حنة أسدي تكتب مرثية الفلسطيني المقتلع

"باراديسو 17" سيرة تيه من صفد إلى أريزونا

حنة أسدي تكتب مرثية الفلسطيني المقتلع

منذ روايتها الأولى "سونورا" (2017)، وصولا إلى "باراديسو 17" الصادرة حديثا في نيويورك عن دار "نوف" العريقة، تبدو الروائية الفلسطينية الأميركية حنة ليليث أسدي وكأنها تكتب الكتاب نفسه، لا لأنها تعجز عن مغادرة عالمها الروائي، بل لأن ذلك العالم ذاته لا يغادرها قط.

من هنا تأتي عودتها بإصرار إلى النواة العاطفية نفسها: أب فلسطيني نجا من النكبة ويحملها في جسده وذاكرته، أم يهودية، ابنة تحاول أن تفهم تاريخ العائلة عبر مراقبة الأب وهو يقترب من الموت، ومرض السرطان بوصفه استعارة بطيئة للمنفى والتآكل الداخلي. من هنا أيضا يأتي تواتر المهن والأماكن والصور من رواية إلى أخرى: سائق التاكسي، الصحراء الأميركية، الأشباح، الإحساس بالتيه، والحنين إلى بيت لا يمكن استعادته.

لكن هذا التكرار ليس اجترارا بقدر ما هو محاولة حثيثة للعودة إلى جرح شخصي وتاريخي لا يكف عن النزف. فأسدي، ابنة الأب الفلسطيني والأم اليهودية، تكتب من داخل تصدع الهوية ذاته، وتحول السيرة العائلية إلى مادة روائية تتجاوز حدود البوح الشخصي، لتلامس أسئلة المنفى والذاكرة والانتماء.

مرثية

في "باراديسو 17" تحديدا، تبلغ هذه المحاولة ذروتها الفنية والوجدانية، إذ تخط الكاتبة، بصورة غير مباشرة، مرثية طويلة للأب، وفي الوقت نفسه، مرثية لجيل فلسطيني كامل عاش حياته خارج وطنه، معلقا بين الأمكنة، عاجزا عن العودة، وغير قادر على الانتماء النهائي إلى أي مكان آخر.

لكن في هذا العمل الآسر، لا تكتب أسدي رواية عن اللجوء الفلسطيني بالمعنى التقليدي، ولا تقدم سردية سياسية مباشرة عن النكبة وما تلاها، بل تبني نصا مشبعا بالشجن والحنين والأسئلة الوجودية، يجعل من المنفى قدرا إنسانيا مفتوحا أكثر منه حادثة تاريخية عابرة.

لا تقدم أسدي سردية سياسية مباشرة عن النكبة وما تلاها بل تبني نصا مشبعا بالشجن والحنين والأسئلة الوجودية

نص يتحول فيه الفلسطيني إلى كائن هش، متناقض، يخطئ ويشتهي ويتعب ويبحث طوال حياته عن مكان يمكن أن يسميه البيت. بطل الرواية، سفيان، المولود في مدينة صفد قبيل النكبة، يقتلع طفلا من بيته ذي الباب الأزرق، ذلك الباب الذي سيظل يعود كصورة حلمية تتكرر حتى اللحظات الأخيرة من حياته. ومنذ تلك الحادثة الأولى، يبدو الزمن في الرواية معطوبا. إذ تسير حياة سفيان وفق حركة دائرية متقطعة، كأن المنفى لا يبدل الجغرافيا فقط، بل يفسد الإحساس بالزمن نفسه.

Wikimedia Commons
مشهد من العمارة التقليدية في مدينة صفد

لذلك تبدأ الرواية من النهاية: سفيان على فراش الموت، يستعيد حياته وهو يقترب من نهايتها، فيما تتداخل الأزمنة والذكريات والأماكن بلا فواصل حادة، ضمن بنية سردية تستحضر عمل الذاكرة نفسها، ذاكرة اللاجئ تحديدا، حيث الماضي قوة مستمرة تقتحم الحاضر باستمرار.

أمكنة بديلة

تتنقل الرواية بين فلسطين وسوريا والكويت وإيطاليا ونيويورك وأريزونا. أمكنة تحضر باعتبارها محطات جغرافية، وأيضا كمحاولات متكررة لصناعة بديل من الوطن المفقود. لكن هذا البديل يبقى دائما ناقصا، إذ يمنح كل مكان سفيان شيئا، ويسلبه في المقابل شيئا آخر.

