العراق عالق بين أميركا وإيران... أزمة تتجدد في ظل الحرب الإيرانية

بغداد ستبلغ نقطة حرجة في التدفقات النقدية بحلول يوليو

رويترز
رويترز
رفع رجل لافتة تحمل صور المرشد الإيراني علي خامنئي وأكرم الكعبي، الأمين العام لـ"حركة النجباء"، وهي فصيل مسلح موالٍ لإيران، خلال مظاهرة تضامنية مع أكرم الكعبي في بغداد في 8 مايو 2026

العراق عالق بين أميركا وإيران... أزمة تتجدد في ظل الحرب الإيرانية

مرّت ثلاثة أشهر على اندلاع الحرب الإيرانية في 28 فبراير/شباط، وبرز العراق، الجار المباشر لإيران، باعتباره الضحية الكبرى لهذا الصراع. واليوم، يجد هذا البلد، الذي حافظ على قدر من الاستقرار النسبي خلال فترة عملي في بغداد بين عامي 2022 و2024، نفسه أمام أزمة جديدة تهدد بقاء الدولة نفسها

تشكيل حكومة الزيدي الجديدة

التقيت سياسيا كرديا من إقليم كردستان العراق، وهو من معارفي القدامى وسأسميه هنا السيد هـ، في طوكيو شهر مايو/أيار الماضي، في طريق عودته إلى بلاده بعد ندوة نظمها مركز أبحاث أميركي حول العراق. كان تقييمه حادا ومباشرا، حين قال لي: "لم يعد ممكنا القول إن العراق يعمل كدولة. الميليشيات العراقية هي التي تسيطر فعليا على الحكومة، وخلف هذه الميليشيات يقف (الحرس الثوري) الإيراني".

أما حكومة علي الزيدي الجديدة، التي خلفت إدارة محمد السوداني، فهي- بحسب تعبير السيد هـ- "لا تزيد على كونها تسوية بين إيران والولايات المتحدة". فمع أن تحالف السوداني فاز بالحصة الأكبر من المقاعد في الانتخابات العامة التي جرت في نوفمبر/تشرين الثاني، فإن ما يسمى الإطار التنسيقي الشيعي، وهو تجمع يضم اثني عشر سياسيا شيعيا بارزا ويشكل مركز القوة الحقيقي في بغداد، رشّح في البداية رئيس الوزراء السابق نوري المالكي. غير أن واشنطن مارست ضغوطا شملت تعليقا مؤقتا لتحويلات الدولار، إلى أن استبدل "الإطار" الزيدي بدلا من المالكي. ولكن الأخير رجل أعمال في الأربعين من عمره، وهو لا يملك خبرة سياسية، وإنما برز اسمه من خلال إدارة عقود حكومية لتوريد المواد الغذائية.

لطالما بدت السياسة العراقية أقرب إلى سياسة الفصائل، إذ تُحسم القضايا الكبرى للدولة بتوافق اثني عشر زعيما فصائليا نافذا، لا عبر مجلس الوزراء. والسؤال المركزي اليوم هو ما إذا كان الزيدي، وهو لا يملك نفوذا فعليا على أي منهم، قادرا على توجيه سفينة الدولة العراقية وهي محاصرة بين المطالب الأميركية والإيرانية.

جاء تزامن الاضطراب الحكومي مع اندلاع الحرب الإيرانية ليزيد الأزمة تعقيدا، نكبة فوق نكبة

المشكلة البنيوية حادة. فالسلطة التنفيذية الفعلية في العراق تستند، قبل كل شيء، إلى السيطرة على الوزارات الأمنية، الداخلية والدفاع والاستخبارات. وفي الإدارة الجديدة، لا يزال توزيع هذه الحقائب المفصلية عالقا، فيما يرتبط شد الحبال الخفي حولها بالسؤال الأشد جوهرية: من يملك سلطة الإكراه في الدولة؟

في صلب هذه المعضلة تقف قوات "الحشد الشعبي"، التي أُنشئت عام 2014 ردا على تنظيم "داعش"، ثم رُسّخت قانونيا بوصفها جسما تابعا للدولة. لكنها، في الواقع، بعيدة كل البعد عن أن تكون كتلة واحدة. فهي تضم فصائل متشددة موالية لإيران، من بينها "كتائب حزب الله"، ترتبط مباشرة بـ"الحرس الثوري" الإيراني، إلى جانب فصائل ذات نزعة عراقية وطنية أوضح. وقد أعلن رئيس الوزراء الجديد أن إقامة احتكار الدولة للسلاح هي سياسته الأساسية، وهو توجه ترحب به واشنطن، لكن المتشددين في "الحشد الشعبي" يرونه طلبا بحل أنفسهم. وهكذا تواجه حكومة الزيدي معضلة بنيوية: إذا قمعت "الحشد الشعبي" خاطرت بمواجهة مباشرة مع "الحرس الثوري"، وإذا غضت الطرف استدعت غضب واشنطن. ولم تنجح أي حكومة عراقية سابقة في حل هذه المعضلة.

