تقدم رواية "الطانفا" للكاتب الجزائري الصديق حاج أحمد، الصادرة عن "دار الدواية للنشر"، رحلة أدبية استثنائية تتجاوز مجرد السرد لتغوص في أعماق الذات الأفريقية والذاكرة الإنسانية.
منذ الوهلة الأولى، يشد العنوان الغامض، "الطانفا"، القارئ، حاملا في طياته إيحاءات بالرحلة الشاقة والمجهول، وربما إشارة إلى ظاهرة طبيعية صحراوية أو مكان بعيد، مما يفتح شهية الاستكشاف لعوالم نص لا يكتفي بالسطح، بل يتوغل في تجربة إنسانية فريدة في فضاءات غير مألوفة. إنها عتبة نصية تربط القارئ بالمحليات الجزائرية، وتدفعه نحو فضاءات أفريقية أوسع، مؤكدة البعد الأفريقي العميق للجزائر، ومحطمة الصورة النمطية التي تحصر الهوية في حدود جغرافية ضيقة.
خرائط الوجود
تتخذ الصحراء الكبرى في "الطانفا" موقعا محوريا، فهي تتجاوز كونها خلفية جغرافية صامتة، وتتحول إلى فاعل درامي أساس يشكل مصائر الشخصيات ويحدد مساراتها. إنها فضاء الموت والحياة، العزلة واللقاء، حيث تتجلى قسوة الطبيعة وجمالها في آن واحد، وتصبح رمزا للمجهول الذي يختبر صبر الإنسان وقدرته على البقاء. في هذا الفضاء الشاسع تتلاشى الحدود المصطنعة بين البشر، وتبرز إنسانيتهم المجردة، لتكشف الصحراء عن أعمق المخاوف وأسمى الآمال، وتتحول من "خلاء" إلى "امتلاء" بالمعاني والأسئلة الوجودية الكبرى.
تتسع الرواية لتشمل فضاءات أخرى تمتد من الحدود الجزائرية مع مالي والنيجر، وصولا إلى جنوب أفريقيا، مرورا بكينيا وتنزانيا وتوغو. هذه الفضاءات ليست سوى محطات في رحلة عبور محفوفة بالمخاطر، حيث يتربص الموت بالضعفاء، لكنها أيضا تحمل بذور الأمل والولادة الجديدة لمن ينجو.