في مخيم اللجوء السوري، حيث الفقر والعري والتيه، يجد نوعا من الجماعة الإنسانية الأولى. مكان يغني قاطنوه ويبكون ويتشاركون الخبز والخوف. وفي الكويت، يختبر بدايات الرغبة والحلم والرجولة، قبل أن تدفعه الحياة إلى إيطاليا، حيث يكتشف للمرة الأولى غواية الغرب: الخمر، الموسيقى، اللذة، والحياة التي لا تتمحور حول الشهادة والخسارة فقط.

لكن أسدي لا تقع في ثنائية الشرق/الغرب الساذجة. الغرب هنا ليس خلاصا، تماما كما أن الشرق ليس فردوسا مفقودا بصورة مطلقة. وسفيان يظل غريبا في كل الأمكنة، حتى حين يظن أنه استقر.

في فلورنسا يتخذ اسما جديدا، ويجرب هوية جديدة، لكنه يبقى معلقا بين شخصيات متعددة لا يستطيع الاندماج الكامل في أي منها. وفي نيويورك، حيث يعمل سائق تاكسي ويعيش حياة مليئة بالفوضى والخسارات، يكتشف نوعا آخر من العزلة: عزلة المدن الحديثة التي تسمح لغربائها أحيانا بلمح شيء من الإله في وجوه المارة، لكنها تتركهم في النهاية وحيدين أمام هشاشتهم.

من أهم إنجازات الرواية أنها ترفض اختزال الإنسان الفلسطيني في صورة الضحية النقية أخلاقيا. فسفيان ليس بطلا مثاليا. إنه يشرب كثيرا، يخون، يفشل اقتصاديا، يتهرب من المواجهة، ويتخذ قرارات مدمرة أحيانا. لكنه مع ذلك يظل شخصية آسرة ومؤلمة، لأن الرواية تنظر إليه بوصفه إنسانا لا شعارا سياسيا.

وهذا البعد الإنساني المركب هو ما يمنح النص قوته الفعلية، ويجعل مأساة المنفى أكثر صدقا وأبعد أثرا. فالاقتلاع هنا لا ينتج قديسين، بل بشرا معطوبين يحاولون النجاة بطرق ناقصة ومرتبكة.

 INTERCONTINENTALE / AFP
لاجئون فلسطينيون يعودون إلى قريتهم بعد استسلامها خلال حرب 1948، في صورة تعود إلى سبتمبر 1948

تفكيك

تلمع الرواية أيضا بقدرتها على تفكيك معنى "البيت" و"الوطن". فما الوطن بالنسبة إلى طفل خرج منه في الخامسة من عمره؟ هل هو ذاكرة فعلية أم خيال متراكم؟ سفيان بالكاد يتذكر مدينة صفد، لكنه يظل مأخوذا بصورة الباب الأزرق، وشجرة الزيتون، والضباب فوق التلال.

الاقتلاع لا ينتج قديسين بل بشرا معطوبين يحاولون النجاة بطرق ناقصة ومرتبكة

الوطن في "باراديسو 17" هو مكان شبحي يسكن الجسد والروح. لذلك توحي الرواية بأن الاقتلاع، وبقدر ما، يسرق الأرض، يغير علاقة الإنسان بنفسه وبجسده وبالعالم. يصبح اللاجئ كائنا شبه طيفي، موجودا وغائبا في الوقت نفسه.

يتجلى هذا البعد الطيفي أيضا في الحضور الخافت للعناصر الخارقة والماورائية داخل الرواية: الجن، الأحلام، الأرواح، الرؤى، والتجليات الغامضة. وهي عناصر تستخدم باعتبارها امتدادا طبيعيا لوعي الشخصية الفلسطينية المقتلعة من تاريخه، أكثر مما هي عنصر فانتازي.

والمنفى في الرواية ليس حدثا سياسيا فحسب، بل تصدع روحي أيضا. لذلك يظهر الموتى أحيانا وكأنهم أكثر حضورا من الأحياء، ويصبح الحلم شكلا آخر من أشكال استعادة الوطن المستحيل.

عنوان الرواية نفسه يحيل على النشيد السابع عشر من "الكوميديا الإلهية"، حيث يتحدث الشاعر دانتي عن مرارة المنفى. لكن أسدي لا تستخدم هذا المرجع بطريقة استعراضية أو نخبوية، بل تستعير منه فكرة أساسية: المنفى بوصفه جرحا لا يندمل، وتجربة تعيد تشكيل الكائن بالكامل.

