المغرب الصاعد... نمو قوي مع فرص الاستثمار والرهان على كأس العالم

80 مليار دولار موازنة 2026 وسط تحديات البطالة المرتفعة وتوجه نحو اقتصاد إنتاجي متطور

إدوارد رامون
إدوارد رامون

المغرب الصاعد... نمو قوي مع فرص الاستثمار والرهان على كأس العالم

انتهى عام 2025 بمؤشرات إيجابية للاقتصاد المغربي، مدعومة بعودة موسم الأمطار والثلوج، وارتفاع حركة السياحة الدولية إلى نحو 20 مليون سائح، في سياق احتضان المغرب منافسات رياضية قارية لنهائيات كأس أفريقيا للأمم. وتوقعت الموازنة الجديدة التي أقرها البرلمان، تحقيق نمو بنحو 4,8 في المئة في 2025 و4,6 في المئة في 2026، وهذه المعدلات هي الأفضل منذ أزمة "كوفيد-19".

وكان الاقتصاد المغربي قد حقق معدل نمو يناهز 4,5 في المئة خلال الفترة الممتدة بين 2001 و2013، قبل أن يتراجع خلال العقد الماضي إلى متوسط لا يتجاوز 2,5 في المئة، تحت وطأة تداعيات الأزمة المالية العالمية، والربيع العربي، إلى جانب سنوات جفاف امتدت لسبعة أعوام، وخلفت أثرا اجتماعيا بالغا، لا سيما في المناطق الريفية التي فقدت نحو مليون وظيفة.

وقالت وكالة "فيتش" للتصنيف الإئتماني "إن النمو في الاقتصاد المغربي سيكون معتدلا، مدعوما بأداء القطاعات غير الزراعية، لا سيما الصناعية، غير أن الاقتصاد سيظل عرضة لتقلبات التغيرات المناخية". وتوقعت الوكالة أن تحقق الرباط نموا بـ3,5 في المئة في عام 2026. وحافظت "فيتش" على التصنيف السيادي للاقتصاد المغربي عند درجة "بي. بي.+" (+BB)، وهو مماثل لتصنيف سلطنة عمان، والأفضل في مجموع الدول العربية المستوردة للنفط، قبل مصر والأردن وتونس.

قانون المالية لعام 2026 يهدف الى تحقيق توافق وانسجام بين الانضباط المالي وقواعد الاحتراز، وخفض العجز والمديونية، وتعزيز التوازنات الماكرو-اقتصادية من جهة، وتوسيع الاستثمارات لتلبية احتياجات التنمية من جهة أخرى

وبحسب الوكالة الأميركية، تراجع عجز الموازنة إلى 3,8 في المئة، ولا تشكل مستويات المديونية خطرا من صدمات خارجية، كونها مقومة بالدرهم المغربي، على الرغم من تجاوزها المتوسط العالمي المحدد بـ62 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي بمقدار 7 نقاط.

وتشير تقديرات موازنة 2026 إلى أن نفقات خدمة الدين العام ستبلغ 64 مليار درهم (نحو 6,7 مليارات دولار)، منها 16 مليار درهم (1,7 مليار دولار) مخصصة للدين الخارجي، و48 مليار درهم (نحو 5 مليارات دولار) لخدمات الدين الداخلي.

رويترز
قطار "البراق" أسرع السكك الحديد في قارة أفريقيا، طنجة 1 يناير 2026

وتستهدف الموازنة الجديدة خفض حجم الديون العامة إلى 67 في المئة، وهو طموح يصطدم بحاجة الاقتصاد إلى تمويلات جديدة لتسريع وتيرة التنمية الشاملة، لاستكمال مشاريع ضخمة تشمل القطارات الفائقة السرعة بين القنيطرة ومراكش بطول 400 كيلومتر، والبنى التحتية للطرق السريعة، والتجهيزات الرياضية، وشراء عشرات الطائرات الجديدة، استعدادا لاحتضان كأس العالم 2030.

