كأس العالم 2026... هل بالغت "الفيفا" في الوعود الاقتصادية؟

مليارات على الورق وقلق متصاعد في الفنادق الأميركية مع اقتراب موعد صافرة الإنطلاق

بيت رينولدز
بيت رينولدز

كأس العالم 2026... هل بالغت "الفيفا" في الوعود الاقتصادية؟

مع دخول شهر يونيو/حزيران، تبدأ حمى كرة القدم بالتصاعد تدريجيا مع اقتراب أكبر حدث رياضي في العالم. بعد سنوات من التحضيرات والإستثمارات الضخمة والحملات الترويجية، لم يعد يفصل الجماهير سوى أيام معدودة عن انطلاق كأس العالم 2026، البطولة الكبرى في تاريخ المونديال من حيث عدد المنتخبات والمباريات والدول المستضيفة.

لكن بعيدا من أجواء الملاعب ونجوم اللعبة والتوقعات الفنية، ماذا تخبرنا الأرقام الاقتصادية عشية العاصفة الكروية العالمية؟

روّجت "الفيفا" لكأس العالم 2026 كحدث اقتصادي تاريخي يضخ عشرات المليارات في اقتصاد أميركا الشمالية. إنما، قبل عشرة أيام فقط من صافرة البداية في 11 يونيو/حزيران 2026، بدأت مؤشرات قطاع الضيافة، أحد أبرز القطاعات التي تنشط خلال المونديال، تكشف صورة أقل تفاؤلا بكثير من الوعود الاقتصادية التي رافقت البطولة.

وكشف تقرير "الجمعية الأميركية للفنادق وأماكن الإقامة" (AHLA) الصادر في مايو/أيار 2026 أن نحو 80 في المئة من أصحاب الفنادق في المدن المضيفة يؤكدون أن الحجوزات أقل بكثير من التوقعات، وبعض المدن، مثل كانساس سيتي، تسجل معدلات إشغال أدنى حتى من موسم صيف عادي.

أمضت الفنادق في المدن المستضيفة سنوات من الاستعداد لكأس العالم، وبينما لا تزال هناك حالة حقيقية من الحماسة، فإن البيانات تشير إلى توقعات أكثر تعقيدا مما كان مأمولا

روزانا ماييتا، الرئيسة التنفيذية ورئيسة الجمعية الأميركية للفنادق وأماكن الإقامة

وأفاد التقرير أن ما بين 65 و70 في المئة من المشاركين في مختلف الأسواق قالوا إن قيود التأشيرات والمخاوف الجيوسياسية الأوسع تؤثر بشكل كبير في تراجع الطلب الدولي، إذ جاءت هذه العوامل باستمرار في صدارة القيود التي تحد من السفر المرتبط بكأس العالم.

كما أدى الإفراط في حجز الغرف من قبل "فيفا" إلى ظهور مؤشرات مبكرة مضللة لارتفاع الطلب، قبل أن تعود التقديرات إلى مستويات أكثر واقعية، إذ أفاد نحو نصف المشاركين في المدن المستضيفة بحدوث عمليات إفراج ملحوظة عن حجوزات الغرف. وفي المقابل، فإن عددا محدودا فقط من الأسواق، وتحديدا تلك التي تتمتع بطلب سياحي قوي أساسا أو تستضيف معسكرات منتخبات مؤكدة، يشهد زيادة ملموسة في الطلب، وهو ما يمثل نحو 25 إلى 30 في المئة من إجمالي المشاركين في الاستطلاع.

كيف يبدو الإقبال الدولي على الحجوزات؟

وقالت روزانا ماييتا، الرئيسة التنفيذية ورئيسة الجمعية الأميركية للفنادق وأماكن الإقامة (AHLA): "أمضت الفنادق في المدن المستضيفة سنوات من الاستعداد لكأس العالم، وبينما لا تزال هناك حالة حقيقية من الحماسة، فإن البيانات تشير إلى توقعات أكثر تعقيدا مما كان مأمولا"،

رويترز
مجسم لكأس العالم ضمن فعاليات البطولة في مدينة بنما، فلوريدا، 26 مايو 2026

وأضافت: "هناك مجموعة من العوامل التي حدّت من التفاؤل المبكر، على الرغم من أن المؤشرات المستقبلية تظهر استمرار وجود فرص واعدة. ولتحقيق هذه الإمكانات بالكامل، يتعين على الولايات المتحدة و"فيفا" ضمان تجربة سلسة ومرحّبة للمسافرين الدوليين. وهذا يعني تجنب الزيادات غير الضرورية في تكاليف التأشيرات ووسائل النقل من المباريات واليها، إضافة إلى منع السلطات المحلية من فرض زيادات ضريبية متأخرة تضر بالبطولة والمستهلكين".

