العراق... الحسابات السياسية للجيل الجديد

ما وراء الطائفية والقومية

أ.ف.ب
أ.ف.ب
صورة دعائية لرئيس البرلمان العراقي السابق محمد الحلبوسي، خلال الانتخابات البرلمانية العراقية، بغداد في 14 نوفمبر 2023

العراق... الحسابات السياسية للجيل الجديد

عقب استقباله لرئيس وزراء إقليم كردستان، ونائب زعيم "الحزب الديمقراطي الكردستاني" مسرور بارزاني، ركز زعيم "ائتلاف دولة القانون" ورئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي على ثنائيتي "التاريخ المشترك للقوى السياسية الرئيسة في البلاد"، مُشيراً إلى "المواقف المتطابقة الدائمة بينها"، وما أسماه "تصحيح مسار العملية الديمقراطية، بعد ما أصابها من انتكاسة مؤخراً". في إشارة غير مباشرة، إلى انتخاب الكتل البرلمانية لرئيسي الجمهورية والبرلمان، دون توافق مع كتلتي "دولة القانون" و"الحزب الديمقراطي الكردستاني"، وعدم منح تلك الكتل الناخبة الثقة لبعض الوزراء المُرشحين من قِبل هذين الطرفين في الحكومة الاتحادية الجديدة، لوزارات الداخلية والتعليم والإعمار والإسكان.

تصريحات المالكي كانت انعكاسًا لما حدث داخل العملية السياسية خلال الشهور الماضية، إذ كان واضحاً أن القوى السياسية في البلاد، صارت منقسمة ومتقابلة سياسيا بشكل جديد، خارج الحساسيات الطائفية والقومية، شيعة سنة وأكراد مسيحيين، وتركمان. بل صارت القوى السياسية داخل كل واحدة من هذه الجماعات الأهلية موزعة على أساس جيلي، إذ ثمة ما يُمكن تسميته "التقليديون"، يقابله أعضاء النخبة الحاكمة من "الشبان".

رويترز
رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي خلال تجمع انتخابي لائتلاف "دولة القانون"، قبيل الانتخابات البرلمانية العراقية، في بغداد، العراق، في 7 نوفمبر 2025

عملياً ثمة تحالف سياسي غير مُعلن رسميا، يضم "ائتلاف دولة القانون" بقيادة رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي و"الحزب الديمقراطي الكردستاني" بقيادة مسعود بارزاني و"منظمة بدر" بقيادة هادي العامري، وزعيم "تحالف السيادة" خميس الخنجر، ذي الخلفية السياسية الإسلامية/السنية المحافظة. القاسم المشترك بين قادة هذه التنظيمات، هو دورهم التأسيسي في النظام السياسي الحالي في العراق، منذ عام 2003. حتى خميس الخنجر، وإن كان حديثاً في المشهد السياسي، إلا أنه يُوصف كوريث سياسي لـ"الحزب الإسلامي العراقي"، الذي كان ممثلاً لتيار "الإخوان المسلمين" في العراق، وأحد المنشغلين في العملية السياسية العراقية منذ تأسيسها.

القوى السياسية في البلاد صارت منقسمة ومتقابلة سياسياً بشكل جديد، خارج الحساسيات الطائفية والقومية، شيعة وسنة وأكرادا مسيحيين وتركمانيين. بل صارت القوى السياسية داخل كل واحدة من هذه الجماعات الأهلية موزعة على أساس جيلي

خلال الشهور الماضية تم انتخاب رئيس الجمهورية نزار آميدي دون الحصول على دعم أي من هذه القوى، التي تعتبر نفسها رئيسة لا يُمكن تجاوزها في المشهد السياسي. حدث ذلك على الرغم من قبول هذه الجبهة وتسهيلها لانتخاب رئيس البرلمان هيبت الحلبوسي، ونائبه الأول عدنان فيحان، اللذين يأتيان من الدفة السياسية المقابلة، الأمر الذي دفع "الحزب الديمقراطي الكردستاني" لتجميد نشاط كتلته البرلمانية.

قبالة هذا "التحالف" ثمة من يمكن تسميتهم بـ"طيف المتفاهمين الشبان"، الذي يضم مجموعة من التنظيمات السياسية التي تترأسها مجموعة من القيادات الأصغر عمراً، والأحدث تجربة في المشهد السياسي في البلاد. والذي يضم "ائتلاف الإعمار والتنمية" بزعامة رئيس الوزراء الأسبق محمد شياع السوداني وحركة "صادقون" بقيادة عدنان فيحان، وهي الجناح السياسي لفصيل "عصائب أهل الحق"، بزعامة الشيخ قيس الخزعلي، و"حزب تقدم" بقيادة محمد الحلبوسي و"الاتحاد الوطني الكردستاني" برئاسة بافل طالباني، ومعهم عمار الحكيم زعيم "تيار الحكمة الوطني" وحركة "بابليون" التي يرأسها ريان الكلداني.