بين الحزم المالي والإنفاق الاجتماعي

يقدر إجمالي نفقات موازنة عام 2026 بـ762 مليار درهم (نحو 80 مليار دولار)، وقالت مصادر وزارة الاقتصاد والمالية لـ"المجلة" إن "قانون المالية 2026 يهدف الى تحقيق توافق وانسجام  بين الانضباط المالي وقواعد التحوط من الأخطار، وخفض العجز والمديونية، وتعزيز التوازنات الماكرو-اقتصادية من جهة، وتوسيع الاستثمارات لتلبية احتياجات التنمية، وتحفيز الاقتصاد، وتوفير مزيد من فرص العمل، وزيادة حجم الثروة الوطنية، من جهة أخرى". وأشارت إلى أن السياق الدولي يشهد حالة من عدم اليقين، مع تحولات سريعة على المستويات الاقتصادية والتكنولوجية والجيوسياسية.

يقدم المغرب صورتين غير متجانستين للاقتصاد: فمن جهة، يسجل نموا اقتصاديا متصاعدا يفوق متوسط النمو في دول الاتحاد الأوروبي، بينما تعاني من جهة أخرى يستمر الارتفاع المقلق في بطالة الشباب

وأوضح التقرير أن القطاع الزراعي، الذي يساهم بـ11 في المئة من الناتج الإجمالي، تضرر بشدة من تعاقب سنوات الجفاف، مما أدى إلى فقدان آلاف الوظائف في المناطق الريفية خلال خمس سنوات، في وقت ينضم سنويا نحو 275 ألف شاب إلى سوق العمل.

وقال محافظ المصرف المركزي عبد اللطيف الجواهري "صحيح أن الاقتصاد المغربي من بين الأكثر جذبا للاستثمارات الأجنبية المباشرة في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، لكن الرهان الأكبر يكمن في القدرة على تحويل تلك الاستثمارات إلى نمو اقتصادي وفرص للعمل وفائض في الميزان التجاري". ويشكل هذا الموضوع خلافا بين البنك المركزي والحكومة حول العائد الاستثماري المباشر على حياة المواطنين من حيث العمل والدخل.

نمو دون فرص عمل

تفيد معطيات إحصائية بأن الاقتصاد المغربي لم يتمكن خلال عام 2024 سوى من توفير نحو 82 ألف فرصة عمل، في مقابل طلبات عمل تجاوزت 140 ألف شخص، وذلك على الرغم من تحقيق معدل نمو اقتصادي بلغ 3,8 في المئة خلال العام نفسه. ويرى خبراء أن معدلات النمو لم تعد المؤشر الأساس لقياس تطور سوق العمل أو تحسن الدخل الفردي، في ظل غياب سياسات إرادية لتوسيع قاعدة العمل، وتعزيز العدالة الاجتماعية في توزيع الثروة، من خلال تحسين الأجور والحد من التضخم.

أ.ف.ب.

ولا تكفي المعدلات المسجلة لامتصاص الأعداد المتزايدة من متخرجي الجامعات والمعاهد، تضاف إليهم فئة أخرى تغادر مقاعد الدراسة باكرا. ويقدر عدد العاطلين عن العمل بنحو 1,6 مليون شخص، 75 في المئة منهم تقل أعمارهم عن 35 سنة، وفق بيانات المندوبية السامية في التخطيط. وخصصت الموازنة الجديدة 140 مليار درهم (نحو 14 مليار دولار) لنفقات الصحة والتعليم، استجابة لمطالب فئات من المجتمع تعتقد أن الحكومة تميل إلى الإنفاق على المشاريع ذات العائد المادي، ولا تستثمر بما فيه الكفاية في جودة التعليم والخدمات الاستشفائية، خصوصا في المناطق الجبلية والنائية، وهو ما اصطلح عليه بـ"مغرب من سرعتين".