وتكمن المشكلة الأساس في طبيعة الطلب نفسه، إذ يهيمن الزوار المحليون على الحجوزات الحالية، بينما ظل الإقبال الدولي أضعف بكثير مما كان متوقعا. وفاقم من الأزمة قرار "الفيفا" إلغاء أو تحرير كتل كبيرة من الغرف التي كانت محجوزة مسبقا (تصل في بعض المدن مثل كانساس إلى أكثر من 90 في المئة)، مما أدى إلى إعادة آلاف الغرف إلى السوق المحلية في توقيت متأخر.

أشعل هذا الإجراء حرب أسعار في الأيام الماضية، إذ دخلت الفنادق التقليدية في منافسة مع منصات الإيجار القصير الأجل مثل (Airbnb) التي لا تزال تستقطب العائلات والمجموعات الشبابية بفضل مرونتها السعرية، مما دفع الفنادق لطرح الغرف المحررة بحسومات كبيرة، تصل إلى 20 في المئة لتسييلها بسرعة.

يتجاوز تراجع الحجوزات مجرد ضعف الطلب المبكر، إذ أسهمت عوامل مترابطة عدة في هذا الوضع، أبرزها ارتفاع أسعار التذاكر وتكاليف السفر والإقامة وصعوبة الحصول على التأشيرات

وزادت الضغوط المرتبطة بتكاليف حضور البطولة مع فتح سلطات ولايتي نيويورك ونيوجيرسي في أواخر مايو/أيار 2026 تحقيقا في شأن بعض ممارسات بيع تذاكر كأس العالم، بما في ذلك التسعير الديناميكي (Dynamic Pricing) وشكاوى تتعلق بارتفاع الأسعار واختلاف بعض المقاعد الفعلية عن الفئات التي حجزها المشجعون. وعلى الرغم من أن التحقيق لا يستهدف حجم الطلب على البطولة بحد ذاته، فإنه سلط الضوء على حساسية الجماهير تجاه ارتفاع التكاليف، وهو ما قد يكون أسهم في الحد من الإقبال على السفر لدى بعض المشجعين الدوليين.

ما هي الأسباب الرئيسة لتراجع الحجوزات؟

يتجاوز التراجع في الحجوزات مجرد ضعف الطلب المبكر. فقد أسهمت عوامل مترابطة عدة في هذا الوضع، أبرزها ارتفاع أسعار التذاكر وتكاليف السفر والإقامة، مما جعل حضور البطولة أكثر تكلفة مقارنة بنسخ سابقة. كما لعب التضخم ورفع الفنادق لأسعارها مبكرا بشكل مبالغ فيه، توقعا للطفرة الكبيرة، دورا مهما في إبعاد الزوار.

رويترز
الفندق الذي سيستضيف منتخب إنكلترا في مدينة كانساس، 9 مايو 2026

وأدت المنافسة الشديدة بين المدن المستضيفة الـ16 إلى تشتت الطلب، إذ حاولت كل مدينة جذب أكبر قدر من الحجوزات، مما أدى إلى فائض في العرض في بعض الأسواق. بالإضافة إلى ذلك، شكّلت صعوبة الحصول على التأشيرات الأميركية والتشديدات الأمنية المرتبطة بها، وبرامج الضمانات المالية الإضافية، عقبة رئيسة أمام الجماهير الدولية.

وعلى الرغم من قيام القنصليات الأميركية أخيرا بفتح "مسارات استثنائية" عاجلة لتسريع تأشيرات حاملي التذاكر المؤكدة في الأيام القليلة الماضية، إلا أن هذه التحركات جاءت في وقت متأخر جدا بحيث لا يمكنها إحداث تغيير جذري في خطط الطيران الدولي الوافد، مما يرسخ حقيقة أن هذا المونديال سيكون ذا طابع محلي وإقليمي طاغٍ في حضوره الفعلي.

من المتوقع أن تستقطب كأس العالم 2026 نحو 6.5 ملايين مشجع، وأن تصل إسهاماتها الى 40.9 مليار دولار على صعيد الناتج المحلي الإجمالي عالميا

وتشير مؤشرات الحجوزات الفندقية وحركة السفر الحالية إلى أن الجزء الأكبر من الطلب المرتبط بكأس العالم 2026 يأتي من الجماهير المحلية داخل الولايات المتحدة، إضافة إلى الجاليات اللاتينية المقيمة في أميركا الشمالية، في حين لا يزال الطلب الدولي البعيد أقل من التوقعات الأولية. ويرى محللون في قطاع الضيافة أن هذا النمط قد يقلل متوسط مدة الإقامة للزائر مقارنة ببعض النسخ السابقة من كأس العالم، مثل قطر 2022 وروسيا 2018، حيث اعتمدت البطولتان بدرجة أكبر على الجماهير الدولية الوافدة لمسافات طويلة.

