العراق في مهبّ الهيمنة الإيرانية... ما الذي كشفته الحرب؟

جر البلاد إلى مواجهة مفتوحة مع الجيش الأميركي

AFP
AFP
مقاتل من "الحشد الشعبي" في منطقة صحراوية جنوبي غرب الموصل في 28 نوفمبر 2016

العراق في مهبّ الهيمنة الإيرانية... ما الذي كشفته الحرب؟

بُعيد إعلان الهدنة المؤقتة بين الولايات المتحدة وإيران، بادر البرلمان العراقي إلى انتخاب نزار آميدي، القيادي في "الاتحاد الوطني الكردستاني"، رئيسا للجمهورية. رأى فيه كثير من المراقبين مؤشرا دالا على عودة النفوذ الإيراني إلى الواجهة، بعد سنوات من الجمود القسري الذي فرضته الضغوط الأميركية. وقد بلغ هذا النفوذ الأميركي حدّا وصفه أحد المعلقين بأنه بات قادرا على تعطيل انتخاب رئيس للوزراء بتغريدة واحدة، في إشارة إلى تراجع الإطار التنسيقي عن ترشيح نوري المالكي لمنصب رئيس الوزراء إثر تعليق الرئيس ترمب على ذلك الترشيح.

ويذهب المطّلعون على الشأن العراقي إلى أن النفوذ الإيراني مرشّح للتصاعد، ولو بصورة نسبية وظرفية، بفعل ما أثبته النظام الإيراني من قدرة على الصمود ورفض السقوط، وما أبدته فصائله العراقية المتحالفة معه من حضور ميداني مؤثر، ألحق أضرارا جسيمة بالمناهضين لإيران في الداخل العراقي، دون أن تنجح أي مؤسسة دولة- حكومة كانت أم برلمانا- في ضبطها أو تجريد أفعالها من غطائها الشرعي الزائف.

وخلال أيام الحرب، نفّذت الفصائل المسلحة العراقية ما يزيد على 700 هجوم داخلي بالصواريخ والطائرات المسيّرة، استهدف نحو 500 منها إقليم كردستان، مخلّفة إصابات في البعثات الدبلوماسية والمؤسسات المدنية ومواقع قوات البيشمركة والشركات النفطية ومعسكرات الأحزاب الكردية الإيرانية. وامتدّت هذه الهجمات لتطال مصالح دبلوماسية وأمنية في سائر أرجاء العراق؛ ففي السادس عشر من مارس/آذار شُنّت عملية عنيفة استهدفت فندق الرشيد في بغداد الذي يحتضن ست بعثات دبلوماسية أجنبية، وبعدها بأيام قليلة أُغير جوا على مقر جهاز المخابرات الوطنية العراقية.

لم تتنصّل فصائل "الحشد الشعبي" والتنظيمات المسلحة الرديفة لها من صلتها بهذه الهجمات؛ بل ذهب فصيل "كتائب حزب الله"- أحد أكبر مكوّنات "الحشد"- إلى حدّ اتهام جهاز المخابرات الوطنية بالارتباط بالموساد الإسرائيلي عبر عناصره الكردية. في المقابل، آثرت الحكومة العراقية والجيش الصمت الميداني، مكتفيَين ببيانات شكلية تؤكد "حياد" العراق وتندّد بالانتهاكات دون أن تترتب عليها أية إجراءات رادعة. وقد ذهبت الولايات المتحدة أبعد من ذلك، متهمة الحكومة بتقديم الغطاء السياسي والأمني لهذه الفصائل.

أما القوى السياسية المعارضة لهذه الفصائل، فلم تتجاوز حدّ الاحتجاج اللفظي؛ إذ اكتفت حكومة إقليم كردستان وسائر الأطراف العراقية بإدانة ما جرى ومطالبة الحكومة الاتحادية بالتحرك، دون أن تُفلح في انتزاع موقف صريح من البرلمان أو من القوى السياسية الفاعلة.

لم تتنصّل فصائل "الحشد الشعبي" والتنظيمات المسلحة الرديفة لها من صلتها بهذه الهجمات؛ بل ذهب فصيل "كتائب حزب الله"- أحد أكبر مكوّنات "الحشد"- إلى حدّ اتهام جهاز المخابرات الوطنية بالارتباط بالموساد الإسرائيلي عبر عناصره الكردية

بهذا تكون المعادلة الداخلية العراقية قد انتقلت من طور "المواجهة غير المعلنة" إلى الصراع المكشوف. فمجموع القوى السياسية المحسوبة على إيران وما يُرافقها من فصائل مسلحة تعمل في ظل غطاء شرعي ملتبس باتت تمارس هيمنة فعلية على المشهد السياسي والأمني، في غياب تام لأي إرادة مؤسسية قادرة على ردعها. وهي معادلة كانت تسري في الخفاء منذ عام 2010 على أقل تقدير، حين تمكّن التكتل الموالي لإيران من تجيير نتائج الانتخابات البرلمانية لصالح نوري المالكي، الذي جاءت كتلته في المرتبة الثانية خلف "القائمة العراقية" بقيادة إياد علاوي، قبل أن يُستبعد الأخير تحت وطأة الضغط الإيراني.

وكشفت مجريات الحرب أن الكتلة الموالية لإيران قادرة على جرّ العراق إلى مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة، متجاهلة المرتكزات الاستراتيجية المُعلنة للدولة العراقية، ولا سيما مبدأ الحياد عن الصراعات الإقليمية. وهو ما يتناقض صراحة مع ما نصّ عليه البرنامج الحكومي المُقرّ برلمانيا عام 2022، الذي أكّد في فقرته الأولى من المادة الحادية والعشرين على "مواصلة الحوار مع دول التحالف الدولي بشأن وجود قواتهم وفق متطلبات الأمن والسيادة"، وفي فقرته التاسعة على "إنهاء ظاهرة السلاح المنفلت خارج نطاق المؤسسات الرسمية والشرعية".