ثمة مشترك سياسي/اجتماعي واضح يجمع كل هذه القيادات السياسية "المتحالفة"، هو إزاحة الأجيال الأكبر عمراً، أو التمرد عليها، سواء ضمن أحزابهم أو مناطقهم أو حساسياتهم الأهلية. فبافل طالباني، ورث زعامة "الاتحاد الوطني" عن والده المؤسس جلال الطالباني، واستبعد كل القياديين التقليديين ضمن الحزب. فيما خرج قيس الخزعلي من رحم "التيار الصدري" بدعم إيراني واضح، وظهر محمد الحلبوسي وحزبه إلى الواجهة السياسية بعد أن تراجع تأثير الأحزاب السياسية التقليدية في الأوساط السنية العراقية، تلك التي كانت ذات خلفية إسلامية أو قومية، والسوداني هو الواجهة البيروقراطية لتيار منشق عن "حزب الدعوة". وعمار الحكيم أسس تياره السياسي بعد فقدانه القدرة على الاستحكام بقيادات "المجلس الإسلامي الأعلى"، الذي كان بقيادة والده عبد العزيز الحكيم. فيما يُصنف ريان الكلداني كبديل عن الأحزاب الآشورية/الكلدانية القومية في العراق.

القبيلة والمال والمناطقية

يشرح الكاتب والباحث السياسي نايف حسين مضامين هذا التحول في بنية العمل السياسي على أكثر من مستوى، راداً إياها إلى لحظة تأسيسية، هي انتخاب محافظ كركوك ريبوار طه في أواسط عام 2024، مضيفاً: "لما تشكله كركوك من نقطة تمركز سياسي خاصة في العراق، بسبب الحساسيات الأهلية والانقسامات القومية بشأنها، فإن فشل القوى التقليدية في التوصل إلى توافق بشأن منصب المحافظ عقب إجراء انتخابات مجالس المحافظات أواخر عام 2023، طوال أكثر من ثمانية أشهر تالية، بسبب عدم قدرة أي منها على تقديم تنازلات وتوافقات مع الأخرى، اندفع زعيم (الاتحاد الوطني الكردستاني) ونظيره من (حزب تقدم) إلى عقد اتفاق سياسي يشبه الصفقات المالية، قائم على التقاسم الزمني للمنصب، مستبعدين أي استقطابات أيديولوجية أو خطابات أهلية".

أ.ف.ب
رئيس الوزراء العراقي المنتهية ولايته محمد شياع السوداني ورئيس الوزراء المكلف علي الزيدي في القصر الحكومي ببغداد في 27 أبريل 2026

يتابع حسين حديثه شارحاً تفاصيل المنابع السياسية التي كونت ظاهرة أعضاء هذا الجيل السياسي الجديد في البلاد، مضيفاً: "كانت صفقة كركوك دليلاً ومؤشراً على قابلية الحياة السياسية في العراق على نوع جديد من القادة والتوافقات، المباشرة والواضحة وغير الخاضعة للخطابات والمطالب والنوازع التقليدية في المناخ السياسي للبلاد. فطالباني ليس كوالده، لم يأتِ من ذلك الجيل الذي يعتبر نفسه محملاً بإرث مرحلة الكفاح المسلح ورد عمليات التعريب عن كركوك، والتعامل معها كقضية قومية جذرية للأكراد ومصيرية، وهو بالإضافة لذلك منزاح لاستراتيجيات تقوم على التصرف في الشأن السياسي حسب مبدأ (القطعة)، فكل تفصيل وظاهرة في العمل السياسي تحتاج لتفكير وقرارات خاصة وموضعية، خاضعة دوماً لآلية التوافق وتقاسم المنافع. الحلبوسي بدوره جاء من أجواء سياسية مطابقة. فحزبه السياسي جاء نتيجة انفضاض القواعد الاجتماعية (السنية) عن تلك القوى التي كانت شديدة الجذرية، والمواجهة مع النظام السياسي الجديد في البلاد، والتي أوصلت مجتمعات المحافظات الغربية حد التهلكة، بعد خضوعها لتنظيم (داعش). فتلك الأحزاب التي استندت إلى الأيديولوجيا والخطابات الطائفية المهددة للنواة الصلبة للدولة، أحدثت شرخاً مع باقي سكان البلاد، وصِداماً مع مؤسسات الدولة، استعاض الحلبوسي عنها بالقبائل، التي تتفادى تلك المنزلقات والمواجهات الصدامية بالضرورة، وخلق توافقات مع النواة الصلبة للحكم".