وأسهمت التوترات الجيوسياسية والاقتصادية العالمية، وارتفاع أسعار الوقود والطيران، في تقليص رغبة الكثير من المشجعين في السفر. ويرى بعض المحللين أن "الفيفا" وأصحاب الفنادق بالغوا في تقدير قدرة السوق الأميركية على جذب جماهير دولية بأعداد ضخمة رغم ارتفاع تكاليف المعيشة والسفر.

ماذا في التوقعات لأميركا وكندا والمكسيك؟

يمتد التأثير الاقتصادي لكأس العالم 2026 عبر الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، مع تركز الجزء الأكبر من المباريات والنشاط الاقتصادي في الولايات المتحدة، التي تستضيف 78 مباراة من أصل 104 في 11 مدينة، مقابل 13 مباراة في مدينتين في كندا، و13 مباراة في ثلاث مدن في المكسيك.

.أ.ف.ب
ملعب سوفي ضمن قائمة الملاعب التي تستضيف فعاليات كأس العالم، في لوس أنجلوس، 24 مايو 2026

وفي أبريل/نيسان 2025، أشارت دراستان لـ"الفيفا" ومنظمة التجارة العالمية إلى أن كأس العالم 2026 قد تستقطب نحو 6.5 ملايين مشجع، مع توقعات بإضافة تصل إلى 40.9 مليار دولار للناتج المحلي الإجمالي عالميا، وتحقيق 8.28 مليارات دولار من المنافع الاجتماعية، ودعم نحو 824 ألف وظيفة بدوام كامل. وفي الولايات المتحدة وحدها، قد تخلق البطولة 185 ألف وظيفة، وتولد 30.5 مليار دولار من المخرجات الاقتصادية، و17.2 مليار دولار من الناتج المحلي الإجمالي.

وتشمل كأس العالم 2026، التي تستضيفها بشكل مشترك كندا والمكسيك والولايات المتحدة، إجمالي إنفاق يُقدّر بنحو 13.9 مليار دولار، ويغطي الاستثمارات الرأسمالية، وتكاليف المدن المستضيفة، وميزانية "الفيفا"، إضافة إلى الإنفاق السياحي المتوقع لأول نسخة من البطولة بمشاركة 48 منتخبا عبر ثلاث دول.  وتستحوذ الولايات المتحدة على الحصة الكبرى من هذه النفقات بقيمة 11.1 مليار دولار، منها 2.9 مليار دولار إنفاق مباشر من "الفيفا"، و6.4 مليارات دولار من الإنفاق السياحي المتوقع، مما يعكس دورها المحوري باعتبارها تستضيف 11 مدينة من أصل 16 مدينة مضيفة، بينها نيويورك/نيوجيرسي، ولوس أنجلوس، وميامي.

يهيمن الزوار المحليون على جزء كبير من الطلب الحالي، بينما لا يزال الإقبال الدولي أضعف من المتوقع بسبب عوائق التأشيرات، وارتفاع تكاليف السفر، والتوترات الجيوسياسية

تقرير الجمعية الأميركية للفنادق وأماكن الإقامة

وتتراوح المكاسب المتوقعة للمدن الأميركية المستضيفة بين 160 و620 مليون دولار. ويعتمد هذا التأثير بشكل أساس على إنفاق الزوار في قطاعات الضيافة والنقل والمطاعم والتجزئة. وبينما تعاني كانساس سيتي أكثر من غيرها، تبدو ميامي وأتلانتا أفضل نسبيا. في حين تتوقع المدن الكبرى مثل نيويورك ولوس أنجلوس نموا محدودا دون الطموحات الأولية. وأظهرت بوسطن تحديدا تحسنا نسبيا في الحجوزات (+5 إلى +11 في المئة) مقارنة بالصيف الماضي.

ومع ذلك، يبقى التحدي الأساس في تحويل حضور المباريات إلى إنفاق سياحي واسع ومستدام. فبحسب تقرير "الجمعية الأميركية للفنادق وأماكن الإقامة"، يهيمن الزوار المحليون على جزء كبير من الطلب الحالي، بينما لا يزال الإقبال الدولي أضعف من المتوقع بسبب عوائق التأشيرات، وارتفاع تكاليف السفر، والتوترات الجيوسياسية.