تآكل مؤسسات الدولة

في حديث معمّق أجرته "المجلة" مع الباحث المختص بالشؤون الأمنية نايف حسين يوسف، رصد مؤشراتِ الانكشاف المؤسسي الذي جلّته الحرب، مستعرضا تداعياتها على ثلاثة أركان: الجيش، والحكومة، والقوى السياسية. ويؤطّر يوسف ما جرى في سياق أشمل، هو مرحلة إعادة تشكّل هوية الدولة العراقية وسلوكها، معتبرا أن النتائج الراهنة ستحدد معالم هذا الشكل المستقبلي.

أف ب
عناصر من "الحشد الشعبي" العراقي في بغداد اثناء جنازة المرافق السابق للامين العام لـ"حزب الله" حسين خليل المعروف باسم "ابو علي" الذي قتل بضربة جوية اسرائيلية في ايران في 21 يونيو

يقول يوسف: "تثبت مجريات الداخل العراقي أن البنية التقنية للجيش باتت عديمة الأثر. فلا التدريب، ولا التسليح، ولا استيعاب مئات الآلاف من المقاتلين وتشكيل عشرات الفرق العسكرية، يُجدي نفعا في غياب عقيدة واضحة وإرادة سياسية حقيقية. فالجيش العراقي بقي محايدا تماما طوال الحرب؛ حيث عجز عن ردع الفصائل المسلحة عن ضرب المصالح الوطنية والدبلوماسية داخل حدوده، وعجز بالقدر ذاته عن الرد على القصف الإيراني للأراضي العراقية. ولم تكن المشكلة في الكفاءة العسكرية، بما فيها الدفاع الجوي والاستخبارات، بل في انعدام الإرادة السياسية والاستعداد للوفاء بالواجبات الدستورية. وهذا الواقع سيُفضي مستقبلا إلى ردود فعل متعددة: فإقليم كردستان قد يجد نفسه مضطرا للمطالبة بتعزيز قدراته الدفاعية الذاتية، وأما الولايات المتحدة، الراعي الرئيس لهذا الجيش، فستجد نفسها أمام مراجعة جوهرية لطبيعة هذا الدعم".

ويستطرد يوسف في تشخيص تحوّل آخر: "إلى جانب الجيش، انهارت صورة العراق بوصفه دولة إقليمية تلتزم بقواعد الجوار وتحترم الأعراف الدولية. فقد تعرّضت دول عديدة في المنطقة لهجمات انطلقت من الأراضي العراقية، فيما غرقت فصائل مسلحة وإعلام موالٍ لها في حملات تحريضية على دول مجاورة، بلغت مع الكويت وسوريا حد التهديد الصريح بالعمل العسكري المباشر. وهو ما يستحضر صورة العراق في حقبة النظام السابق؛ الصورة التي حرصت كل الحكومات العراقية المتعاقبة على إثبات تجاوزها جذريا، غير أن ما جرى كشف هشاشة هذا الادعاء".

انهارت صورة العراق بوصفه دولة إقليمية تلتزم بقواعد الجوار وتحترم الأعراف الدولية. فقد تعرّضت دول عديدة في المنطقة لهجمات انطلقت من الأراضي العراقية

ثلاثة تحولات مرتقبة

يتشكّل على ضوء ما سبق مسار محتمل لثلاثة تحولات عميقة سيشهدها المشهد العراقي في الأفق المنظور، شريطة بقاء موازين الصراع الأميركي-الإيراني على حالها.

أولا، قد يشهد العراق استعادة لنمط الحكم القائم على "الغلبة"، تفرضه الكتلة الموالية لإيران فرضا، مع اختزال مؤسسات الدولة والعملية الانتخابية في طقوس شكلية لا وظيفة لها سوى إضفاء الشرعية على هذا النمط. وهو ما سيُفضي عمليا إلى تهميش الكتل الكردية والسنية، وكذلك الشيعية غير المنضوية تحت الولاية الإيرانية، التي ستجد نفسها أمام ضغوط متصاعدة وابتزاز منظّم يدفعها إلى القبول بالأمر الواقع.

AFP
عناصر من "الحشد الشعبي" يحملون صور القتلى الذي سقطوا في ضربات أميركية أثناء تشييعهم في بغداد في 4 فبراير

ثانيا، يغدو العراق مرشّحا للعودة إلى صفة "الدولة المارقة" في الحسابات الأميركية. فالحكومة العراقية لن تكون قادرة على الاستجابة للمطالب الأميركية، سواء في تفكيك "الحشد الشعبي" وفصائله، أو في قطع أوجه الدعم المؤسسي عنها. وسيعرّضها ذلك لواحد من مساري الضغط الأميركي: اقتصاديا أو عسكريا، وفي الحالتين ستخسر بغداد موقعها التقليدي بوصفها دولة مرعية من واشنطن وذات علاقات متوازنة معها.

ثالثا، يترتب على كل ما سبق انزلاق العراق نحو أزمة مالية واقتصادية حادة. فاقتصاده يقوم في معظمه على عائدات النفط، وهذا القطاع لن يكون بمنأى عن الضغوط الأميركية جراء التموضع السياسي للعراق في مواجهة واشنطن. ولن يختلف الحال في القطاع الأمني. وإذا ما بلغ التردي حدودا بعينها، فإن موجة احتجاج شعبي واسعة باتت أمرا محتملا، ربما تكون أشد حدة وأعمق جذرا مما شهده العراق في انتفاضة أكتوبر/تشرين الأول من عام 2019.

font change