يستطرد الباحث المختص في الشؤون العراقية نايف حسين في حديثه قائلاً: "الأمر نفسه ينطبق على رئيس الوزراء الأسبق محمد شياع السوداني، البيروقراطي البارز الخارج من رحم (حزب الدعوة) التاريخي، وزعيم فصيل (عصائب أهل الحق) قيس الخزعلي. أحد أبرز المنشقين عن (التيار الصدري)، بسبب ما اعتبره سوء مرونة هذا الأخير. لكنه أيضاً شخصية وتيار سياسي شديد البرغماتية، يملك قدرة على الفصل بين معتقداته السياسية والعقائدية وسلوكياته واستراتيجيته السياسية، خصوصاً في الداخل العراقي، لأنه على ولاء تام لإيران، التي يبدو أنها تركت له حرية التصرف والعمل الداخلي. فالخزعلي يملك شبكة واسعة من مؤسسة المنفعة والرعاية، التي تتحرك حسب آليات أقرب ما تكون للشركات والمؤسسات الاقتصادية، وتفصل تماماً بين المصلحة الآنية والمناطقية، وبين العقائدي والأيديولوجي. بهذا المعنى، ثمة كيمياء نفسية وسلوكية وشخصية تجمع أبناء هذا الطيف من الساسة العراقيين. يستطيعون عبرها خلق توافقات آنية وموضعية، دون أخذ أية مواقف أو خطابات جذرية".

عوامل التفكك

على أن المتابعين للشأن العراقي يُشيرون إلى عدة "عوامل ضعف" تكتنف كل هذه القوى السياسية، سواء داخل كل واحدة منها، أو في شكل العلاقة فيما بينها، التي هي في الوقت نفسه عوامل قوة بالنسبة للتيارات السياسية "التقليدية" المقابلة. والتي يُمكن تقسيمها إلى أربعة عوامل.

فكل هذه الجماعات المتحالفة ليس في بنيتها المؤسساتية أية تنظيمات شعبية أو طبقية. فباستثناء "الاتحاد الوطني الكردستاني"، تعتمد باقي التيارات على مركز ودور زعاماتها الراهنة. فالحلبوسي رجل أعمال، وشبكة حزبه التنظيمية أشبه ما تكون بوكالات محلية في عدد من المناطق، فيما يعتمد رئيس الوزراء الأسبق محمد شياع السوداني على شبكة المصالح، التي شيدها خلال السنوات الأربع الماضية، وتنظيم الخزعلي يعتمد على المجندين والمكاتب الاقتصادية التابعة لفصيل "عصائب أهل الحق". وتالياً ليس لأي منهم تنظيمات سياسية مستقرة، تعتمد على ربط القواعد الاجتماعية أيديولوجياً وسياسياً، وتالياً تضمن ولاءهم وارتباطهم المستدام.

كل هذه الجماعات المتحالفة ليس في بنيتها المؤسساتية أية تنظيمات شعبية أو طبقية. فباستثناء "الاتحاد الوطني الكردستاني"، تعتمد باقي التيارات على مركز ودور زعاماتها الراهنة


كذلك فإنها تنظيمات مستفيدة من السيطرة شبه التامة لإيران على المشهد العراقي، سياسياً وأمنياً على الأقل. فقدرتها على خلق فضاءات وتوافقات سياسية مشتركة في الشأن الداخلي تنبثق عن الرعاية الإيرانية، التي تمنع المنافسين غير الخاضعين لأجندتها من مزاحمتهم. فمجموع هذه التنظيمات تتصرف حسب آلية تستبعد وجود أية قضايا كبرى في العراق، بالذات قضية الهيمنة الخارجية عليه، وخضوع سيادته وقراره الاستراتيجي لتلك الهيمنة، ولأجل ذلك تتصرف دون أعباء سياسية، بل كشركات اقتصادية. فهي فعلياً تنظيمات دون مشاريع سياسية.

إلى جانب ذلك، فإن هذه القوى السياسية مستفيدة من مقاطعة "التيار الصدري" للعملية السياسية، ما ترك لها القدرة على الحصول على كتلة من الناخبين والمؤيدين المناهضين للقوى التقليدية في البلاد. فعودة "التيار" ستؤدي مباشرة إلى الانقسام التقليدي في البلاد، بين "التيار الصدري" الرئيس في المشهد والآخرين.

أخيرا، فإنها تنظيمات وقوى سياسية جاذبة للأجيال الأصغر عمراً من العراقيين، الذين لم يشهدوا مراحل الصراعات والحروب الأهلية، والمستعدين أكثر لقبول الخطابات ذات الخلفيات التعبوية والشعبوية، غير المبالية بالاستراتيجيات والرؤى بعيدة المدى، خصوصاً ذات المضمون السياسي.

font change