 Vincenzo PINTO / AFP
تمثال دانتي أليغييري في ساحة سانتا كروتشي في فلورنسا، 2021

وبخلاف رحلة دانتي، لا تنتهي رحلة سفيان إلى ارتقاء وخلاص سماوي، بل إلى نوع من المصالحة الهشة مع الفقد. فالرواية تجعل الذاكرة، والحب، والعائلة، أشكالا مؤقتة من النجاة.

حب

وهذا ما يقود إلى جانب آخر بالغ التأثير في الرواية، هو تناولها الحميم للحب العائلي. فوسط كل الخراب والتيه، تبدو العلاقات الإنسانية ما يمنح الحياة معناها، بينما تمنح المشاهد الصغيرة النص كثافته العاطفية: يد الأم على جبين طفلها المريض، اهتمام سفيان بقططه، خوفه على ابنته ليلى، ارتباكه أمام الزمن وهو يرى طفلته تكبر بسرعة.

مثل هذه التفاصيل تحول دون سقوط الرواية في المباشرة السياسية، وتجعلها أكثر قربا من الحياة الفعلية. فبتصويرها بطلها الفلسطيني من الداخل، تجعلنا نعيش هشاشته وتناقضاته وحنينه، فتنتفي الحاجة إلى أي خطاب تفسيري، لأن قضيته تتجسد في تفاصيل حياته اليومية. وهكذا تتحول النكبة من حدث تاريخي إلى أثر نفسي طويل المدى، ينتقل عبر الأجيال ويعيد تشكيل العلاقات واللغة والذاكرة وحتى الحب.

 OMAR AL-QATTAA / AFP
فلسطيني يتفقد الدمار عقب غارة استهدفت مركز الشيخ رضوان الصحي التابع للأونروا شمال مدينة غزة، 2025

لغة أسدي تلعب دورا مركزيا في بناء هذا العالم. إنها لغة شعرية، بلورية، مشبعة بإيقاع حزين، تنجح غالبا في تفادي المبالغة العاطفية، رغم اقترابها أحيانا من الحافة الميلودرامية، وتمتلك حساسية لافتة في التقاط التفاصيل الصغيرة، وقدرة واضحة على إبطاء الزمن السردي أو تسريعه بحسب الحالة النفسية للشخصيات.

كما تبدي الكاتبة وعيا بصريا حادا بقوة الصورة. فالباب الأزرق، والصحراء، والقطط، والأضواء البعيدة، وصوت الموسيقى في الكنائس، وصفارات سيارات الشرطة في نيويورك...، كلها تتحول إلى علامات متكررة داخل نسيج الذاكرة.

لكن قوة الرواية الأساسية تكمن في رفضها تقديم إجابات نهائية. فسفيان لا يجد وطنا كاملا، ولا سلاما كاملا، ولا هوية مستقرة. وحتى ولاية أريزونا، التي يشعر فيها أخيرا بشيء من الألفة لأن صحراءها "في منفى عن الأرض نفسها"، تبقى مجرد هدنة مؤقتة مع الغربة.

تتحول النكبة من حدث تاريخي إلى أثر نفسي طويل المدى، ينتقل عبر الأجيال ويعيد تشكيل العلاقات واللغة والذاكرة وحتى الحب

مع ذلك، لا تنتهي الرواية باليأس الخالص. إذ ثمة ضوء خافت يعبر النص كله: فكرة أن الإنسان، رغم كل شيء، يستطيع أن يحب ويضحك ويكون عائلة ويترك أثرا في العالم، ولو كان صغيرا وعابرا.

في هذا المعنى، تبدو "باراديسو 17" رواية عن الإنسان الفلسطيني، نعم، لكنها أيضا رواية عن هشاشة البشر جميعا أمام الزمن والفقد والمنفى، وخصوصا أولئك الذين يظلون طوال حياتهم على الطريق، يبحثون عن بيت ربما لم يعد موجودا إلا داخلهم.

رواية من أكثر النصوص المعاصرة حساسية وإنسانية في تناول تجربة الشتات الفلسطيني، بعيدا من الشعارات واليقينيات الجاهزة، وقريبا جدا من جوهر التجربة البشرية نفسها.

font change