فانكوفر أم تورونتو ... أين تتركز مكاسب كندا الاقتصادية؟

يُتوقع أن تحقق كأس العالم 2026 تأثيرا اقتصاديا ملموسا، على الرغم من استضافة كندا 13 مباراة فقط في تورونتو وفانكوفر.  ويشير تقييم شركة "ديلويت" لصالح "الفيفا"، إلى أنه من المتوقع أن يولد الحدث نحو 3.8 مليار دولار كندي كإنتاج اقتصادي إيجابي إجمالي، ويضيف حوالى ملياري دولار كندي إلى الناتج المحلي الإجمالي، و1.3 مليار دولار كندي كدخل للعمالة، بالإضافة إلى 700 مليون دولار كندي كإيرادات حكومية.

ويتوقع أن يدعم الحدث نحو 24,100 وظيفة. وتُعد فانكوفر، التي تستضيف سبع مباريات في كأس العالم 2026، المستفيد الاقتصادي الأكبر بين المدينتين الكنديتين المضيفتين، إذ تُقدَّر الآثار الاقتصادية المرتبطة باستضافة البطولة بنحو 1.7 مليار دولار كندي في بريتيش كولومبيا، مع توقعات بدعم أو توفير نحو 13,700 وظيفة.

.أ.ف.ب

في المقابل، تستضيف تورونتو ست مباريات ضمن البطولة. وقد تشهد مدينة فانكوفر انتعاشا قويا في حركة الحجوزات، مستفيدة من دمج زخم المونديال مع موسم السياحة الصيفية الطبيعي للمدينة. وتعوّل كندا على أن يسهم الحدث في تعزيز قطاع السياحة الطويل الأمد من خلال جذب زوار دوليين وتطوير البنية التحتية.

المكسيك: كفاءة عالية وتأثير نسبي قوي

على الرغم من محدودية عدد المباريات التي ستُقام في مكسيكو ومونتيري وغوادالاخارا، يُتوقع أن يكون التأثير الاقتصادي أكثر وضوحا نسبيا مقارنة بحجمه في الاقتصادين الأميركي والكندي الأكبر، مما يجعل أي استثمار رياضي يظهر كنسبة مئوية أكبر في الناتج المحلي.

ووفق تقرير شركة "ديلويت" الأخير، يُقدر الإجمالي بحوالى 4.05 مليارات دولار، منها 2.25 مليار دولار من الاستهلاك الإضافي، و1.8 مليار دولار استثمارات في البنية التحتية.

ستضيف كأس العالم 2026 نحو 2.73 مليار دولار من القيمة المضافة للاقتصاد المكسيكي، بما يعادل 0.14 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي الوطني

كما ستضيف كأس العالم 2026 نحو 2.73 مليار دولار من القيمة المضافة للاقتصاد المكسيكي، بما يعادل 0.14 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي الوطني، وستوفر نحو 112,200 وظيفة مؤقتة، تمثل حوالى 0.19 في المئة من إجمالي العمالة في المكسيك. ومن المتوقع أن تكون قطاعات المطاعم والضيافة والنقل الأكثر استفادة من البطولة،  حيث يُقدر الإنفاق على الإقامة بحوالى 614 مليون دولار، والغذاء والمطاعم بنحو 728 مليون دولار.

أ.ف.ب.
محطة مترو في مدينة نيويورك، 27 مايو 2026

وتشير تقارير محلية إلى أن المدن المكسيكية الثلاث تبدو في وضع أفضل نسبيا من عدد من المدن الأميركية، إذ يفضل قطاع عريض من مشجعي أميركا اللاتينية البقاء هناك مستفيدين من عامل "فرق التكلفة" والتنافسية المرتفعة للأسعار مقارنة بالولايات المتحدة. لكن الصورة النهائية للطلب السياحي لن تتضح إلا مع اقتراب انطلاق البطولة. وتستفيد المكسيك من أسعارها التنافسية وجاذبيتها للسياح الدوليين، خاصة من أميركا اللاتينية، مما قد يجعلها وجهة مفضلة للجماهير التي تبحث عن تكاليف أقل مقارنة بالمدن الأميركية. ومع ذلك، يظل جزء كبير من التأثير مؤقتا، مع الآمال المعقودة على الإرث الطويل الأمد المتمثل في تطوير الملاعب والمطارات وتعزيز قطاع السياحة بعد انتهاء البطولة.