ويقدم المغرب صورتين غير متجانستين للاقتصاد: فمن جهة، يسجل نموا اقتصاديا متصاعدا يفوق متوسط النمو في دول الاتحاد الأوروبي بأكثر من أربع مرات، بينما تعاني من جهة أخرى شريحة واسعة من الشباب من البطالة، حيث يظل واحد من كل ثلاثة شبان خارج سوق العمل، نتيجة ضعف جودة التعليم أحيانا، وعدم مواءمة المناهج حاجات سوق العمل في معظم الأحيان. في المقابل، حققت نحو 500 شركة كبرى في القطاع الخاص حجم أعمال تجاوز 1,026 تريليون درهم (111 مليار دولار) خلال العام الماضي، أي بنمو سنوي يبلغ 5,7 في المئة.

يعتبر القانون المالي 2026 الأخير في عمر مجلس النواب الحالي، والحكومة الحالية، وبالتالي لم يتضمن بنود خلافية كبيرة بين المعارضة والموالاة، لان الجميع يضع الاستحقاقات الانتخابية المقبلة في سبتمبر/أيلول كهدف استراتيجي 

كما استقطب المغرب استثمارات أجنبية مباشرة تعادل 2,5 في المئة من الناتج الإجمالي في المتوسط. وخلال الأشهر العشرة الأولى من العام، بلغت تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة نحو 4,7 مليارات دولار، بزيادة قدرها 28 في المئة على أساس سنوي، مما جعل المغرب في صدارة دول المغرب العربي، مدعوما أساسا بتدفقات استثمارية أوروبية وخليجية. وقالت وكالة "فتيش" إن "الاستقرار السياسي والإصلاحات الاقتصادية تمنح المستثمرين الأجانب ضمانات إضافية في المغرب".

كرة القدم تخطف الأضواء

 لم يحظ مشروع القانون المالي 2026 بالاهتمام الذي كانت تشغله تفاصيل الموازنات السابقة، وهناك أسباب عدة لعزوف الناس عن متابعة مسار إقرار مشروع الموازنة في مجلسي البرلمان (مجلس النواب ومجلس المستشارين)، الذي تستغرق دراسته وتعديله نحو شهرين كل سنة وفقا لمقتضيات الدستور.

أ.ف.ب.
أعمال صيانة لملعب مراكش الدولي، الذي يستضيف فعاليات بطولة أمم أفريقيا، 5 ديسمبر 2024

أولا، تزامن النقاشات المرتبطة بالموازنة مع استحقاقات رياضية كبرى استحوذت على اهتمام المتابعين، من بينها كأس العالم للشباب في تشيلي، وكأس العرب في قطر، إلى جانب كأس أفريقيا للأمم التي يستضيفها المغرب.

ثانيا، يعتبر القانون المالي 2026 الأخير في عمر مجلس النواب الحالي، والحكومة الحالية، وبالتالي لم يتضمن إجراءات خلافية كبيرة بين المعارضة والموالاة، لان الجميع يضع الاستحقاقات الانتخابية المقبلة (في سبتمبر/أيلول) كهدف استراتيجي في التعاطي السياسي مع لغة أرقام الاقتصاد واعتماد الموازنة.

ثالثا، تأثير ما يعرف بـ"حركة جيل زد" في مواقف بعض الشباب ونظرتهم إلى الأحزاب السياسية، واتهام بعض السياسيين بالفساد واستغلال المواقع لتحقيق مكاسب شخصية على حساب التطلعات الشعبية. وزكى هذا الشعور عزل رؤساء عدد من البلديات، وإيداع بعض البرلمانيين السجن، على خلفية اختلاس أموال عامة وسوء التدبير.

مشاريع كأس العالم فرصة تاريخية

يعتقد الوزير المكلف الموازنة فوزي لقجع، الذي دافع عن المشروع المالي أمام البرلمان على مدى أسابيع، والذي يشغل حاليا رئاسة الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، أن "أمام المغرب فرصة تاريخية لتحقيق نهضة تنموية شاملة من خلال المشاريع المهيكلة التي يتم تنفيذها استعدادا لتنظيم نهائيات كأس العالم 2030 بالشراكة مع إسبانيا والبرتغال". وأضاف "إنها أول تجربة من نوعها لمنافسة رياضية دولية تنظم في قارتين هي أوروبا وأفريقيا".

