إبراهيم الكوني في ألغاز الصحراء وحكمتها

عالم الطوارق بأساطيره الوجودية

AFP-Al Majalla
AFP-Al Majalla

إبراهيم الكوني في ألغاز الصحراء وحكمتها

هناك حوارات صحافية وندوات تحدث فيها الروائي الليبي إبراهيم الكوني عن ارتباطه بالصحراء التي استقى منها قصص أبرز رواياته، إلا أنه، في أحاديثه إلى الصحافي السعودي علي مكي في كتاب "في صحراء إبراهيم الكوني"، يعطي القارئ مفاتيح أساسية لقراءة رواياته، إذا ما التبست أمامه بعض الإشكاليات المتعلقة بالهوية السردية.

علي مكي الذي عرف بحواراته اللافتة في الصحافة السعودية، ومنها ألف كتابه السابق "علمانيون وإسلامويون"، يحاول في هذا الكتاب الذي صدر أخيرا عن دار "جداول" في بيروت، أن يقترب من الجانب الفكري لإبراهيم الكوني، فيستكشف معه المبررات التي ينطلق منها لينسج نصوصه على نحو يراه "فتحا" أو خاصية اقتضاها إرث المكان الصحراوي، حيث عالم الملثمين الطوارق بأساطيره الوجودية.

الطفل الضائع

لا يضيء الكتاب/ الحوار جوانب من حياة الكوني سوى بعض الإشارات التي يذكرها عن علاقته بالصحراء مذ كان طفلا، أو لقائه بالمفكر الليبي الصادق النيهوم عام 1968، إلى جانب حياته في المنفى "لا يجب أن نثق في إنسان لم يعش تجربة منفى، ما دام الاغتراب هو الحكم المعني بتحديد الموقف من القيمة في الوجود".

ما عدا ذلك، فإن الكوني بقي يتحدث عن تصوراته للكتابة في ظل تساؤلات عن المحنة الوجودية التي لا يشترك فيها الإنسان مع الكائنات الأخرى، بل مع الوجود كله.

في محور الذاكرة والطفولة يتحدث عن المشهد الأول في طفولته الصحراوية الذي يراه يتكرر في كل أعماله، فيقول "المشهد الجدير حقا بأن يتحول هاجسا يتكرر في كل الأعمال هو الضياع، كما يليق بإنسان عاش، في عمر الخامسة، تجربة ضياع في أعظم صحاري العالم، وأكبرها مساحة، وأقواها قسوة، وإلا لما احتكرت لقبا مهيبا كـ (الكبرى)، لتتحول هذه التجربة جنسا من عهد، نجوت بموجبه من الموت، مقابل أن أفي بالوعد، بأن أحيا لكي أكون ترجمانا للصحراء، بصفتها التجلي الوحيد في الطبيعة، الذي لم يقل كلمته في آداب المسكونة، آملا أن أكون قد بلغت!".

كل ما حاولت أن أفعله هو أن أتولى ترجمة رسالة الصحراء، بأن أتيح لها الفرصة لكي تروي سيرتها بلسانها

ومن منطلق انصاف الصحراء يقول "إن اللغة في تجربتي صحراوية، وما العربية هنا سوى الشريك الشرعي للغتي الأم، وهي الأمازيغية، التي لا تقل ثراء أو شعرية أو وجدانية عن العربية، ما دام فردوس اسمه الصحراء هو الوصي العبقري على كلتيهما". لذا، فإن صوته الروائي لم يكن صوته، كما يقول "ولكنه صوت الداهية التي علمت الأجيال الحكمة، وهي الصحراء، وكل ما حاولت أن أفعله هو أن أتولى ترجمة رسالتها، بأن أتيح لها الفرصة لكي تروي سيرتها بلسانها، لا بلساني، لكي تحسن الإدلاء بشهادتها هي، لا بشهادتنا بالإنابة عنها".

FADEL SENNA / AFP
رجل يقف على كثيب رملي خلال سباق "غالوپس المغرب" للفروسية في صحراء مرزوكة جنوب المغرب، 2 مارس 2018

والصحراء، كما يراها، تلقن درسين، أحدهما أخلاقي وثانيهما وجودي: "الدرس الأخلاقي مترجم في حرف الزهد في حطام الدنيا، أما الدرس الوجودي فمترجم في تجربة التوق إلى الخلاص. ولهذا السبب الصحراء معلم حكيم قبل أن تكون مجرد فسحة في طبيعة تجاهر بأنفس ما في الوجود وهو: الحرية".

في مستوى آخر من استكشافه منابع الصحراء الأسطورية وألغازها المتحولة، يقول إن "الصحراء ذاتها استعارة، تستودع في خزائنها ذخائر استعارة، تختزل في حكمتها كل ثرواتها المتون المقدسة، وإلا لما كانت مسقط رأس التكوين، قبل أن تغدو مسقط رأس الأنبياء، كل الأنبياء".