ا ف ب
يمر سائق دراجة نارية أمام ملصق يظهر أبو علاء الولي (يمين) و"المرشد" مجتبى خامنئي (يسار) في بغداد في 28 أبريل 2026

ميليشيات خارج قبضة الحكومة العراقية

جاء تزامن الاضطراب الحكومي مع اندلاع الحرب الإيرانية ليزيد الأزمة تعقيدا، نكبة فوق نكبة. فقد شنت ميليشيات متشددة، مثل "كتائب حزب الله"، هجمات متتالية على قواعد عسكرية أميركية، وعلى السفارة الأميركية، ومنشآت حكومة إقليم كردستان، عمليا بتوجيه إيراني. وهي تتقاضى رواتبها من الدولة العراقية، لكنها تتحرك على نحو يتعارض كليا مع مصالحها.

وبحسب "السيد هـ"، تعرض العراق منذ بدء الحرب لنحو ثمانمئة هجوم من إيران وميليشيات مدعومة منها، استهدف 80 في المئة منها إقليم كردستان. وفي 17 مايو/أيار، تعرضت محطة براكة للطاقة النووية في الإمارات لضربة بطائرة مسيّرة، يُعتقد على نطاق واسع أنها أُطلقت من الأراضي العراقية. وفي اليوم نفسه، أعلنت السعودية اعتراض طائرة مسيّرة كانت تقترب من جهة العراق. وتتزايد الشكوك، في دول الخليج وواشنطن على حد سواء، في أن الحكومة العراقية لا تعجز عن ضبط هذه الميليشيات فحسب، بل قد تمنح أنشطتها موافقة ضمنية.

تمثل سوء تقدير حرب العراق في اكتشاف واشنطن أن كثيرا من القوى السياسية الشيعية التي وصلت إلى السلطة تشترك مع الجمهورية الإسلامية في إيران في الأيديولوجيا الإسلامية الشيعية

هذا هو منطق إيران الاستراتيجي: تُنسب الهجمات على البنية التحتية الخليجية إلى جماعات عراقية، بما يحفظ لطهران هامش الإنكار ويتيح لها إيقاع الضرر في الوقت نفسه. أما بالنسبة إلى العراق، فالنتيجة أشد قتامة، إذ يواجه البلد خطر التحول إلى منصة لإطلاق الهجمات على الخليج، وإلى ساحة حرب فعلية. لا تزال إدارة الزيدي قادرة على احتواء اتساع الصراع، لكنها قد تتحول أيضا إلى الفتيل الذي ينقل النيران إلى الخليج.

توقف ثلاثة أرباع إنتاج النفط

الصدمة الثانية اقتصادية. فقد حرم حصار الخليج العربي العراق من أي وسيلة لتصدير نفطه. قبل الحرب، كان العراق ينتج أكثر من أربعة ملايين برميل يوميا، أما الآن فقد توقف إنتاج ثلاثة ملايين برميل من هذه الكمية. ولم يبق سوى خط الأنابيب إلى جيهان في تركيا، وحجم محدود من النقل البري بالشاحنات، بما لا يتيح تصدير أكثر من نحو 300 ألف برميل يوميا.

والنتائج بالغة القسوة. فإيرادات النفط تشكل نحو 85 في المئة من عائدات الحكومة العراقية، والعراق دولة ريعية نموذجية يستوعب القطاع العام فيها الغالبية العظمى من قوة العمل. كان "السيد هـ" مباشرا في تقديره: "إذا استمرت الحرب الإيرانية، وبقي تصدير النفط متعذرا، فسيتوقف الاقتصاد العراقي عن العمل بحلول الصيف. الحد الأدنى المطلوب، أي دفع رواتب الموظفين الحكوميين، يحتاج إلى ستة مليارات دولار شهريا، فيما تراجعت الإيرادات الآن إلى نحو مليار واحد". فقد بلغت إيرادات الحكومة 6.8 مليار دولار في فبراير/شباط، ثم انهارت بحلول أبريل/نيسان إلى 1.08 مليار. ووضعت وكالة "ستاندارد آند بورز" التصنيف الائتماني السيادي للعراق على قائمة المراقبة السلبية، فيما يرى محللون أن البلاد ستبلغ نقطة حرجة في التدفقات النقدية بحلول يوليو/تموز.