ماذا تقول الارقام مقارنة مع مونديال 1994؟

يُقارن كثيرون بين مونديال 2026 ونسخته الأميركية السابقة عام 1994، التي استضافتها الولايات المتحدة وحدها. وكانت تقديرات اقتصادية، من بينها توقعات  عن مركز أندرسون التابع لجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، أشارت  إلى تأثير اقتصادي يقارب 4 مليارات دولار. وحققت بعض المدن نتائج إيجابية ملحوظة، مثل لوس أنجلوس التي سجلت ربحا قدره 623 مليون دولار، بينما استفادت مدن أخرى كنيويورك وبوسطن وسان فرانسيسكو مجتمعة بأكثر من مليار دولار، إذ شهدت الفنادق والمطاعم ارتفاعا في الإيرادات بنسبة 10-15 في المئة. . كما ساهمت البطولة لاحقا في إطلاق الدوري الأميركي لكرة القدم (MLS) عام 1996، مما خلق إرثا رياضيا طويل الأمد في الولايات المتحدة.

إلا أن دراسات أكاديمية لاحقة بعد الحدث، أبرزها أبحاث بايد وماثيسون الأكاديمي، شككت في حجم المكاسب الفعلية بعد احتساب التكاليف التشغيلية والإنفاق الحكومي. وتجدر الإشارة إلى أن مونديال 1994 كان أصغر حجما، إذ شمل 24 فريقا و52 مباراة، واعتمد أكثر على الزوار المحليين، لكنه نجح في تعزيز شعبية كرة القدم.

كان مونديال 1994 أصغر حجما، إذ شمل 24 فريقا و52 مباراة، واعتمد أكثر على الزوار المحليين، لكنه نجح في تعزيز شعبية كرة القدم في الولايات المتحدة

لكن مونديال 2026 يطمح إلى أرقام أكبر بكثير، إذ يضم 48 منتخبا و104 مباريات، مع 6.5 مليون مشجع متوقع، مما يرفع سقف التوقعات والتحديات في آن واحد، لكنه يواجه تحديات أكبر مثل التوزيع عبر ثلاث دول وارتفاع التكاليف والعوائق الدولية.

ويبقى الفارق الأساس أن مونديال 1994 نجح في خلق إرث رياضي مستدام على الرغم من التباين في التقييمات الاقتصادية، بينما يبدو مونديال 2026 حتى الآن أقل قدرة على تحويل الزخم الرياضي إلى مكاسب اقتصادية فورية، خصوصا في قطاع الضيافة.

ماذا يحمل الجانب الإيجابي والإرث المحتمل؟

وعلى الرغم من هذه التحديات، بيعت أكثر من خمسة ملايين تذكرة حتى أوائل مايو/أيار حسب تصريحات "الفيفا". وعلى المدى الطويل، يؤمل أن يسهم الحدث في ترك إرث طويل الأمد يعزز شعبية كرة القدم، وتحسين البنية التحتية، وخلق فرص استثمارية جديدة للمدن المستضيفة.

.أ.ف.ب
مواطن يرفع ملصقات كأس العالم لكرة القدم 2026 خلال فعالية تواصل نظّمتها الإدارة في حي "ليتل هايتي" في نيويورك، في 19 مايو 2026

وقد تشهد الأسابيع الأخيرة التي تسبق صافرة البداية بعض الانتعاش عبر حجوزات اللحظة الأخيرة وخفوضات الأسعار، إلا أن المؤشرات الحالية تؤكد أن النجاح الرياضي لا يضمن تلقائيا نجاحا اقتصاديا مماثلا. وسيظل مونديال 2026 حدثا عالميا استثنائيا يجذب مئات الملايين، لكن الفجوة الواضحة بين الوعود المليارية والواقع الفعلي لقطاع الضيافة تفرض على "الفيفا" والمدن المضيفة مراجعة إجراءاتها. فالفترة المتبقية ستكون حاسمة، سواء عبر خفض الأسعار أو تسهيل إجراءات السفر، في محاولة أخيرة لتحويل الزخم الجماهيري إلى مكاسب ملموسة.

وبينما تستعد الملاعب لاستقبال الجماهير، يبقى هذا المونديال اختبارا معقدا يتجاوز المستطيل الأخضر، إذ إن الاعتماد على التوقعات المتفائلة لم يعد كافيا في ظل تقلبات الاقتصاد العالمي، مما يتطلب مستقبلا معايير أكثر واقعية تضمن التوازن بين الربحية التجارية للبطولة والجدوى الاقتصادية الفعلية للمجتمعات المحلية. سيظل النجاح الرياضي مضمونا بشغف الجماهير، لكن النجاح الاقتصادي الحقيقي سيتوقف على القدرة على استدامة هذه العوائد، لضمان ألا يتحول الإرث التاريخي للبطولة من فخر وطني إلى عبء مالي طويل الأمد.

font change