياسيا في الشارع.

تكشف الاحتجاجات عن تحول جيوسياسي أوسع، إذ أخذت باكستان تؤدي دور مقياس حساس لمدى ارتداد أزمات الشرق الأوسط إلى ما وراء نطاقها الجغرافي المباشر

وعلى الرغم من هذه الضغوط، اتخذت حكومة رئيس الوزراء شهباز شريف، بحلول ظهر الأحد، حزمة إجراءات واسعة لاحتواء الموقف. وكثفت السلطات الفيدرالية والإقليمية تنسيقها، وأصدرت تنبيهات أمنية على مستوى البلاد، وعززت انتشار القوات لحماية المناطق الدبلوماسية والمطارات والبنى التحتية الحساسة.

وتقدم هذه التطورات لصناع القرار دليلا واضحا على الكيفية التي تضاعف بها الصدمات الجيوسياسية الخارجية الأعباء الأمنية الداخلية في البيئات الهشة.

تعبئة سياسية وتيارات طائفية كامنة

لا يمكن اختزال فهم رد فعل باكستان على أحداث إيران في إطار السياسة الخارجية وحده. فقد سارعت شبكات دينية إلى تحريك الشارع، وقدمت اغتيال خامنئي بوصفه استهدافا لقيادة إسلامية، في قراءة تتجاوز حدود كونه حدثا سياسيا إيرانيا ذا طابع داخلي.

وفي موازاة ذلك، اقتنص فاعلون سياسيون اللحظة، فدفعوا بالسرديات المناهضة للغرب إلى الواجهة، ووجهوا الغضب الشعبي نحو ساحات الاحتجاج. ويرى محللون أن المشهد الطائفي في باكستان، رغم تعقيده التاريخي وتشابكاته، يميل في أوقات الأزمات الخارجية إلى نوع من التقارب الأيديولوجي العابر، ما يطلق موجات احتجاج واسعة يصعب استشراف مساراتها.

أ.ف.ب
أحرق ناشطون وأنصار حزب الجماعة الإسلامية ملصقا للرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال احتجاجات مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في بيشاور، باكستان في 2 مارس 2026

وتضع هذه الدينامية الحكومة أمام معادلة شديدة الحساسية. فالإفراط في استخدام القوة كفيل بإشعال التوتر، بينما قد يفسح التساهل المجال أمام جماعات مستعدة لاختبار هيبة الدولة أو المساس بمؤسسات دولية.

تداعيات دبلوماسية وإقليمية

شهدت التدابير الأمنية حول المنشآت الدبلوماسية في مختلف أنحاء باكستان تشديدا لافتا، شمل البعثات الأميركية والأوروبية والإقليمية. وحرصت إسلام آباد على توجيه رسائل طمأنة إلى حكومات أجنبية، مؤكدة استمرار التزامها بحماية الدبلوماسيين والوفاء باستحقاقاتها الدولية.

ويحظى استقرار باكستان بأهمية استراتيجية خاصة لدى دول الخليج، بحكم ما يربط الطرفين من علاقات اقتصادية وعسكرية وثيقة، فضلا عن الحدود الطويلة التي تجمعها بإيران. ويضع اغتيال "المرشد الأعلى" الإيراني إسلام آباد في موقع دبلوماسي دقيق، يفرض عليها موازنة علاقاتها الإقليمية بحذر، وتفادي الانجرار إلى صراعات أوسع نطاقا.

ويفاقم إحراق مكتب تابع للأمم المتحدة في سكاردو منسوب القلق، إذ قد يؤدي تصاعد العداء تجاه المؤسسات الدولية إلى تعقيد عمل المنظمات الإنسانية وبرامج التنمية في أنحاء باكستان، ولا سيما في المناطق الأكثر هشاشة.

باكستان بوصفها مقياسا جيوسياسيا

تكشف الاحتجاجات عن تحول جيوسياسي أوسع، إذ أخذت باكستان تؤدي دور مقياس حساس لمدى ارتداد أزمات الشرق الأوسط إلى ما وراء نطاقها الجغرافي المباشر.

وغالبا ما يعكس المزاج الشعبي في باكستان صدى ردود الفعل في العالم الإسلامي، غير أن حجم البلاد وموقعها الاستراتيجي وامتلاكها سلاحا نوويا يمنحان تطوراتها أبعادا عالمية. وأي اضطراب فيها يبعث بإشارات تتجاوز جنوب آسيا، وتمس حسابات الدبلوماسية وثقة المستثمرين وتخطيط الأمن الإقليمي.

تحمل تجربة باكستان لصناع القرار حول العالم رسالة تحذير واضحة مفادها أن الصدمات الجيوسياسية لم تعد تقف عند حدود أقاليمها

ورغم اتساع رقعة الاضطرابات، تمكنت السلطات حتى الآن من منع اقتحام المجمعات الدبلوماسية، وهو عنصر حاسم في صون الثقة الدولية. غير أن الأزمة تبرز هشاشة التوازن الذي يتعين على إسلام آباد الحفاظ عليه، في ظل ضغوط خارجية وداخلية متزامنة.

وتشي المرحلة السياسية الضبابية في إيران واستمرار التوتر بين واشنطن وطهران والتحديات الأمنية التي تثقل كاهل باكستان بأن الاضطرابات مرشحة للاستمرار في المدى القريب. فالضغوط الاقتصادية، والاستقطاب السياسي، والتعبئة الأيديولوجية، عناصر تغذي مناخ التقلب وقد تطيل أمده خلال الأسابيع المقبلة.

وتحمل تجربة باكستان لصناع القرار حول العالم رسالة تحذير واضحة مفادها أن الصدمات الجيوسياسية لم تعد تقف عند حدود أقاليمها. فما يحدث في طهران يستطيع أن يعيد تشكيل المعادلات السياسية في جنوب آسيا بسرعة، وأن ينقل أزمات بعيدة إلى قلب التحديات الأمنية المباشرة.

وتقف باكستان اليوم عند ملتقى هذه التحولات، حيث تتداخل توترات النظام الدولي مع استقرارها الداخلي ومصداقيتها الدبلوماسية. والطريقة التي تدير بها إسلام آباد هذه اللحظة الدقيقة قد تحدد مسارها في الداخل، وتترك أثرها في المشهد الاستراتيجي الأوسع الذي يشد الشرق الأوسط إلى جنوب آسيا في زمن تتسارع فيه الروابط وتتقارب فيه المسافات.

font change

مقالات ذات صلة