رويترز
قوات الأمن العراقية تحرس القنصلية الكويتية بينما يتجمع المتظاهرون أمامها بعد سقوط صواريخ أُطلقت باتجاه الكويت على منزل في خور الزبير، البصرة، العراق، 7 أبريل 2026

أما الشركات اليابانية صاحبة المصالح النفطية في العراق، ومن بينها "جابكس وإيتوتشو"، فقد باتت استثماراتها معطلة، كما هو حال مصفاة البصرة التي شُيدت عبر التعاون الياباني وقروض الين، ولم يكد إنجازها يكتمل عندما اندلعت الحرب.

صيف ساخن يلوح في الأفق

تمثل سوء تقدير حرب العراق في اكتشاف واشنطن أن كثيرا من القوى السياسية الشيعية التي وصلت إلى السلطة تشترك مع "الجمهورية الإسلامية" في إيران في الأيديولوجيا الإسلامية الشيعية. وأصبح "فيلق القدس" التابع لـ"الحرس الثوري" الإيراني سلطة ظل خلف بغداد، إذ عملت على رعاية الميليشيات عبر سنوات الاحتراب الداخلي العراقي، ثم خلال المعركة ضد "داعش". وحتى قبل الحرب الإيرانية، ظلت السياسة العراقية تتأرجح بين ضغوط أميركية لتفكيك الميليشيات ومساندة إيرانية لها. أما الآن، فهذه الميليشيات تهاجم دول الخليج والدولة العراقية نفسها.

تبدو الحسابات الفورية قاسية إلى حد لا يرحم. فالحكومة العراقية تحتاج إلى ستة مليارات دولار شهريا، بينما لا تتلقى سوى أقل من سدس هذا المبلغ

وتتكرر انقسامات بغداد في كردستان، حيث لا يزال "الحزب الديمقراطي الكردستاني" و"الاتحاد الوطني الكردستاني" عالقين في مأزق مستحكم. ولم تُشكّل حكومة إقليمية جديدة منذ أكثر من عام وسبعة أشهر، فيما تدعم إيران "الاتحاد الوطني الكردستاني" الأكثر قابلية للتفاهم معها. وحين أعلن الرئيس دونالد ترمب دعمه للجماعات الكردية الإيرانية العاملة انطلاقا من كردستان العراق، كثفت إيران بشدة هجماتها الصاروخية وبالمسيّرات على الإقليم، في رد انتقامي غير متناسب مع سياسة معلنة لم تفض، عمليا، إلى أي نقل فعلي للسلاح إلى المعارضين الأكراد الإيرانيين.

ازداد العراق وإيران اقترابا عبر الإسلام السياسي الشيعي، وهذا الرابط نفسه هو ما تحوّله الحرب الإيرانية اليوم ضد الدولة العراقية. فإذا انهار النظام الإيراني، يُتوقع أن تتدفق أعداد كبيرة من الإيرانيين المرتبطين به إلى مدينتي النجف وكربلاء، المدينتين الشيعيتين المقدستين. وعندما سُئل "السيد هـ" عما سيؤول إليه العراق في مثل هذا الاحتمال، كان تقديره واضحا: "حتى لو انهار النظام الإيراني الحالي، فإن مشكلة الميليشيات الشيعية في العراق ستبقى قائمة".

أما الغالبية العظمى من الشباب العراقيين، شأنهم شأن نظرائهم الإيرانيين، فيعيشون في عالم تجاوز منذ زمن الإسلاموية الشيعية المحافظة، ويتسمون بذهنية علمانية لا تمت بصلة كبيرة إلى أيديولوجيا الميليشيات. ويبقى السؤال مفتوحا عما إذا كان قادة العراق قادرين على مقاومة تيار التاريخ الذي تمثله هذه الديموغرافيا.

لكن قبل بلوغ ذلك اليوم، تبدو الحسابات الفورية قاسية إلى حد لا يرحم. فالحكومة العراقية تحتاج إلى ستة مليارات دولار شهريا، بينما لا تتلقى سوى أقل من سدس هذا المبلغ. وإذا استمر حصار الخليج العربي إلى ما بعد يوليو/تموز، فإن تعليق دفع الرواتب، وانهيار الدينار، واندلاع اضطرابات اجتماعية واسعة، كلها احتمالات قاتمة لكنها معقولة. وفي تلك الحالة، سيملأ المتشددون من قادة الميليشيات فراغ السلطة. وإذا استمرت الأمور على مسارها الحالي، فإن العراق يتجه حقا إلى صيف بالغ السخونة.

* أستاذ في جامعة هيتوتسوباشي وسفير اليابان السابق لدى العراق

font change

مقالات ذات صلة