ما الرواية؟

تثير آراء الكوني أسئلة كثيرة، أولها عن الرواية: ما هي وكيف يعرفها؟ خاصة أنه يمزج في أحاديثه عن الأسطوري والديني والفلسفي، ولا يرى أنه يبتعد في هواجسه الروائية عن هذه العوالم المتعددة "لأن غاية الإبداع في الأساس هي تأليف الأمثولة، التي لا تملك إلا أن تتأهل في الأسطورة"، إذ لا حديث عن زمن يفصل بينها أو أشكال بنائية تتطلبها، فالزمن الصحراوي "زمن أسطوري، لأن الواقع المكاني في الصحراء أسطوري. وهو ما يعني أن الزمن الصحراوي زمن سرمدي غير قابل للقسمة التقليدية الغبية، التي تحشره في حاضر وماض ومستقبل. ولذا هو أمثولة بالسليقة. أمثولة لأنه طينة خلود".

الكاتب الليبي إبراهيم الكوني يلتقط صورة في متحف فيكتوريا وألبرت في لندن، 19 أيار 2015، كأحد المرشحين النهائيين لجائزة مان بوكر الدولية. (Photo by Adrian DENNIS / AFP)
الكاتب الليبي إبراهيم الكوني يلتقط صورة في متحف فيكتوريا وألبرت في لندن، 19 مايو 2015، كأحد المرشحين النهائيين لجائزة "مان بوكر" الدولية

ويرى الكوني أن تجربة الآداب العالمية في كل العصور تجود بحقيقة تقول "لا وجود لنص أدبي مرجعي عظيم ما لم يكن مشفوعا بروح سؤال الدين". الأسطورة من هذا المنطلق "هي المرشد الأعلى في السردية، ولو لم يكن الأمر كذلك لما نصبها دهاة الحكمة كحجر حكمة، أو كحكم في الإفتاء بكل ما مت للإبداع بصلة، بداية بأفلاطون، مرورا بأرسطو، ونهاية بماركيز وكافكا".

 يتحدث الكوني عن صراع قابيل وهابيل وجذور بعض الأساطير في المنطقة. إذ كان إيزيس وأوزريس "في زمن كانت فيه الحضارة المصرية، بل والإغريقية، تنهل من ينابيع ليبيا، كما يشهد عراب تاريخ ما قبل التاريخ هيرودوت في موسوعته التاريخية". ويقول إن كلمة "توراة" العبرية "هي استعارة من أمازيغية الصحراء وتعني: الرسالة".

FADEL SENNA / AFP
جمل أمام غروب الشمس في صحراء قرب الداخلة في الصحراء الغربية، 13 أكتوبر 2019.

كما يتحدث عن رواياته "المجوس" و"التبر" و"واو الصغرى" و"نزيف الحجر"، وكيف كانت النية لإنصاف كائنات هي "بمنطق الصحراء شركاء في غنيمة الوجود امتثالا للعدالة، في واقع بري لا يتردد في أن ينقل العلاقة من خانة (وحدة الكائنات) إلى منزلة أعظم شأنا هي (وحدة الوجود) التي يقوم فيها الإنسان بالجود بالحياة في سبيل افتداء الحيوان، الذي لا يعود بفضل هذا النزيف حيوانا، كما يحدث في (نزيف الحجر) وفي (التبر)، في تجربة درامية استطاع فيها الإنسان أن يحقق النصر على أنانيته كإنسان، في سابقة مرجعية في تاريخ الأدب العالمي، تصلح أن تتبوأ منزلة الفتح" حسب قوله.

 أما عن روايته الكبرى التي تحوي جانبا من حياته فيقول إنها "عدوس السرى".

إصلاح لا ثورة

يتخذ الكوني موقفا لافتا من الثورات، فهو لا ينتقد مساراتها أو قاداتها وإنما يقف ضدها من الأساس، وهو موقف فيه الكثير من المفارقات، إذ عرف بلده ليبيا ببلد الثورة. وعلى العكس من موقفه هذا نجده يشيد بحركتي التنوير والإصلاح السباقتين للمفاهيم الثورية، فيبدو أنه يستعيد النقاشات الفكرية في القرنين السادس عشر والسابع عشر وما تلاهما. فالثورة "هي احتراف سفك الدماء في سبيل الفوز بغنيمة نفيسة هي السلطة". ويرى أننا "نستطيع أن نغفر للسلطة خطايا كثيرة لولا احترافها للعنف". 

التجربة التثويرية الدموية التي اعتمدتها الأيديولوجيات الجنونية في واقعنا، بوصفها قارب نجاة، اقترفت آثاما لا تغتفر في حق الأمة

ويلاحظ أن "التجربة التثويرية الدموية التي اعتمدتها الأيديولوجيات الجنونية في واقعنا، بوصفها قارب نجاة، اقترفت آثاما لا تغتفر في حق الأمة، دون أن تفلح في تحقيق حلم الخلاص الموعود، حتى إذا وقعت الواقعة هرع القائمون على أمر مثل هذه الحركات إلى ما اعتادوا أن يطلقوا عليه (المصالحات الوطنية)، ولكن بعد فوات الأوان".

غلاف "في صحراء إبراهيم الكوني"

وإذ يجيب عن أسئلة حول السياسة واللغة والترجمة، فإنه أيضا يتحدث عن مكانة الصمت في سردياته وعن المرأة "أم العالم"، والحكمة والهجرة. وعن القارئ العاجز عن استيعاب درس ما يقرأ، وما يخلده نص عن الملل مثل "عوليس" لجيمس جويس، مقابل نص متعة عابر.

font change