تعد السنوات الأربع المقبلة حاسمة وانتقالية في تاريخ الاقتصاد المغربي، الذي يدخل مرحلة التحول من اقتصاد قائم على الزراعة والسياحة والاستهلاك، إلى اقتصاد إنتاجي يعتمد على الصادرات العالية القيمة والتكنولوجيا

ورصد المغرب 40 مليار دولار استثمارات عامة في موازنة 2026 تشمل مشاريع في السكك الحديد الفائقة السرعة، والموانئ التجارية، وتوسيع المطارات، وتحديث البنى التحتية والفنادق السياحية، وتطوير الملاعب الرياضية. ويقدر إجمالي الاستثمارات التي يخطط لها المغرب حتى 2030 بأكثر من 230 مليار دولار، في مسعى لتقديم صورة المغرب كبلد صاعد مزدهر أمام العالم.

وأطلق المغرب، بالتعاون مع الإمارات، برنامجا استثماريا خاصا تفوق قيمته 13 مليار دولار في مجالات الطاقات المتجددة، وتحلية مياه البحر، وربط شبكة الكهرباء النظيفة بين أقصى جنوب المملكة وأقصى شمالها. وعزز قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2797، الداعم لسيادة المغرب على الصحراء في إطار الحكم الذاتي، ثقة الشركات العالمية للاستثمار في هذه الأقاليم، لا سيما في قطاعات الطاقة والهيدروجين الأخضر، والسياحة، والصيد البحري، والمعادن، والنقل الجوي والتجارة.

وتوقع صندوق النقد الدولي أن يصل حجم الاقتصاد المغربي إلى نحو 196 مليار دولار في نهاية عام 2026، وهو رهان يتماشى مع النموذج التنموي الجديد الذي يهدف إلى رفع الدخل إلى 16 ألف دولار قبل عام 2030.

أ.ف.ب.

وتعد السنوات الأربع المقبلة حاسمة وانتقالية في تاريخ الاقتصاد المغربي، الذي يدخل مرحلة التحول من اقتصاد قائم على الزراعة والسياحة والاستهلاك، إلى اقتصاد إنتاجي يعتمد على الصادرات العالية القيمة والتكنولوجيا، بهدف زيادة الدخل الوطني وامتصاص البطالة المرتفعة.

الظرف الدولي في صالح الاقتصاد المغربي

يرى محللون أن الظروف الإقليمية والدولية بدأت تتحسن، وهي مؤشرات في صالح الاقتصاد المغربي الذي ينتعش في زمن السلام والرفاه وتراجع الأسعار ونمو حركة السياحة والسفر وتدفق الاستثمارات. وخلال الأشهر العشرة الأولى من عام 2025، سجل المغرب زيادة في حجم التدفقات الاستثمارية الأجنبية بمعدل 28 في المئة، كما ارتفعت عائدات السياحة بنسبة 16,7 في المئة لتصل إلى 12 مليار دولار، فيما بلغت تحويلات مغاربة العالم 11 مليار دولار.

وارتفعت تجارة المغرب الخارجية إلى 1,316 تريليون درهم (نحو 140 مليار دولار)، مدفوعة بصادرات السيارات والطائرات والفوسفات والمواد الغذائية، وفق بيانات مكتب الصرف المشرف على التجارة الخارجية والنقد الأجنبي. كما ارتفع الاحتياطي النقدي إلى 45 مليار درهم، مما يغطي نحو خمسة أشهر من الواردات، ويدعم تثبيت قيمة الدرهم، الذي صمد في وجه تقلبات أسعار الصرف الدولية، مع توسع نشاطه الإقليمي داخل دول غرب أفريقيا.

font change